![]() |
نحو الصنعة.. ونحو الطبع
نحو الصنعة.. ونحو الطبع د. محمد حسان الطيان أما نَحْوُ الصنعة، فهو ذلك النحو الذي يصطنع أمثلةً لقواعد لا حياة فيها، ولا نبض في عروقها، كـ"ضَرَب زيدٌ عمرًا، وكلَّمَ سعيدٌ بشرًا". وأما نحو الطبع، فهو الذي يُمثَّل بالشواهد، ويحتج بالنصوص القرآنيَّة والشعريَّة والنثريَّة، التي تنبض بالحياة، وتشع فصاحةً وبيانًا. إن أمثلة: "ضرب زيد عمرًا، وكلَّم سعيد بشرًا"، هي التي جعلت الشاعر يقول: لَسْتُ لِلنَّحْوِ جِئْتُكُمْ لاَ وَلاَ فِيهِ أَرْغَبُ أَنَا مَا لِي وَلامْرِئٍ أَبَدَ الدَّهْرِ يَضْرِبُ خَلِّ زَيْدًا لِشَأْنِهِ حَيْثُ مَا شَاءَ يَذْهَبُ وَاسْتَمِعْ قَوْلَ عَاشِقٍ قَدْ شَجَاهُ التَّطرُّبُ همُّهُ الدَّهْرَ طِفْلَةٌ فَهْوَ فِيهَا يُشَبِّبُ أما النصوص الجميلة الرائعة، فلا يخفى ما لها من أثرٍ في تكوين الملكة اللغويَّة السليمة لدى الطالب، ورفده برصيد لغوي يصبح معه بنجوة من اللحن والخطأ؛ لأن النصوص عندما تُحفظ وتُرسَّخ، تكون معيارًا للكلام، ومقياسًا يقيس المرء عليه دون أن يشعر. فالطالب الذي يحفظ قوله - تعالى -: ï´؟ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ï´¾ [النساء: 96]، وقوله: ï´؟ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ï´¾ [الإسراء: 11]، وقوله: ï´؟ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ï´¾ [الإسراء: 20]، وما كان على هذه الشاكلة يُدرِك بالبداهة أن ما جاء بعد "كان"، يكون مرفوعًا، وما يخبر به عنها، يكون منصوبًا، فإذا قرأ بعد ذلك أيَّ كلامٍ عربي، طبَّق بالقياس هذه المعرفة، فلم يخطئ. والطالب الذي يحفظ قول المتنبي: إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا يدرك أن الأسماء الخمسة تُنصب بالألف، وأن ما بعدها مجرور بالإضافة، وأن المضارع ينصب بـ"أن"، وما إلى ذلك. يقول الأستاذ سعيد الأفغاني - رحمه الله - وهو شيخ نُحاة العصر: "لم يعد يقبل في هذا العصر عرض القواعد دون مناقشة ما تستند إليه من شواهد؛ لأن الشواهد روح تلك القواعد، تضفي عليها حياةً ومُتعة وأصالة، وعلى هذه المادة – أي: النحو - أن تكون ثقافةَ شواهد، أكثر مما هي ثقافة قواعد، وهي – أي: الشواهد - متى استُوعِبَتْ أعْوَد على المَلَكَات من كثير من القواعد المحفوظة والتعليلات المتكلّفة". وحقًّا ما قال الشيخ، فالشواهد والنصوص الأدبيَّة التي يتمثل بها، هي التي تصنع المَلَكَات، ولا سيِّما حينما تقترن بشرح مبسط لموضع الشاهد، وقصٍّ يسير لمناسبة القول؛ إذ إن كثيرًا من الشواهد تمثل قِطَعًا نادرة من قصائد الشعر وروائعه، وتحكي تجربة شعرية غنيَّةً وإنسانيَّة، فإذا ما قرأها الطالب أو سمعها رسخت في ذهنه وتغنَّى بها، وأصبحت من ثقافته اللغويَّة والأدبيَّة، بل الإنسانيَّة والوجدانية، ولعل أجمل ما أُلِّف من كُتب النحو والإعراب تلك الكتب التي خلطت النحو بالأدب، فراح المؤلِّف فيها يستعرض سياق القصيدة التي ورد فيها الشاهد النحوي، ويقصُّ علينا مناسبتها ونبذة عن صاحبها، وربما أدَّى به ذلك إلى موازنات ومقارنات أدبيَّة لا تخلو من متعة وفائدة وذوق أصيل، ككتاب "خِزانة الأدب"، وكتاب "شرح شواهد مغني اللبيب"؛ للإمام المحقِّق عبد القادر البغدادي. يقول د. عبداللطيف عبدالحليم: "وأما تعليم النحو بأمثلة تدور على ألسنة الناس مثل: "جاء محمد"، و"ذاكر الطالب"، فإنها لا تقيم لسانًا، ولا تزيد بيانًا، صحيح أنها ميزان للكلام والقاعدة، لكن المثال لا قيمة له، ولا يفيد نطقًا". ولعل خير ما أختم به كلمتي قطعة من الشعر فريدة، لا يخلو بيت منها من تذكر قاعدة أو فائدة من فوائد النحو؛ أعني: نحوَ الطبع والسليقة والملكة، وهي تحكي حِكَمًا راسخة كانت وستبقى على مرِّ الزمان يتغنَّى بها كلُّ إنسان: إِنَّ لِلْمَعْرُوفِ أَهْلاً وَقَلِيلٌ فَاعِلُوهُ أَهْنَأُ الْمَعْرُوفِ مَا لَمْ تَبْتَذِلْ فِيهِ الْوُجُوهُ أَنْتَ مَا اسْتَغْنَيْتَ عَنْ صَا حِبِكَ الدَّهْرَ أَخُوهُ فَإِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهِ سَاعَةً مَجَّكَ فُوهُ إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الفَضْ لِ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ لَوْ رَأَى النَّاسُ نَبِيًّا سَائِلاً مَا وَصَلُوهُ وَهُمُ إِنْ طَعَمِوا فِي زَادِ كَلْبٍ أَكَلُوهُ لاَ تَرَانِي آخِرَ الدَّهْـ ـرِ بِتِسْآلٍ أَفُوهُ إِنَّ مَنْ يَسْأَلُ غَيْرَ اَللهِ يَكْثُرْ حَارِمُوهُ. المصدر |
| الساعة الآن 04:16 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by