منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مقالات أعضاء المجمع (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=34)
-   -   خواطر سليمانية! (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=3951)

عبدالرحمن السليمان 12-14-2013 12:33 AM

خواطر سليمانية!
 
هنيئا لأوربا!

عدت اليوم من يوم دراسي في مقر الجامعة الرئيس في لوفان، كان موضوعه التعريف ببرنامج (أفق 2020/Horizon 2020)*، وهو البرنامج الذي أطلقته المفوضية الأوربية أمس، يوم الأربعاء الواقع في 11 كانون الأول / ديسمبر 2013.

وبرنامج (أفق 2020/Horizon 2020) برنامج للبحث العلمي والإبداع والتجديد، أطلقته المفوضية الأوربية ووضعت له ثلاثة محاور رئيسة هي: 1. العلوم والمعارف، و2. الصناعة والتكنولوجيا و3. الواقع الاجتماعي والثقافي. ودعت المفوضية جميع الجامعات الأوربية للمشاركة فيه بمشاريع علمية تقع ضمن اختصاصاتها العلمية. وهدف البرنامج النهائي هو بلورة رؤية أوربية جديدة بحلول سنة 2020 (من ثمة اسم البرنامج: أفق 2020/Horizon 2020).

تحدث اليوم متحدثون كثر من المفوضية الأوربية، وشرحوا البرنامج بالتفصيل، وبينوا شروط المشاركة فيه .. فبرمجت لنا الجامعة يوما دراسيا آخر لتدريب الأساتذة الراغبين في تطوير مشروع ما يشاركون به في البرنامج، على تحرير طلبات المشاريع وملء استماراتها المعقدة، وخصصت لكل أستاذ يرغب في تطوير برنامج مبلغ 15.000 يورو لتغطية مصاريف تنقله وإقامته بين دول أوربا، ذلك لأن هذا البرنامج أوربي، ويفترض في كل مشروع يقدم في إطاره أن تشترك فيه ثلاث جامعات من ثلاث دول أوربية على الأقل.

إن برنامج (أفق 2020/Horizon 2020) هو أحد مظاهر الاستجابة الأوربية لنتائج الأزمة التي عصفت بأوربا نتيجة للأزمة المالية في الولايات المتحدة، ولمتطلباتها، ويهدف – فيما يهدف إليه – إلى إطلاق عصف ذهني علمي يترجم إلى مشاريع تحفيزية تؤدي بدورها إلى نهضية علمية واقتصادية واجتماعية. وقد خصصت المفوضية الأوربية لهذا البرنامج ميزانية مالية قدرها: تسعة وسبعون مليار (مليار، أي: 79.000.000.000) يورو! لقد استشعر القادة الأوربيون، الذين تأتي بهم شعوبهم إلى الحكم بطرق الانتخاب المباشر، أن ثمة أزمة ينبغي التصدي لتحدياتها، فوضوعوا لذلك استراتيجيات مختلفة، منها إطلاق برنامج (أفق 2020/Horizon 2020) الذي يمكن الجامعات الأوربية من تطوير رؤى جديدة وآفاق جديدة تؤسس لانطلاقة علمية واقتصادية جديدة في مطلع العقد الثالث من الألفية الثالثة. فالجامعات في العالم المتحضر – وجامعات أوربا أفضل جامعات العالم – هي بوصلة المجتمع، وموجهة تطوره، بله صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فيه، فهي التي تؤسس للعلم، وللاقتصاد، وللاجتماع، وللسياسة، ولكل شيء تقريبا .. والساسة يضخون فيها وفي البحث العلمي من المال والإمكانيات المادية ما يثير العجب. ولا يكاد يوجد مواطن أوربي واحد يعترض على ضخ المال في الجامعات لأنه يعرف أن حضارته وتفوقه العلمي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري مؤسس أولا وأخيرا على العلم. أضف إلى ذلك أن المحاسبة الصارمة المعمول بها في دول الاتحاد الأوربي تحول دون الفساد المالي في المؤسسات الأوربية، مما يزيد في ثقة الناس بمؤسساتهم العلمية، فيجودون عليها بالمال. فكم من ميسور نعرف أوصي بجميع أملاكه للجامعات، وكم من المشاهير الأغنياء تركوا تركاتهم كلها للجامعات. ولا تفسير لذلك إلا لثقتهم بأن العلم هو سبب تفوقهم العلمي والاقتصدادي والتكنولوجي والعسكري.

