![]() |
#شيء من اللغة: القول المباشر وغير المباشر (2 من 2)
#شيء من اللغة: القول المباشر وغير المباشر (2 من 2) د. هادي حسن حمّودي لحظنا في الحلقة السابقة أن القدماء ذكروا أن الهمزات المفتوحة دلت على أن تلك الآيات من كلام الجن وليست وحيا. لماذا قرروا ذلك والقرآن كله وحي مُنزَل؟ أرى أن قرارهم هذا يمثل انتباهة ذكية. غير أنهم لم يسيروا بها إلى غايتها بسبب خضوعهم لقواعد وضعوها من قبل. فعندهم أن كل همزة بعد القول يجب أن تكسر، فإن لم تكن كذلك أوّلوا القول بمعنى آخر. ومن أمثلتهم: أتقول أنّ زيدا قائمٌ. قرروا أنّ (قال) هنا بمعنى ظنّ. وهكذا. ولكنّ هذا التأويل ليس حكما لازما. هنا مثالان: * تُخاصِمُ صاحبك، فيقول لك: إن الحق معي. فهل يصح أن تنكر عليه ذلك بقولك: (أتقول: إن الحق معي؟) لأنك هنا جعلت صاحبك يقول إن الحق معك لا معه. لذا يجب عليك أن تقول له: أتقول أن الحقّ معك؟ فتفتح الهمزة لأنك لم تنقل قوله كما هو، بل غيرت فيه. * قال لك والدك: إن أخي سيسافر. فتفهم أن المسافر عمّك. أردت أن تنقل الخبر لصديق لك، فإذا قلت: (قال والدي: إن أخي سيسافر). بالنص كما قاله والدك، فإن السامع سيتصور أن أخاك هو الذي سيسافر. وإذا قلت: قال أبي: إن عمّي سيسافر، فقد غيرت في كلام أبيك، وإن كان السامع سيفهم أن عمك هو من سيسافر. أقترح عليك أن تقول الجملة نفسها ولكن بفتح الهمزة (قال أبي أنّ عمي سيسافر). فتتخلص من أن تقوّل أباك ما لم يقل، وتنقذ صديقك من الوهم الذي كان سيقع فيه حين يتصور أن أخاك هو مَنْ سيسافر. فإذا كتبت هذا يجب أن تحذف النقطتين المتعامدتين بعد فعل القول. وأنا لا أتصور نصا لا يتغير معناه، قليلا أو كثيرا، بتغيير كلمة فيه، أو بتغيير حركة كلمة أحيانا. القرآن الكريم يكسر الهمزة بعد القول حين ينقل أقوال الأقوام، سواء كانوا من الإنس: (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) أم من غيرهم: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى). الأقوال هنا أوحيت نصّا بلا تغيير فيها. ومثلها الآية الأولى من سورة الجن. ولو رويت الأقوال كحكاية حال لفُتحت الهمزة. وهو ما اعتبره المفسرون في سورة الجن ليس وحيا بل من كلام الجن. وللعلم فإنّ القول المباشر وغير المباشر ظاهرة لغوية عامة في اللغات القديمة واللغات المعروفة اليوم. وإني لأقترح أن نفهم فتح الهمزة في الآيات المشار إليها من سورة الجن، على أنها قول غير مباشر، بمعنى أن الآية الأولى التي فيها كسر الهمزة (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) هي نصّ ما قالوه مما أُوحيَ إلى النبي الكريم. أما باقي الآيات فهي حكاية حالهم بعد استماعهم للقرآن، لا نصّ أقوالهم، فيصحّ وصف القدماء بأنه من كلام الجن وليس وحيا. ولا أرى معنى آخر لقولهم هذا. وياليتهم ساروا به نحو تقسيم القول إلى مباشر وغير مباشر، فهم لو فعلوا ذلك لتحقق اتفاقهم، في أنها مفتوحة كلها، ولمهدوا سبيلا للتعبير بـ(أنّ) بعد القول في الحالات المناسبة، بلا حاجة لتأويل (قال) بمعنى لفظ آخر. أما قراءة كسرها جميعا فقراءة تجعلها كلها متعلقة بـ(فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا). هذا بإيجاز (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ). المصدر |
| الساعة الآن 05:40 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by