منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   غربة القصيدة العربية (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=30492)

شمس 05-05-2018 08:01 AM

غربة القصيدة العربية
 
غربة القصيدة العربية



http://www.m-a-arabia.com/site/wp-co...دة-العربية.jpg



أجمع الأدباء الباحثون في عملهم، العاكفون على صناعة أدبهم، على أن البيان لا يعلو على ثلاثة؛ كلام الله المنزل، وحديث نبيه المرسل، وشعر الجاهليةِ المنقل.
‏‎
وفي هذه الثلاثة يكتمل البيان، ويقوَّم اللسان، ويرتفع المعنى في المقام، ولا يشذ عن هذه الثلاثة إلا من لا يخرق بشذوذه إجماع، ولا يُفسِدُ بحجتهِ اجتماع، فمن عرف الشعر الجاهلي وذاب في عذوبة معانيه، وبلاغة مبانيه، لا يستطيع أن يقرأ غيره أو يستلذ ببيان معزول عن أصله في التراكيب اللغوية وطرقه البديعة الفنية.

‏‎ولهذا تجد الكثير من الأدباء الكبار معزولين عن الحياة في عصرهم، هاربين إلى مشارب أدب أسلافهم، فهم لا يزالون بكامل الاعتقاد، بأن البحث في الشعر الجاهلي لا يزال غائباً ويحتاج إلى اكتشاف في معانيه اللغوية، ومبانيه الفنية، فهو الجذر الذي تفرعت منه فروع الشعر في العصور المختلفة، واهتدى به الشعراء في الأمم المتتالية.
‏‎
ولا حجة أبلغ من القرآن الذي أنزله الله على قوم كانت البلاغة مشربهم والفصاحة هي السبيل في إيصال رسالتهم، وذلك عندما أنزل على صدر نبيه القرآن متحدياً بلاغة قومه وفصاحتهم. ولأن معجزة الله أبدية، وهو العليم الخبير بخلقه، فقد أبان بمعجزته أنه لا يوجد أبلغ من الذين أنزل عليهم كتابه، وأن معجتزته المُنزلة أكبر دليل على أن الكلام من عنده سبحانه، فلا يعلو بيان على بيانه، ولا أسطع من فصاحته، وذلك بقوله جل وعلا: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين).

فعندما نتكلم عن البلاغة بكامل فروعها لا يمكننا أن ننتج حجة، أو نخترع نكتة أبلغ من الذين كانت البلاغة فيهم سجية، والفصاحة هوية، والبديع في بيان حديثهم سلطة ذاتية.

وتمضي جماعة من الأدباء الكبار إلى مبارزة التطوّر في الأدب الغربي عبر مسايرة أنماطه وتراكيبه، والانشغال بالتجارب الذهنية في صناعة قطع أدبية شبيهة له، دون أن يكون هذا الانشغال على حساب منهج أدبي تراثي كامل في مبناه، تام في معناه، مستفيض بألفاظه، بل لأجل تطوّر يرونه مواكبة للحداثة، مع التمسك بالتراث الذي يحافظ على قيمة الرصانة.

بينما تأتي جماعة ثانية اختارت لنفسها أن تكون غربية بلسان عربي، هاملة كل التراث، مدعية بأنه قد استنفذ طاقته وانتهى عهده، رافعة شعار الرفض لكل ما يقيّد الشاعر عن وظيفته في مخاطبة الوجدان الإنساني، ويحدّه في قوالب عروضية وأنماط تقليدية، فابتكروا القصيدة الحرة، ثم قصيدة النثر الذي أبدع فيها جملة كبيرة من الشعراء الذين برق نجمهم في سماء الأدب العربي الحديث.
ومع كل الإبداع الذي أنتجته هذه الكتيبة الأدبية من شعراء الحداثة، يبقى لسان العرب في متون الباحثين عائد إلى أصله، مستشهد بقيمة الإبداع من سلفه، فلا حجة أبلغ منهم، ولا كيان خالص بعروبته غيرهم، ولا رصانة أثبت من حجتهم، فلهم السيادة ومرجع القيادة في علوم اللغة الرصينة، فهم أنصار الكمال والتمام.

الصراع بين الأدباء لا ينتهي كلما جد جدهم وفاضت قرائحهم، وأبدعوا في إظهار قدراتهم، ولعل أبلغ مثال «مدرسة الإحياء والبعث»، وما أنتجته من خلال قائد نهضتها محمود البارودي الذي اتبعه فيها جملة من كبار الشعراء، مثل الأمير أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم... التي التزمت بالنمط الشعري الرصين بتاريخه، وذلك عبر المحافظة على نهج الشعر القديم بانقيادهم للقافية الواحدة في كل قصيدة، والتزامهم بمبادئها في الغزل والمديح والرثاء وإظهار الحكمة.

حتى جاءت مع الحداثة «مجموعة الديوان» التي انفتحت على الأدب العالمي وانشغلت بفتح آفاق جديدة تضيف إلى منهاجهم المجددة سِمة شخصية تهتم بالتحليل النفسي ومخاطبة وجدان الأمة، مع الاطلاع المكثف على الأدب العربي القديم، وكان من أبرز هؤلاء الروّاد عباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، وعبدالرحمن شكري.

أما اليوم، فهناك أدب لا أصل له، يظهر إلى السطح ويعبث بالنفوس عبر لغة مبهمة، والإمعان في التناقضات دون التزام ولا أصل في اللغة، مع التركيز على خلخلة القصيدة التقليدية عبر نثر عابث يبعث في أكثر الأحيان على الاضطراب، وهي حصيلة تغيّرات زمانية ابتعدت فيها القصيدة عن مضمونها الأصلي، من ضرب لقواعدها إلى العبث بكيانها وشكلها ولغتها ومعانيها.

ونتيجة لذلك، أصبحت مذاهب شعرية تخرج إلى المتلقي دون سند رصين يدعمها ويحكم قواعدها، وذلك عبر مواصلة ترجمة الأدب الغربي واتخاذه بديلاً عن تاريخ الأدب العربي، مما جعل الأدباء المناصرين لتاريخ أدبهم في غربة مع ما تنتجه تلك الحداثة من نصوص، فبانت الانقسامات وتوسعت الفروقات، وانعدم الاتصال بين النصوص الأدبية، وأصبح المُبدع يختار لنفسه طريقًا يمثله ويترك الآخر ويقاطعه.

أما التطوّر في الأدب فهو كسائر التخصصات، خاضع للزيادة، لكن ما يميّز الأدب العربي أنه متين ورصين، لم يترك لنا السلف شيئًا مبتور نُكمل وصله، فأصبح التطوّر فيه يأتي من خلال تجدد المواضيع وتنوع الطرح، عبر الانفتاح على الحضارات المختلفة، وهذا ما سعى إليه جملة من الأدباء، على رأسهم أدباء مدرسة الديوان.


المصدر



الساعة الآن 04:44 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by