عدت من مدينة لوفان وأنا أتأمل في نشاط المسؤولين الأوربيين وإيمانهم في قدرات شعوبهم ومؤسساتهم العلمية والاقتصادية والثقافية .. إنه نشاط مثير للتأمل والعجب، لا يسعك تجاهه إلا أن تهنئهم عليه، وتغبطهم على تفانيهم من أجل رقي شعوبهم، وتألق حضارتهم .. إنه حراك علمي مثير وكرم بالمال على البحث العلمي لا تملك أمامه إلا أن تندب حظنا نحن العرب الذين اقتصرت همم دولنا على بناء مؤسسات أمنية تفوقت على العالمين في كيفية تحييد طاقات الانسان العربي وتهميشه وتخريب حضارته؛ العرب الذين اقتصرت همم أثريائنا – إلا من رحم ربي – على بناء أطول برج في العالم، وأكبر شجرة ميلاد في العالم، وأكبر تورتة في العالم، وأعلى ساعة في العالم، إلى آخر مشاريعنا المجنونة ..

نعم، لا شيء يحول دون استثمار الدول العربية في العلم والمؤسسات العلمية وفي مقدمتها الجامعات .. ولكنني تعلمت اليوم، للمرة الألف، أن الحضارة شيء لا يُبنى في يوم وليلة، وأن الحضارة لا تبنيها أمة لا تتجاوز قيمة الانسان عندها قيمة علبة سردين فاسدة ..

----------

* للاطلاع على البرنامج انظر: http://ec.europa.eu/programmes/horizon2020/

أ.د عبد الرحمن بو درع 12-14-2013 03:04 PM

بارَك الله فيك أخي الأستاذ د.عبد الرحمن السليمان، لقَد نقلتَ لنا صورةً مشوِّقَةً
عن إيمان الغرب الأوربي في مواجهَة الكوارث وحلّ المشاكل بالعلم والمشاريع العلمية
ورَصد مبالغَ خياليّةٍ من الأموال لالتماس الحلول الجذرية ، فيكون قادَةُ بلدان أوربا
قد أدّوا الأمانَةَ التي عُلِّقَت على أعناقهم، وأسنِدَت إليهم ، وفَعَلوا شيئاً مذكوراً سيُسألون
عنه بعد انتهاء رئاستهم: ماذا فعلتُم لحلّ الأزمات ؟ وفي هذه القصة عبرةٌ لمن يعتبر

عبدالرحمن السليمان 12-23-2013 02:56 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع (المشاركة 6400)
بارَك الله فيك أخي الأستاذ د.عبد الرحمن السليمان، لقَد نقلتَ لنا صورةً مشوِّقَةً
عن إيمان الغرب الأوربي في مواجهَة الكوارث وحلّ المشاكل بالعلم والمشاريع العلمية
ورَصد مبالغَ خياليّةٍ من الأموال لالتماس الحلول الجذرية ، فيكون قادَةُ بلدان أوربا
قد أدّوا الأمانَةَ التي عُلِّقَت على أعناقهم، وأسنِدَت إليهم ، وفَعَلوا شيئاً مذكوراً سيُسألون
عنه بعد انتهاء رئاستهم: ماذا فعلتُم لحلّ الأزمات ؟ وفي هذه القصة عبرةٌ لمن يعتبر

حياك الله أخي الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بو درع، وشكر إضافتك القيمة.

