منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   سيدة اللغات في كل الأوقات (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=37027)

مصطفى شعبان 12-17-2018 08:04 AM

سيدة اللغات في كل الأوقات
 
سيدة اللغات في كل الأوقات
أد. عبد الله جاد الكريم
كلية الآداب- جامعة جازان السعودية





إنَّ تخصيص الجمعية العامة للأمم المتحدة ليوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يومًا عالميًّا للاحتفاء باللغة العربية لأمرٌ محمودٌ، ويجب أن نُحسن توظيفه واستغلاله، ويجب ألا يقتصر الاحتفاء باللغة العربية على مظاهر احتفالية في يوم واحد من أيام العام، فالعربيةُ عيدها الدهرُ، فأهلُ العربية أهلُ القرآن يستخدمونها ويحتفون بها في كُلِّ حرٍف يخرج من أفواههم، وفي كُلِّ آيةٍ يرتلونها أو يتلونها في كل صلاة يؤدُّونها، وفي كُلِّ تلبية يُلبُّونها.
فلقد كرَّم الله – سبحانه وتعالى- اللغة العربية بأن جعلها لغة القرآن الكريم، دستور الله القويم الذي بيَّن فيه طريق السعادة في الدارين للناس أجمعين، حيث يقول تعالى (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[الزخرف:3]، ويقول تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[يوسف:2]، وكثير من الآيات الكريمات. وفي هذا الشأن يقول ابن جني في المحتسب:" إنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةِ لُغَـةُ نَبِيِّكَ التي فَضَّلَهَا الله عز وجل على سائِرِ اللُّغَاتِ, وفرعت بها فيه سامي الدرجات".
ولقد تكفَّل الله تعالى بحفظ كتابه المجيد في قوله تعالى(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر:9]. ومن ثمَّ حفظ اللغة العربية؛ بأن يُقيِّض لها العلماء المخلصين الذين يحفظونها وينشرونها ويذودون عنها.
ومن مظاهر حفظ الله تعالى للغة القرآن الكريم أنها لغة أهم العبادات عماد الدين وهي الصلاة التي لا تصح إلا باللغة العربية، وعليه فاللغة العربية تتردد ويترنم بها العالمين في كل وقت وحين، وفي كل مكان في المعمورة.
ولذلك فإنَّ تعلم العربية من الديانة كما يرى كثيرٌ من العلماء، وحبها فرض عين على كل مسلم وعربي، وروى الحاكم في المستدرك، والبيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في المعجم الكبير والأوسط، وغيره، رووا قول النبي الكريم« أُحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ». وقال الفارابي في (ديوان الأدب):"هذا اللِّسانُ كَلامُ أهلِ الجنَّةِ, وهو المُنـزَّه من بين الألسنةِ مِنْ كُلِّ نقيصَةٍ, والمُعلَّى مِنْ كُلِّ خسيسةٍ, والمُهذَّبُ ممِّا يُستهجنُ أو يُستشنعُ, فبنى مباني باين بها جميع اللغات من إعراب أوجده الله لـه, وتأليف بين حركة وسكون حلاَّه به". ويقول الثعالبي:" مَنْ أحبَّ الله تعالى أحبَّ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومَنْ أحبَّ الرسول العربيَّ أحبَّ العربَ، ومَنْ أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومَنْ أحبَّ العربية عُنِيَ بَها وثَابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومَنْ هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه؛ اعتقد أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة. والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب؛ كالينبوع للماء والزند للنار"[فقه اللغة وسر العربية: ص15].
قال الماوردي:" ومعرفة لسان العرب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ من مجتهد وغيره"، وقال الإمام الشافعي:« يجبُ على كلِّ مسلم أن يتعلَّم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه».
