منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   بين الخوف والإعجاب.. علاقة الشاعر بالذئب (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=39495)

شمس 04-29-2019 11:36 AM

بين الخوف والإعجاب.. علاقة الشاعر بالذئب
 
بين الخوف والإعجاب

علاقة الشاعر بالذئب








أمين محمد عبدالرحمن





شكَّلَ الذئبُ مصدرَ قلَقٍ عند العرب حتى أصبح هاجسًا يُردِّدُونه في أشعارهم وجلسات أسمارهم، تلك الحكايا تراوحتْ بين خوفٍ منه من ناحية، وانبهار وإعجاب بقوة فتكه وسرعة حركته من ناحية أخرى، وهذا الانبهار تحوَّل لإعجاب بدا واضِحًا في موروثنا الأدبي، ومن ذلك قول الشنفرى:

ولي دونكم أهلون سيدٌ عَمَلَّسٌ *** وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعَرْفاءُ جَيْأَل



والشنفرى كما هو معروف هو أحد الصعاليك الذين اختاروا العيش في البراري بين السباع عن العيش بين البشر؛ لأنهم يرون أن هذه السباع فيها من الصفات الحميدة ما ليس في بني جنسهم.



وقد اختار الصعاليك صُحْبة تلك الذئاب، ونقلوا لنا صورةً دقيقةً عن أوصافها، وتحركاتها، وجوانب من شخصياتها، وهذا ما سنجد من خلاله تفسيرًا لتعلُّق العربي بالذئب؛ بل إن وصف أحَدٍ ما بالذئب أصبح على سبيل المدح والإعجاب، رغم أن الذئب هدَّدَ حياةَ البشر، وسَطَا على أغنامهم، واستباح دماءهم، يقول الشنفرى عن الذئب:

فلمَّا لَواهُ القُوتُ من حيث أَمَّهُ *** دعا فأجابَتْه نظائرُ نُحَّلُ



وهنا يصف الشنفرى الذئب حالة جوعه بعد أن قصد القوت، وطال عليه البحث عنه دون جدوى؛ فاستنجد بالعواء فأجابته نظائر نُحَّل، وهم أشباهه من الذئاب خلقةً وجوعًا، وهنا يظهر تأثُّر الشنفرى بهذا المشهد، وما فيه من استجابة الذئاب لنداءات الاستغاثة رغم حالة الجوع التي تعتريها، وهو تصوير نلمس منه النجدة أو "الفزعة" عند الذئب.



ومن صفات الذئب أنه لا يعرف الاستقرار في مكان واحد، وهذا يشابه حياة الشاعر العربي القديم وترحاله بحثًا عن منابت الأعشاب؛ يقول الشنفرى:

وأغدو إلى القُوتِ الزهيد كما غدا *** أزلُّ تَهَاداه التنائف أطحلُ



والتنائف جمع تنوفة، وهو الجبل الصغير، وتلك الجبال تسوق الذئاب من جبل لآخر، في رحلة لا تعرف التوقُّف، فالذئب عُرف عنه طول النفس، وتكرار المحاولات دون كَلَلٍ أو ملَلٍ، فحين يطارد فريسته يجري خلفها مسافات طويلة حتى يطيح بها، كما أنه شديد التوخِّي والحيطة؛ يقول الشاعر:

ينام بإحدى مُقْلَتَيْه ويتَّقِي *** المنايا بأُخْرى فهو يقظان هاجع



وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) نجد دلالة على حزم ويقظة الذئب.



ووصل إعجاب العرب بالذئب أن تصوَّرُوا مشاهدَ، وزعموا صداقات صوَّرُوها في قصائدهم؛ يقول الفرزدق مخاطبًا ذئبًا دنا منه في البرية يطلب القرى:

وأطلس عسَّال وما كان صاحبًا
دعوتُ بناري موهنًا فأتاني
فلمَّا أتى قلتُ أدن دونك إنني
وإيَّاك في زادي لمشتركانِ
فبتُّ أقدُّ الزادَ بيني وبينه
على ضوء نار مرَّةً ودُخَانِ
وقلت له لما تكشَّر ضاحِكًا
وقائم سيفي في يدي بمكان
تَعشَّ فإنْ عاهدتَني لا تخونني
نكنْ مثلَ مَنْ يا ذِئبُ يصطحبانِ
وأنت امرؤٌ يا ذئبُ والغَدْرُ كنتما
أُخَيَّيْنِ كانا أُرْضِعا بِلِبانِ


فالفرزدق يزعم أنه استضاف ذئبًا، وتقاسم معه الزاد، وهو ممسك بالسيف خوفًا من غَدْره، وكأنه مُجبرٌ على اقتسام الطعام بينه وبين هذا الذئب الجائع.