أحد عوامل نجاح الحضارة الغربية وتفوقها هو تعاون أهل العلم وأصحاب الأموال والمصانع في سوق مبنية على التنافس الحر، مما يخلق قدرات إنتاجية هائلة. والبرنامج بميزانيته الضخمة هذه تحفيز جديد لهذه الآلية.

تحياتي الطيبة.

عبدالله بنعلي 05-27-2014 08:39 PM

نعم مراكز الدراسات الإستراتيجية العلمية الصرفة الإقتصادية والمالية والتجارية والمعريفية من جامعات ومعاهد ومراكز دراسات متخصصة هي من تقود اروبا في كل المجالات .
إنّ ما ينفق على البحث العلميّ من أموال طائلة ستعود على الجميع بالخير الوفير
في عالمنا العربي والإسلامي ينفقون على الشيء المكرر دون أدنى تنسيق بين المؤسسات فتضيع الأموال والمنافسة ويبقى التقليد والإسراف والإهمال

عبدالرحمن السليمان 08-01-2014 10:44 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله بنعلي (المشاركة 8942)
نعم مراكز الدراسات الإستراتيجية العلمية الصرفة الإقتصادية والمالية والتجارية والمعريفية من جامعات ومعاهد ومراكز دراسات متخصصة هي من تقود اروبا في كل المجالات .
إنّ ما ينفق على البحث العلميّ من أموال طائلة ستعود على الجميع بالخير الوفير
في عالمنا العربي والإسلامي ينفقون على الشيء المكرر دون أدنى تنسيق بين المؤسسات فتضيع الأموال والمنافسة ويبقى التقليد والإسراف والإهمال


صدقت أخي الكريم، ولا تنس أموال المهرجانات الفنية!
تحيات الطيبة.

عبدالرحمن السليمان 08-01-2014 10:46 PM

رمضان انقضى

(مسجد الإمام مالك) أو (مسجد الإماراتيين) – كما يسميه أهل طنجة نسبة إلى محسنين من الإمارات العربية المتحدة كانوا بنوه على رأس هضبة في أحد أحياء طنجة – هو اسم المسجد الذي يطيب لي أن أصلي التراويح فيه عندما أُرَمْضِنُ (1) في طنجة، ليس لأنه قريب من مسكني فحسب، بل لسببين اثنين: بناؤُه على هضبة عالية يرقيها هواء معتدل يهب عليه من بحرين يلتقيان في طنجة وتحيط به من ثلاث جهات حديقة يُصلى التراويح والتهجد والصبح فيها، من جهة، وأصوات مقرئيه الجميلة الذين يقرؤون في صلاة التراويح حزبًا، والتهجد حزبًا، فيختمون القرآن في رمضان على عادة المغاربة في ذلك، من جهة أخرى. إن تربع المسجد على هضبة عالية يعرضه لنسيم البحر العليل في أيام الصيف القائظ، فتشعر وأنت في رحابه وكأن مكيفًا طبيعيًا يهذب جو المسجد ومحيطه، ويجعل الصلاة فيه أو في حديقته الواسعة سلسة للغاية.

يحيط بالمسجد وأبوابه باعة كثيرون يملؤون الفضاء المحيط به بالبضائع المختلفة: من الكَرمُوس (2) إلى البطيخ، ومن الليتشي (3) إلى التمور المختلفة، ومن الجلابيات والسراويل إلى المسك والعنبر وسائر العطور المختلفة، ومن مواد البناء الصغيرة إلى الكتب .. ومما يثير الانتباه والفضول تلك العربات الجميلة المزخرفة التي يباع عليها البَبُّوش (4) وأصناف العصير النادرة كعصير التمر وعصير الزبيب وعصير الخوخ الطبيعي، في أوان عجيبة مقصدرة، كُتب عليه بخط عربي جميل فوائد هذا العصير، أو ذاك. وهكذا تقرأ أن عصير التمر مقو للذاكرة ومنشط للدورة الدموية مزيل للماليخوليا منشط للباه مقو عليه! أما عصير الزبيب ففعله مثل فعل عصير التمر وزيادة عليه أنه مُعَدِّل للمزاج! وفي عصير الخوخ علاج فعال للإمساك ومشاكل الأمعاء المكتنزة. والعهدة على المخطوط بخط عربي منمق الملصوق على أواني هذه العصائر. أما بائع البَبُّوش فيزعم أن لبَبُّوشِهِ فوائد لا تعد ولا تحصى، أقلها التقوية على الباه أيضا، الذي تنص عليه جميع وصفات هذه العصائر والمنتجات، وكأنه الهم الأعظم للجماعة بعد الصيام!

