![]() |
70-عالم ورأي: أ.د. أحمد فؤاد باشا، ورأيه في التعريب والحوسبة:
سلسلة (عالم ورأي) تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر. http://www.m-a-arabia.com/site/wp-co...-فؤاد-باشا.png الحلقة السبعون-عالم ورأي: أ.د. أحمد فؤاد باشا، ورأيه في التعريب والحوسبة: لقد أصبحت حوسبة التعريب في عصرنا من أكثر التطبيقات طموحًا في مجالات العلوم والتقنيات الحديثة، وبخاصة في مجال علم اللغة الحاسوبي، وعلم الحاسبات واستدعاء المعلومات، وعلم تحليل اللغات الطبيعية. وتهدف الأبحاث الجارية في هذا الميدان إلى الوصول إلى نظام، أو عدد من الأنظمة، يمكن بوساطتها استخدام أجيال متقدمة من الحواسيب الإلكترونية في نقل نص لغوي –سواء أكان مكتوبًا أم منطوقًا – من لغة إلى أخرى بسرعة وبموضوعية، تكسبه الدقة، وتقلل في عملية النقل ما يحدث فيها –في حالة أنواع الترجمة الأخرى– من التأثيرات الفردية والمزاجية لمن يقوم بالترجمة. وقد حققت الأبحاث التي أُجريت خلال العقود الأخيرة في بلدان كثيرة وبخاصة أوربا وأمريكا، تقدمًا ملحوظًا في الوصول إلى أنظمة عديدة للترجمة الآلية والسريعة بين عدد كبير من اللغات الأوربية، وبينها وبين بعض اللغات الآسيوية، مثل الصينية واليابانية بصورة خاصة. وتستطيع بعض الأنظمة الموجودة الآن أن تقوم بعمليات الترجمة في وقت واحد بين أكثر من لغتين، ومنها ما يقوم مثلاً بالترجمة بين الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والصينية، وأخيرًا العربية، معًا، كما في اجتماعات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من اختلاف بنية أنظمة الترجمة الحاسوبية التي تم التوصل إليها حتى الآن، فإنها تقوم جميعًا على أساس نظري عام يمكن تلخيصه على النحو الآتي: 1- تحليل كل لغة إلى مكوناتها، من النظام الصوتي، وضوابط الإملاء والترقيم، ونظام الصيغ الصرفية، وحقولها الدلالية، وشبكة التراكيب، والمفردات بدلالاتها المتنوعة ومصاحباتها من المفردات الأخرى، والتنوعات الأسلوبية، وغير ذلك. 2- تخزين كل هذه المكونات الهائلة تحت مقولات لغوية إنسانية مشتركة، بناء على الوظائف التي تؤديها؛ بحيث تحتفظ بخصوصياتها من جهة، وتُدرَج تحت مقولات لغوية عالمية من جهة أخرى؛ مما يسمح بالمؤاخاة بينها وبين مقابلات في لغات أخرى، على الرغم مما قد يكون بينها وبين هذه المقابلات من فروق فردية، كالفروق التي بين نظام النغمات الصوتية الخاص باللغة الصينية، ونظام الاشتقاق الموجود في اللغة العربية والعبرية. 3- عمل نظام للمضاهاة والموازاة بين هذه المقولات الخاصة بلغة، وما يقابلها من مقولات في أية لغة أخرى يمكن أن تدخل معها في نظام مشترك. 4- بناء بنك هائل للمعلومات الخاصة بالألفاظ والأساليب والدلالات في كل اللغات المشتركة في النظام، وتصميمه على النحو الذي يجعل من الممكن توسيعه أفقيًّا بإضافة لغات أخرى، ورأسيًّا بإضافة معلومة جديدة عن اللغات المشتركة في النظام. 5- وضع نظام لرفع الغموض، واكتشاف الأخطاء، والمراجعة والتدقيق في النصوص المعالجة. وعندما يُراد ترجمة (أو تعريب) نص من النصوص، فإنه يدخل في الحاسوب إما في صورة كلام منطوق، أو يُرفع من ورقة مكتوبة مباشرة بواسطة الجهاز البصري لتعرُّف الرموز الكتابية، ثم ينتقل النص إلى جهاز معالجة النصوص، فيفحصه أولاً من حيث الصحة الإملائية واللغوية، ويختبر مكوناته وما قد يكون فيه من تعبيرات غامضة أو سيئة التركيب، أو مصطلحات خاصة أو مسكوكات لغوية أو تعابير اصطلاحية، ويستعين في ذلك كله ببنك المعلومات الخاص بالنظام، أو ببنك المعلومات المركزي. وبعد أن يتم ذلك، يدخل النص إلى إطار التحليل اللغوي؛ لاستخراج عناصره طبقًا للنظام الموضوع، ومن هنا ينتقل إلى الذاكرة الرئيسية التي تقوم بترجمته آليًّا، إما بصورة كاملة، أو على أجزاء، ثم تتم مراجعته وتصحيحه طبقًا للقواعد اللغوية والأسلوبية الخاصة باللغة أو اللغات التي انتقل إليها. ويمكن في هذه المرحلة النهائية وضعُ النص في لغته الأصلية بجانب ترجمته التي تم التوصل إليها في اللغة المستهدفة؛ لتسهيل المقارنة بينهما. ومن حسن حظ العلوم والتقنيات أن تحرز نجاحًا أكثر في وضع أنظمة للترجمة الإلكترونية، مقارنة بالعلوم التي تكثر فيها العبارات الأدبية التي تقوم على الاستعارة والكناية، وغيرهما من أنواع المجاز التي صعب التقنين الموضوعي لها في لغاتها الأصلية؛ ومن ثم نقلها إلى بيئة لغوية مشابهة في لغات أخرى. ولا شك أن السعي الحثيث إلى إدخال اللغة العربية في هذه الأنظمة الحاسوبية للترجمة أصبح من ضروريات حركة التعريب المعاصرة لمواجهة تحديات التدفق المعرفي الهائل الذي يتعاظم يومًا بعد يوم. ذلك أن مسؤولية نقل المعرفة، بما تضمه من علوم وتقنيات حديثة، إلى اللغة العربية، تُعد مسئولية دينية بحكم الإسلام الذي حث على طلب العلم، وجعل الحكمة ضالة المؤمن؛ لأنه أحق بها أينما وجدها، ومسئولية أمنية وأخلاقية؛ لأنها تحمي الأمة من الانغماس في مستنقع التخلف والتبعية الذي تسربلت فيه زمنًا طويلاً، بل إنها مسئولية الحياة والبقاء الحضاري لأبناء هذه الأمة بهويتها وكيانها التاريخي؛ ولهذا فإن قضية المصطلحات العلمية والتقنية في التراث الإسلامي تشكل جزئية مهمة من جزئيات هذه العملية الكلية الهائلة في حركة التعريب المعاصرة باعتباره مطلبًا ضروريًّا لضمان التجدد الحضاري ومواكبة مسيرة المتقدمين، بالإضافة إلى الحاجة الماسة إليه كرافد من روافد التنمية اللغوية المستدامة. المصدر: تعريب العلوم والتقنيات: دراسات تحليلية في النظرية والمنهاج والتطبيق، أحمد فؤاد باشا، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، ط 1، 2016، ص 37-40. إعداد: د.مصطفى يوسف |
| الساعة الآن 06:56 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by