كل صور تلك الصحبة لم تكن إلا من طرف واحد؛ لأن الذئب لا يعرف الوفاء، وليس منه مأمن، فالذئب الذي ربَّتْه الأعرابية مع غنمها وهو صغير تطعمه حليب شاة عندها، لما كبر أكل تلك الشاة، تقول تلك الأعرابية عن ذلك:

بَقَرْتَ شُويهتي وفجعْتَ قلبي
وأنت لشاتنا ولدٌ ربيبُ
غذيتَ بدرِّها وربيتَ فينا
فمَنْ أنباكَ أن أباكَ ذيب ُ
إذا كان الطباع طباع سوء ٍ
فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ


إن الخوف من الذئب أمرٌ أبدي في ذهن العرب، وهذا ما نقرؤه في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((... ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى اليمن لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه))، فالمخاوف قد تتلاشى جميعها عند الإنسان، إلا مخافة الذئب، فإنها مصدرُ أرَقٍ لا ينتهي!





المصدر


عبدالله بنعلي 04-29-2019 04:35 PM

صور الذئب في الشعر العربي
..ثلاث شعراء مع ثلاث ذئاب


منقول :
تختلف العلاقة مع الطبيعة وعالم الحيوان من إنسان إلى آخر. وديوان الشعر العربي حافل بالأمثلة والصور التي تعبِّر عن هذا التلون الكبير.
صلاح عبدالستار الشهاوي يحدثنا هنا عن ثلاثة شعراء حفظوا لنا في شعرهم حكايات لقاء كل واحدٍ منهم بذئب، وكان لكل واحد منهم موقف مختلف عن الآخر.

الفرزدق يُطعم الذئب
كانت نشأة الفرزدق، المتوفى عام 114هـ، بين البصرة والبادية المجاورة لها. ويروى أنه لقي ذئباً جائعاً ذات ليلة في صحراء الكوفة، فعطف عليه وقاسمه زاده. وفي هذه الحادثة يقول الشاعر:

وأطْلَسَ عسالٍ، وما كان صاحباً = دَعَوْتُ بِناري موهناً فَأَتاني
(أطلس: أغبر، عسل في سيره: اضطرب)
فلما دنا قلت «أُدنُ، دونَكَ، إنني = وإياك في زادي لمُشْتركانِ
فَبِتُّ أُسَوِّي الزادَ بيني وبينه = على ضوء نارٍ، مرةً، ودخانِ
وقلت له لما تكشَّر ضاحكاً = وقائِمُ سيفي في يدي بمكانِ
(أي أن الشاعر بقي على حذره من الذئب، وظل ممسكاً بسيفه تحسباً)
تعشَّى فَإن عاهَدْتني لا تَخُونُني = نكنْ مثلَ من -يا ذئبُ- يصطحبان
وأنت امرؤٌ -ياذئبُ- والغدرُ كنتما = أُخَيَّيْن، كانا أُرْضِعا بِلِبانِ
(الغدر من طبيعة الذئاب، وهما كالأخوين اللذين رضعا من صدر واحد)
ولو غَيْرَنا نَبَّهتَ تلتمِسُ القِرَى = رَمَاكَ بِسَهْمٍ أو شَباةِ سِنانِ
(القرى الطعام؛ شباة: طرف)
وكلُّ رفيقَيْ كلِّ رَحْلٍ وإنْ هُما = تَعَاطى القَنا قَوْماهما، أَخَوانِ
(والمعنى أن كل رفيقين في طريق يتآخيان، ولو كان بينهما قتال).