كنت أتأمل كل يوم بضاعة البائعين المتنوعة تنوعًا عجيبًا بعد التراويح، لكني نادرًا ما كنت أشتري شيئًا منها إلا التين والآوُون (5) والدَّلاع(6) الذي زاده شمس المغرب حلاوة لا تجدها في الغرب، فما كنت أفوت يومًا عليَّ بلا تين أو بطيخ!

كما يملأ أبواب المسجد طائفة من الفقراء والسائلين الطامحين إلى خير المتصدقين في شهر الخير والبركات، يسألون الناس مما أفاء الله عليهم، منهم أسرة سورية ألجأها الظلم إلى مغادرة سورية وقصد مصر، لكن النظام الجديد فيها أصبح يضيق على السوريين المقيمين فيها، فغادروا مصر مكرهين كما أخبرني بعض أفرادها، فجالوا في عدة دول عربية، لم تسمح لهم أية منها بالمقام فيها، حتى انتهى المطاف بهم إلى الجزائر، التي رمتهم على حدود المغرب، الذي سمح لهم في آخر المطاف بالدخول إلى أراضيه، وإيوائهم فيها ..

ومما يزيد في رونق المسجد إمامه وخطيبه، فلإمامه صوت غاية في الجمال وتلاوة محكمة تسلب شغاف القلوب. وأما الخطيب فهو عالم جليل ذو تكوين أكاديمي رصين يجمع بين ملكات العلوم الشرعية ومواهب الخطابة والإلقاء والتواصل العصري. وكان يعظ يوميًا تقريبًا، مرة بعد العصر، ومرة قبل التراويح، وبحرقة على الأمة. ولا شك في أن لموقع المسجد، وحديقته المزدانة بأشجار الزيتون والنخيل، وتعرضه للهواء العليل من الداخل والخارج للهواء المعتدل من كل الجهات، ولإمامه وخطيبه وباعته العجيبين الأثر الأعظم في عمرانه أيام رمضان المعظم ولياليه، بحيث لا تجد مكانا للصلاة، ولو في الشارع، إن أنت وصلت إليه بعد الأذان. فترى الناس فيه بلباسهم الأبيض الجميل، وتخبرهم بنفوسهم السمحة، وقد هموا للقيام بعد الصيام بنشاط ملحوظ، فصبروا على القيام صبرهم على الصيام الذي هذب أخلاقهم، وجعل سلوكهم ومعاملتهم بعضهم بعضًا غاية في الإيثار والألمعية.

واليوم، وبعد يوم واحد من انقضاء الشهر الكريم، زرته فألفيته خاليًا إلا من بعض المصلين، وقد غاب عن الصلاة فيه الأكثرية الساحقة ممن كانوا يعمرونه في رمضان، فلا ترى إلا المسنين وبعض الشباب .. وغاب بغياب عُمّاره في رمضان باعةُ الببوش والعصائر والعطور. بل إن السائلين الذين كانوا يملؤون أبواب المسجد ونفوسهم تطمح إلى خير المحسنين المتصدقين في الشهر الكريم، انفضوا عن المسجد. فبدا المسجد، في أول أيام العيد، وكأنه طلل بالٍ، وبدت جُنَيْنَتُه (7) وأرصفته التي كانت تشهد في رمضان أكثر من ألفَي مُصلٍ، وكأنها جنة خاوية على عروشها ..