وتمتاز لغتنا العربية بكثير من الخصائص والسمات جعلها سيدة اللغات وبلغت بها سامي الدرجات؛ كالاتساع والثراء، والمرونة، والاختصار والإيجاز، والتوليد، وغيرها.
فعن اتساعها وثرائها يقول الإمام الشافعي في الرسالة «لا يُحيط بها إلا نبيٌّ»، فقد زادت مفردات اللغة العربية عن خمسة عشر مليونًا في الوقت الذي لا يزيد عدد مفردات الإنجليزية عن المليون أو أقل من المليون في الفرنسية!!
هذا الثراء والاتساع الخاص باللغة العربية أعطاها القدرة الفائقة على التعبير عن أدق التفاصيل فيما يتعلق بمشاعر الإنسان وعلاقاته وبيئته وغير ذلك، وكذلك جعلها صالحة للتعبير عن كل العلوم والآداب والفنون. يقول العلاَّمة الطَّاهر بن عاشور في تفسيره:" تلك اللغة أَوْفَرُ اللُّغَاتِ مَادَّةً، وَأَقَلُّهَا حُرُوفًا، وَأَفْصَحُهَا لَهْجَةً، وَأَكْثَرُهَا تَصَرُّفًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَغْرَاضِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَوْفَرُهَا أَلْفَاظًا، وَجَعَلَهُ جَامِعًا لِأَكْثَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَمَّلَهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فِي نَظْمِ تَرَاكِيبِهَا مِنَ الْمَعَانِي، فِي أَقَلِّ مَا يَسْمَحُ بِهِ نَظْمُ تِلْكَ اللُّغَةِ، فَكَانَ قِوَامُ أَسَالِيبِهِ جَارِيًا عَلَى أُسْلُوبِ الْإِيجَازِ فَلِذَلِكَ كَثُرَ فِيهِ مَا لَمْ يَكْثُرْ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ بُلَغَاءِ الْعَرَبِ".
إنَّ إظهار الإعجاب باللغة العربية لم يقتصر على شهادات أبنائها بل الحق ما شهد به الأعداء، قال المستشرق "أرنست رينان" في كتابه "تاريخ اللغات السامية":" من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية, وتصل إلى درجة الكمال عند أمة من الرحل, تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها..". وجاء القرآن الكريم ليتمم كمالها، يقول اللغوي اللبناني جون حنَّا في كتابه "قصة الإنسان":" إنَّهُ لابُدَّ من الإقرار بأنَّ القرآن فضلاً عن كونه كتابَ هدايةٍ وتشريعٍ؛ فهو أيضًا دستورٌ خالدٌ للفُصحَى، ولطالما يعودُ إليه أئمةُ اللُّغةِ في بلاغةِ الكلمةِ وبيانِها، سواءً كانوا هؤلاء الأئمة مُسلمين أم مسيحيين، وإذا كان المُسلمون يعتبرون أنَّ صوابيَّةَ لُغةِ القُرآنِ هي نتيجةٌ محتومةٌ؛ لكونِ القرآنِ مُنزّلا ولا يحتملُ التَّخطئةَ، فالمسيحيون يعترفون أيضًا بهذه الصَّوابيَّةِ، ويَرجِعُون إليه للاستشهادِ بلغته الصَّحيحةِ كُلَّما استعصى عليهم أمرٌ مَنْ أُمُورِ اللُّغةِ".
يقول أنور الجندي في كتابه (الفصحى لغة القرآن)،"وما مِنْ لُغَةٍ تستطيعُ أَنْ تُطَاوِلَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ فـي شَرَفِهَا, فهـي الوسيلةُ التي اُخْتِيْرَتْ لِتَحْمِلَ رِسَالَةَ اللهِ النِّهَائِيَّةِ, وليست منزلتها الرُّوحيةُ هي وحدها التي يسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قُـوَّةٍ وبيانٍ, أمَّا السِّعَةُ فالأمْرُ فيها وَاضِحٌ, ومَنْ يَتْبَعُ جَمِيْعَ اللُّغَاتِ لا يَجِـدُ فيها على ما سمعته لُغَةً تُضَاهِي اللغةَ العربيةَ".
وعليه فتكريم العربية والاحتفاء بها واجبٌ مستحقٌّ على كل مَنْ يعرف قدرها ومكانتها، ويجب أن يوظف هذا اليوم في نشرها وتدريسها وتيسير أمر دراستها وإتقانها نطقًا وكتابةً والتصدي لتقديم حلول لكل ما يعترض ذلك من مشكلات.




الساعة الآن 01:10 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by