منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   نقاشات لغوية (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=31)
-   -   73-عالم ورأي-أ.د. عبد الحميد النوري عبد الواحد، ورأيه في النظريّات اللّسانيّة الحديثة (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=30617)

د.مصطفى يوسف 05-11-2018 02:08 PM

73-عالم ورأي-أ.د. عبد الحميد النوري عبد الواحد، ورأيه في النظريّات اللّسانيّة الحديثة
 
سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.


http://www.m-a-arabia.com/site/wp-co...2/IMG_5792.jpg
الحلقة الثالثة والسبعون-أ.د. عبد الحميد النوري عبد الواحد، ورأيه في الدعوة إلى إيلاء النظريّات اللّسانيّة الحديثة ما تستحقّه من اهتمام:
لا شكّ أنّ ما تحظى به اللّسانيّات اليوم من مكانة عالية لا يُنكر. واللّسانيّات في الظاهر عِلم ناشئ حديث، ولكنّ من باب التحرّي والموضوعيّة نشير إلى أنّ بعض المدارس اللسانيّة الحديثة تقرّ أنها ليست كذلك؛ لأنّ هناك لسانيّات قديمة أيضًا إلى جانب اللسانيات الحديثة. والمحور المشترك بين هذه وتلك هو اللّغة، وإن اختلفت التسميات، ذلك أنّنا نجد في القديم النحو النظريّ أو فلسفة النحو، والنحو المعياريّ أو القواعديّ، والنحو المقارن، وفقه اللغة وغيرها. وتبعًا لهذا فإنّ اللّسانيّات الحديثة ما هي في الحقيقة إلّا امتداد لهذه الأنحاء القديمة المشار إليها، وإن بالغ بعضهم مثل دي سوسير في التأكيد على القطيعة المعرفيّة (أو الإبستيميّة) بين اللّسانيّات القديمة واللّسانيات الحديثة.
بيد أنّ ما يحتاج إلى تنويه وتبيان أنّ الاختلاف بين العِلمين حاصل في المنهج، وطريقة تناول المسائل اللغويّة بالتوصيف والتحليل والتفسير. وإذا كانت اللّسانيّات القديمة ملتبسة بالمعياريّة والتعليميّة والارتباط بالنصوص الأدبيّة والتاريخيّة والحقوقيّة وغيرها فإن اللّسانيّات الحديثة حاولت أن تستقلّ بموضوعها، وتدرس اللّغة في ذاتها، دون اللجوء إلى ما هو خارج عنها. وبهذا فهي تدّعي العلميّة والموضوعيّة. فأمّا الموضوعيّة فهي خلاف الذاتيّة، وذلك بأن تُدرس اللّغة بمعزل عن الجوانب الذاتية أو العرقيّة أو المذهبيّة أو غيرها، وأمّا العلميّة فهي أن تلتجئ إلى مبادئ العلم وثوابته، وذلك بالرجوع إمّا إلى التحليل المخبريّ، والخروج باستنتاجات قائمة على المشاهدات الحسّيّة والعينيّة، وإمّا بالرجوع إلى المتصوّرات والافتراضات الرياضيّة والمنطقيّة، وبناء أنساق محتملة تعكس بنية اللّغة أو اللّغات جميعها.
ولا يخفى أنّ التوجّه الأوّل المشار إليه أقرب إلى العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة عمومًا، وأنّ التوجّه الثاني أقرب إلى العلوم الدقيقة أو الصحيحة المجرّدة. وهذا الاختلاف في التمشّي أو المنهج ليس غريبًا، إذ ما هو إلّا انعكاس للمناهج العلميّة السائدة في بلاد الغرب، والتي تشقّ مجالات الفلسفات القائمة، أي الفلسفات التجريبيّة والفلسفات العقليّة.
واللّسانيّات اليوم، وبما لا يدعو إلى الشكّ، استفادت من شتّى العلوم القريبة منها مثل الفلسفة والمنطق، والمعرفيّة، والرياضيّات، وعلم التربيّة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الجينات الوراثيّة وتشريح الأعصاب، وغيرها من العلوم الأخرى؛ وبهذا أصبحت اللّسانيّات حظيرة علوم مختلفة كلّها تهتمّ بدراسة الإنسان، لتصبّ في خاتمة المطاف في الكلام أو اللغة أو العقل.
والمكانة التي تحظى بها اللسانيّات لا تتجلّى في هذه الفائدة الحاصلة المشار إليها فحسب، وإنّما تتجلّى في الاستفادة، ممّا جنته العلوم الأخرى منها. فلا يخفى أنّها قد جاءت رافدًا مهمًّا للأدب أو بالأحرى للنقد الأدبيّ، وتحليل النصوص أو الخطاب، سواء كان أدبيًّا أو سياسيًّا أو حقوقيًّا أو فنيًّا أو غيره، مثلما جاءت مُعينًا للترجمة وعلم المصطلح، والطرق التعليمية أو البيداغوجيّة، والمعلوماتيّة، والعلاج النفسيّ والأمراض النفسيّة كالحبسة وصعوبة النطق، وغيرها.
إنّ اللّسانيّات الحديثة، وإن كانت نظريّات مختلفة ومناهج عدّة، هي مشارب شتّى ولا شكّ، ولكنّها تعمل كلّها على درس وفهم اللغات الطبيعيّة والاصطناعيّة أيضًا. واللغة العربيّة هي لغة من هذه اللغات الطبيعيّة الجديرة بالدراسة والاهتمام، والتعمّق في دراستها، وعدم الاكتفاء بما توارثته من النحو القديم أو فقه اللغة في مقاربتها ودراستها. ولا يعني هذا، ومن باب التوضيح، التقليل من أهميّة النظريّات القديمة، وإنّما يعني ضرورة الاستفادة ممّا هو حاصل من تقدّم علميّ هائل في مجال اللّغة واللسانيّات، مثلما هو حاصل في الطبّ والصيدلة والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم، ومثلما هو حاصل في التكنولوجيا بمختلف منتوجاتها.
إنّ اللّسانيّات الحديثة لا تهمّ دراسة اللغة العربيّة من جوانبها المختلفة الصوتيّة والصرفيّة والتركيبيّة والدلاليّة وحدها مثلما هو شائع، وإنّما تهتمّ بإعادة النظر في طرق البحث أو الدراسة والتوصيف والتحليل والتفسير، وفي المنهج المتوخّى بالنظر إلى الجزئيّات والكليّات، وبالتدرّج من الجزء إلى الكلّ أو العكس، وبربط المكوّنات اللّسانيّة أو النحويّة بعضها ببعض، وتبيان ما هو المكوّن الأبرز المتحكّم في بقيّة المكوّنات الأخرى. وليس هذا وحسب، وإنّما لا بدّ أن تفيد اللّسانيّات في وضع المصطلح، والخروج من دائرة الفوضى الاصطلاحيّة، وفي تعليم اللغة سواء كان للناطقين بها أو لغيرهم. ثم لا بدّ من الاستفادة منها في عالم التكنولوجيا والبرمجة الآليّة والمعلوماتيّة، في تحليل النصوص وضبطها، وتلخيصها، وتصحيحها، وكلّ ذلك خدمة للعربيّة. وهو لا يتضارب في اعتقادنا مع النحو القديم وجلال قدره، وإنّما هو مكمّل، بل داعم ومُعين على فهمه واستيعابه وحسن تمثّله.
وإنّي أسأل الله التوفيق والسداد.
حوار ونقاش: د. مصطفى يوسف



الساعة الآن 10:51 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by