صحيح أن لرمضان المعظم أجواء تعين على العبادة وعمران المساجد، وصحيح أن لإيقاع الحياة في رمضان في معظم الدول الإسلامية حافزًا على الخير، وصحيح أن لأحاديث الوعاظ في المساجد أثرًا كبيرًا في سلوك الناس وشحذ هممهم للعبادة وفعل الخير والإيثار، لكنه وفي الوقت ذاته أمر عجيب للغاية أن ترى هذا التغير المفاجئ عند الناس في العبادة، وأن تلحظ هذا التبدل الكبير في سلوكهم اليومي. وكأنه صار للعبادة عند مسلمي اليوم – ليس في المغرب فحسب، بل في جميع بلاد الإسلام لأن هذه الظاهرة ملاحظة في جميع بلاد المسلمين وأيضًا عند جالياتهم في الغرب وأقلياتهم في بلاد غير المسلمين – موسم للعبادة، يرتادونه في زمان ما مثلما تُرتاد المواسم والأسواق في أزمنة بعينها!

رمضان انقضى، ومن الناس من تزود منه، ومنهم من حُرم من خيره، ومنهم من تديّن في رمضان ثم عاد إلى ديدنه قبل رمضان، وانفض سامر الخير وما مر على الشهر الكريم سوى يوم واحد! ولله درّ القائل:

بكت المساجدُ تشتكي عُمَّارها ===== كم قَلَّ فيها قارئٌ ومُرتِّلُ
هذي صلاةُ الفجرِ تحزنُ حينما ===== لم يبقَ فيها الصفُّ إلا الأولُ
هذا قيامُ اللِّيلِ يشكو صَحْبَهُ ===== أضحى وحيداً دونهم يتململُ
كم من فقيرٍ قد بكى متعففاً ===== مَنْ بعدَ شهر الخير عنهم يسألُ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شرح اللغة:

(1) أُرَمْضِنُ – مضارع رَمْضَنَ: صام رمضان أو قضىاه في مكان ما.
(2) الكَرمُوس: التين. أما (كَرمُوس النصارى) فهو التين الصَّبّار الذي يسمىه المغاربة أيضًا: (هِنْدِيَّة).
(3) الليتشي: البرتقال. وتعني (لِيتْشِي) "الصيني" نسبة إلى أصل البرتقال من الصين؟ وتشتهر مدينة بركان في شرق المغرب بالبرتقال اللذيذ.
(4) البَبُّوش: الحلزون، يطبخ بالماء ثم يؤكل.
(5) الآوُون: البطيخ الشمام الذي هو أصفر من الخارج ومن الداخل!
(6) الدَّلاع (وأيضًا الدَّلاح): البطيخ الذي هو أخضر من الخارج وأحمر من الداخل! ويسميه أهل الشام (جِبْسِي) وأهل العراق (رِقِّي) – بالقِيف أو الجيم القاهرية!
(7) الجُنَيْنَة: تصغير جَنَّة، وهي الحديقة المحيطة بالمنزل في لهجة أهل الشام.



عبدالرحمن السليمان 04-16-2015 02:13 AM


حمار ولعب بعقل التيس!

تذكرت هذا الصباح – وأنا أتجول في سوق شعبي شاهدت فيه سراويل داخلية مصنوعة من القطن تدفئ السيقان في الشتاء كان المسنون في بلاد الشام يلبسونها تحت القنباز – بائعا متجولا كان يبيع هذا النوع من السراويل القطنية في مدينة حماة في مستهل السبعينيات من القرن الماضي. كان ذلك البائع يتجول في الشوارع وينادي بصوته العذب: (بَنْطَرْلُونْ أَنْتَرْلُوكْ. بنطرلون أنترلوك. بنطرلون أنترلووووووووك.) ثلاثا، وكان يمط صوته في الثالثة مطا عجيبا. ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بالصوت وبالنطق وبصورة البائع الذي كان يُظن أنه كان مصريا أو فلسطينيا.