والبحتري يقتله
أما الصورة الثانية لعلاقة الشاعر بالذئب، فتختلف تماماً. يغيب عنها العطف لتحل محلها غريزة البقاء، ونجدها عند البحتري. فهذا الشاعر الذي ولد في منبج ببلاد الشام عام 206هـ وتنقل بين عشائر قبيلته طي، وتتلمذ في الشعر على يد شاعر طائي آخر هو أبو تمام، فقد كان رقيق الأسلوب وبديع الخيال.

لقي ذئب أصابه الجوع بالهزال والتقوّس، وكان شاعرنا نفسه جائعاً أيضاً، فلم يجد بداً من قتله خوفاً على نفسه، ثم شواه، وأكل منه ما يسد جوعه. وفي ذلك يقول:
له ذَنَبٌ مثلُ الرِّشاءِ يجرُّهُ = وَمَتْنٌ كَمَتْنِ القوسِ أَعوجُ مُنْأَدُ
(الرشاء: الحبل، المتن: الظهر، منأد: معوج)
طَوَاه الطَّوى حتى استمرَّ مريرُهُ = فَمَا فيه إلاَّ العظْمُ والروحُ والجِلْدُ
يقضقضُ عُصْلاً في أسرَّتها الردى = كَقَضْقضة المقرورِ أرعَدَهُ البردُ
(يقضقض عصلاً: يصوت بأنياب معوجة، أسرتها: أوساطها، المقرور: البارد)
سُمال وبي من شدة الجوع ما به = ببيداء لم تُعرَف بها عيشةُ رَغْدُ
كلانا بها ذئب يُحدِّثُ نفسَه = بِصَاحبِهِ، والجَدّ يُتْعِسُهُ الجَدُّ
(أي كلانا يطمع في قتل الآخر)
عَوَى ثمَّ أَقْعى فارتَجَزْتُ فَهِجْتُهُ = فَأَقبَلَ مِثْلُ البرقِ يتبعُهُ الرَّعْدُ
فأوجرتُهُ خَرْقاء تحسَبُ ريشَها = على كوكبٍ يَنْقضُّ والليلُ مُسْوَدُّ
(أوجرتُهُ خَرْقاء: طعنته بسنان)
.. فخرَّ وقد أوردتُهُ مَنْهَلَ الرَّدى = على ظَمَأ، لو أَنّه عَذُبُ الوِرْدُ
وَقُمتُ فجمّعْتُ الحصى فاشتَوَيتُهُ = عليه، وللرَّمضاء من تَحْتِه وَقْدُ
وَنِلْتُ خسيساً منه ثمّ تركْتُهُ = وَأَقْلعتُ عنهُ وهْو مُنْعفِرٌ فَرْدُ

النجاشي وصورة المجتمع
أما قيس بن عمرو بن مالك الملقّب بالنجاشي، والذي عاش فترة من حياته في الجاهلية، وأخرى في الإسلام، فيذكر في شعره أنه رأى حوض ماء في الخلوات وذئباً يعوي حوله من شدة العطش. فيصفه بأنه شبيه الإنسان الذي خلعه قومه وطردوه من عالمهم، ويحكي كيف أنه دخل في حوار مع الذئب، وعرض عليه صداقته، ولكن الذئب يرفض هذه الصداقة لأنها مخالفة للطبيعة، ولكنه يرجوه أن يمكّنه من الماء. فيتأثر الشاعر ويستجيب للذئب، ويفسح له المجال ليشرب. ومن ثم ينادي الذئب بقية الذئاب، فتحضر لتشرب بدورها فيما ينصرف الشاعر إلى حال سبيله متغنياً بما رأى. فالماء هنا هو الحية، والذئاب هي المجتمع. وفي هذا يقول:

وماءٍ كلون الغِسل قد عاد آجِناً = قليل به الأصوات في بلدٍ مَحْلِ
وجدت عليه الذئب يعوي كأنه = خليع خلا من كل مالٍ ومن أهل
فقلت له: يا ذئب هل لك في فتى = يواسي بلا من عليك ولا بخل؟
فقال: هداك الله للرشد إنما = دعوت كما لم يأته سَبْع قبلي
فلست بآتيه ولا أستطيعه = ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
فقلت: عليك الحَوضُ.. إني تركته = وفي صفوه فضل القلوص من السَّجْل
فطرَّب يستدعي ذئاباً كثيرة = وعدَّيت كُلُّ من هواه على شغلِ


الساعة الآن 06:16 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by