![]() |
الفرق بين (يشرب من) وبين (يشرب بـ)..
الفرق بين (يشرب من) وبين (يشرب بـ).. د. أحمد درويش قال ربنا ﴿إِنَّ الأَبرارَ يَشرَبونَ مِن كَأسٍ كانَ مِزاجُها كافورًا عَينًا يَشرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرونَها تَفجيرًا﴾ [الإنسان: ٥ / ٦] أيقظت هذي الآية الكريمة أنظار عاشقي القرآن ومتدبريه ، والسبب في ذلك الإيقاظ حرفُ الجر ، ( الباء ) ... ذلك أنهم كانوا يقرؤون في أمان الله ( يشربون من كأس) ، وهذي هي العادة أن يأتي الحرف ( من ) بعد الفعل (يشرب ) ، لكن أقض المضجع حرفُ الباء ( عينا يشرب بها ) ، ( يشرب بها ) ؟!! فقالوا : ولم ( الباء) هنا لا ( من ) كما هو الشأن ؛ فسهر الخلق جراها وأعملوا قرائحهم النيرة من أجل تخريج دان جناه ... فكان من الاتجاهات ما سأذكره : الاتجاه الأول : كان القول بأن الفعل ( يشرب ) يتعدى بالحرفين ( من ) و ( الباء ) ، والدليلُ الآيتان اللتان نعالجهما هنا ، فيجوز تناوب الحرفين ... ولا يخفى من وجهة نظرنا أن في هذا الاتجاه قتلا لروح الإبداع ، وإزهاقا لبلاغة الحرف وكذا إراحة للنفس من عناء البحث ولأوائه ... الاتجاه الثاني : هو اتجاه التضمين ، فابن قيم الجوزية ومن لف لفه قال بتضمين الفعل معنى ( يرتوي ) فيكون (يشرب) هنا مضمنا معنى ( يرتوي بها ) ، " فيكون في ذلك دليل على الفعلين ، أحدهما بالتصريح به ( يشرب ) ، والثاني بالتضمن والإشارة إليه بالحرف ( يرتوي ) الذي يقتضيه مع غاية الاختصار ، وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها( كما يقول ) ... وهذا أحسن من أن يقال : يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري " كما قال في كتابه الماتع بدائع الفوائد ... غير أن هذا التحليل من وجهة نظرنا تسويغٌ لأسلوب لا تعمقٌ في أسلوب ، وتركيب ذي ماهية متجذرة فيه ، وإهمال للحرف المتعلق بالفعل ، ذلك أنه نظر للفعل ، ولم يعر الحرف اهتماما إلا لأجل أن يأتي له بفعل يناسبه ، مع أن الحرف هنا هو رب الجملة ... ومع كل فلا يسلم لابن القيم قوله إن عبارة يشرب منها لا دلالة فيها على الري ؛ لأن المولى قد وصف الأبرار بقوله (إن الأبرار يشربون من كأس) ، فعدى فعل يشرب ب ( من ) ، فهل معنى ذلك أنهم لا يرتوون ؟! وأيضا فالشرب في الجنان لا يكون بغرض الارتواء فلا ظمأ فيها ... كما قال ربنا " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " وإنما الشرب ضرب من النعيم المقيم " كما ذكر أخونا أ. د عبدالله الهتاري ... أما الاتجاه الثالث فقد أيقن أن الحرف هنا هو قائد التركيب ، ومن ثم يجب أن يكون للقائد اعتباره وكلمته ... وهذا ما أدركه العلامة الزمخشري ( ت : ٥٣٨ ه) عندما أبقى التركيب على حاله شارحا ومحللا فقال : " ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖ: ﻟﻢ ﻭﺻﻞ ﻓﻌﻞ اﻟﺸﺮﺏ ﺑﺤﺮﻑ اﻻﺑﺘﺪاء ﺃﻭﻻ ( يعني من ) ، ﻭﺑﺤﺮﻑ اﻹﻟﺼﺎﻕ ﺁﺧﺮا ( يعني الباء )؟ ﻗﻠﺖ: ﻷﻥ اﻟﻜﺄﺱ ﻣﺒﺪﺃ ﺷﺮﺑﻬﻢ ﻭﺃﻭﻝ ﻏﺎﻳﺘﻪ، ﻭﺃﻣﺎ اﻟﻌﻴﻦ ﻓﺒﻬﺎ ﻳﻤﺰﺟﻮﻥ ﺷﺮاﺑﻬﻢ، ﻓﻜﺎﻥ اﻟﻤﻌﻨﻰ: ﻳﺸﺮﺏ ﻋﺒﺎﺩ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ اﻟﺨﻤﺮ، ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮﻝ: ﺷﺮﺑﺖ اﻟﻤﺎء ﺑﺎﻟﻌﺴﻞ " وهذا توظيف دقيق لماهية الحرف ومحاولة استكناه فقهه " فالكأس بأيديهم ... كلما فرغت ملأوها منها ، ولذة الشرب ممزوجة بلذة العين ، فجاءت الباء دالة على التصاقهم بالعين وقربهم منها "... قلت : وهذا هو المعنى الرئيس للباء ( الإلصاق) ، وسماه سيبويه ( الإلزاق ) ، ومعناه شدة اتصال الشيء بالشيء ، فكانت ( من ) مبدأ الشرب ، وكانت ( الباء ) هي الراسمة شدة الاتصال بالعين ... وهذا يعني " مزيد مبالغة في وصف النعيم الذي هم حالون فيه ... دون بذل أي عناء في الشرب ، إذ لا يحتاجون أن يشربوا منها وإنما بها " والحق أن ثم لمحة لفتنا إليها العلامة د. فاضل السامرائي عندما فرق بين فريقين هنا : فريق الأبرار ( يشربون من ) ، وفريق عباد الله ( يشرب بها ) ؛ ذلك أن جزاء الأبرار دون جزاء عباد الله ، فعباد الله أعلى مرتبة من الأبرار ، فالتفاضل إنما يكون بمقدار العبودية ، وكلما كان الشخص أكمل في العبودية وأتم كان أقرب إلى سيده ؛ لذا كانت العبودية أسمى المقامات فأطلقت على الأنبياء في مقام التشريف ، ومن ثم فرق بين النعيمين ؛ فنعيم الأبرار كأس ليست خالصة وإنما ممتزجة بالكافور ، وأما عباد الله فهم لا يشربون من كأس يؤتى بها بل يشربون من العين خالصة وهي مرتبة أعلى ... وهكذا فالحرف القرآني آخذ صاحبه إلى بستان كل ما فيه معطر مبهج ... أفنقول بعد ذلك بتناوب الحرفين أو التضمين ؟ هو لعمري قتل لإشعاع حرف ، وجمال لفظ ، وعذوبة تركيب ... والحمد لله أولا وأخيرا من المراجع الكشاف : الزمخشري الإعجاز البياني : د. عبدالله الهتاري التعبير القرآني : د. فاضل السامرائي من أسرار حروف الجر : د. الأمين الخضري ... |
| الساعة الآن 08:49 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by