وتذكرت أن أحد سكان الحي ارتاب في هذا البائع إبان حرب تشرين/أكتوبر سنة 1973، وزعم أنه جاسوس إسرائيلي، فانقض عليه سكان الحي ضربا وسحلا في الشارع، وأدموه، ومزقوا سراويل (الأنترلوك) التي كان يترزق من بيعها تمزيقا. ثم شاهدتهم، وكنت ابن عشر سنوات ونيف تقريبا، وهم يسجبونه إلى دكان لأحد جيراننا ويغلقون الباب الجرار عليه وهم ينتظرون الشرطة.

جاءت الشرطة وأخذته وهو يصرخ بما تبقى له من قدرة على الصراخ، ويقول والدماء تغطي وجهه: "أنا فلسطيني من أهل غزة يا إخوان. عربي مسلم .. الله وكيلكم ماني يهودي"! لكن أحدا من الناس لم يصدقه، ورأيتهم يعينون الشرطة في سحبه إلى السيارة لأنه لم يكن يقوى على المشي، وفي التنكيل به حسب الأصول!

وأمس سمعت أن سوريا من معارفي كان لجأ إلى مصر هو وأسرته تعرض لموقف مشابه .. فلقد شاء سوء طالعه أنه مر ذات يوم منكر من حي في القاهرة ينشط فيه جماعة السيسي، فلما عرفوه سوريا اتهمه أحدهم بأنه كان يتظاهر مع جماعة مرسي ضد السيسي، فانهال عليه جميع من كان في الشارع ضربا وتنكيلا وأصابوه بكسور في أضلاعه وساعده وأسمعوه كلاما يندى له جبين الحياء خجلا. لم يكن المسكين يتظاهر مع أحد، بل كان ذاهبا إلى مكتب لقضاء حاجة إدارية!

في الحالتين: حالة بائع (البنطرلون أنترلوك) الغزاوي في حماة وحالة اللاجئ السوري في القاهرة، كان ثمة من يقول قولا فيصدقه الناس بدون إعمال للعقل، فيثور الناس كالهمج، ويهيجون كالثيران؛ كأن الله سبحانه لم يهبهم عقولا سليمة يفكرون بها، وفطرة سليمة يميزون بها بين الخير والشر، وقدرة على الاختيار والتمييز، ودينا حنيفا يدعوهم إلى العدل والتروي والإنصاف والإحسان ويبين لهم.

ما وجدت في اللغة أصدق وصف لهؤلاء الثيران الهائجة المضربة عن التفكير وعن إعمال العقل من المثل البلدي: (حمار ولعب بعقل التيس)! فهؤلاء الرهط – فعلا - تيوس سلموا قرونهم لحمير فأوردوهم المهالك وصاروا في الحمورية والتياسة كشق الأبلمة ولا فرق!

نسأل الله أن يثبت علينا فضيلتي الإيمان والعقل.

عبدالرحمن السليمان 08-25-2018 10:59 PM

الديك الفصيح من البيضة يصيح!

هبطت من جبل عالٍ في مدينة أقشور شمال المغرب، تنبع من خلاله المياه العذبة صانعة شلالات غاية في الجمال، إلى سهل البلدة، وقد اشتد بي العطش بعدما نفد زادي من الماء وقت الهاجرة، وقد بلغتْ درجةُ الحرارة فيها الأربعين. وصلتُ السهل حيث باعة المشروبات والفواكه والأعشاب النافعة والمكسرات والتحف التذكارية منتشرون على قارعة الطريق. وكان أول ما شاهدت منهم غلامًا في السادسة أو السابعة من عمره، يبيع عصير البرتقال الطبيعي على عربة تحيطُ بها صناديق بلاستيكية مُلئت بالبرتقال الغارق في الماء البارد المنساب من الجبل. طلبتُ منه كأسًا فأراني كأسين مختلفي الحجم قائلاً ومبينًا بلغة لا تخلو من براءة الأطفال: "ثمن الكأس الصغير خمسة دراهم، وثمن الكأس الكبير سبعة. فأي الكأسين تريد يا سيدي"؟ فطلبتُ منه أن يعصر لي كأسًا كبيرًا يروي الظمأ الناشئ عن صعود جبل وهبوطه عند القائلة.

أخرج الصبي سبع برتقالات باردة من السطل، وأخذ يعصرها بطريقة يدوية. بدا ساعده وهو يعصر البرتقالات، أضعف من أن يعصرها كما ينبغي، فصار يمط جسمه النحيف مطًا إلى الأعلى ثم يلقي بثقله على عصارة البرتقال كي يستخرج من البرتقالة عصيرها حتى الآخر. عرضتُ عليه مساعدتي فلم يرضَ، ربما لأنه رأى في عرضي لمساعدته شكًا في قدراته على عصير البرتقال.

وبينما هو يعصر البرتقالة الثانية، جاء أخ له يكبره بعامين أو ثلاثة على أكثر تقدير، وطلب منه – وبطريقة استعراضية – أن يتنحى جانبًا، وأخذ يعصر البرتقالات بنشاط وحركات تفضح عزمه لكي يظهر أمام الزبائن بمظهرٍ قويٍ يتجاوز عمرَه الصغير وعودَه الغض. ثم أخذ زمام المبادرة وبدأ يدردش معي قائلاً:

- ثمن الكأس الصغير، يا أستاذ، خمسةُ دراهم، وثمن الكأس الكبير ثمانية!
- ولكن أخاك قال لي إن ثمن الكأس الكبير سبعةُ دراهم!
- أخي هذا صغير لا يفهم .. وهو لا يعرف الأثمنة جيدًا!
- يا سيدي كما تحب: أدفع لك ثمانية دراهم وأزْيَد!
- [ناظرًا في وجهي] لا والله! بل كما قال لك أخي: سبعةُ دراهم ولا أزِيد!

امتلأ الكأس وبقي فيه مقدار حمصة فارغًا. وبدلاً من أن يناولني الكأس لأشربه، شطر برتقالة ثامنة كي يعصرها، فقلت له:

- لا داعي إلى عصرها فالكأس قد امتلأ!
- لا بد من إكرامك يا أستاذ!
- ولكنك أكرمتني وقد ملأت الكأس حتى كاد أن يطفح.
- أنت تستأهل يا أستاذ. وهذا ضروري جدًا!
- أكرمك الله يا هذا. وكيف عرفت أني أستاذ؟
- بالفراسة!
- وما أدراك ما الفراسة؟!

فرمقني بنظرة أبلغ من جواب، وناولني الكأس، وشربت حتى ارتويت.

استغربت كثيرًا من هذا الصبي، وسألته عن عمره وعرفتُ أنه ابن عشر سنوات، وأنه من أبناء إحدى القرى المحيطة ببلدة أقشور، وأنه تلميذ في المرحلة الابتدائية، وأنه يعمل في العطلة الصيفية في بيع العصير للسياح الوافدين على أقشور ليساعد والدَيه الفلاحين في ادخار بعض المال لفصل الشتاء.

ودَّعته وأنا أتأمل في صنيعه وأخيه، وفي حلاوة حديثه، وفي نشاطه وكده وسعيه في إرضاء زبائنه بملء الكأس حتى حافته تارةً، وبالكلام المعسول تارةً أخرى، ولكن ببراءة لا تعرفُ غش الكبار، ولا حيلهم في البيع. وغادرتُه وأنا أجزم أن فرص التعليم والتنشئة والتطوير إن هي أتيحت لمثل هذا الصبي وأضرابه من النشء في البلاد العربية، فإن أوطاننا وقتها سوف تشهد تطورًا حقيقيًا، لأن الموارد البشرية فيها لا تنضب، ولأن الأرض فيها ولادة، ولأن السماء فوقها قريبة من الأرض قربًا لا يخيبُ معه أملُ من يثق في جود بارئها.

أقشور، المغرب، 10 ذي القعدة 1439، الموافق 24 تموز/يوليوز 2018.


الساعة الآن 02:34 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by