منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   من تاريخ البلاغة العربية (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=28966)

مصطفى شعبان 03-12-2018 09:12 AM

من تاريخ البلاغة العربية
 
من تاريخ البلاغة العربية
د. أحمد درويش



كان العربُ قبل الإسلام أُمةً يمكن أن يكونَ فنُّها الأولُ هو "الكلمةَ"، وكانَتْ بذلك تختلفُ وتتميَّز عن غيرِها مِن الحضارات القديمة، فإذا كان المصريون القدماء قد خلَّفوا آثارًا في التحنيط والنحت والعمارة، وخلَّف اليونان آثارًا في الفكر الفلسفيِّ والإنتاج المسرحي؛ فقد خلَّف العرب آثارًا كثيرةً في الشعر الجميل والنثر المُحكَم.

وكان نزولُ القرآن معجزة الإسلام، وطرحُه التحدِّي لمخالفِيه في أن يأتوا بقول بليغٍ مثلِه - كان هذا التحدِّي دلالةً من ناحيةٍ على الاعتراف بقوة العرب في هذا المجال، وحافزًا من ناحية أخرى على مواصلة التجويد في بناء العبارة، وانتقل فنُّ القول من كونه مجردَ تراث قوميٍّ يُعتَزُّ به، إلى كونه شعائرَ دينيةً يُتعبَّدُ بالتأمُّل في محاربيها.

ولم يكن الإسلام دينًا فقط، ولكنه كان كذلك دولةً وحضارة، وفي سبيل أن تستقرَّ الدولة وتنتشر الحضارة، كان لا بد مِن خوض كثيرٍ مِن ألوان الصراعات؛ من بينها صراعات القوة بالطبع، ولكنْ إلى جانبها - بل في درجة أهمَّ منها - صراعاتُ الكلمة.

كان مِن مستلزمات تحويل القبائل إلى دولةٍ أن تنشأ الدواوين والسِّجلات، وتُقيَّد الرواتب، وتُحصَى الأنفس، وتُبنَى المساجد للتعبُّد والتعلم، وتُقام بيوت القضاء، وتُنظَّم العَلاقات بين حاكم الدولة وحكام الأقاليم وقُضاتِها، وبين الدولة وما جاوَرها مِن دول أخرى، ولم يكن تنظيمُ ذلك ممكنًا إلا من خلال الكلمة "كتابةً" أو "خطابة".

وعندما بدأ هذا التنظيم، واجَهَه قلةُ خبرة أبناء القبائل في شؤون الدولة، ولكن أعان عليه أن هذه الحضارة لم تكن للعرب فقط؛ وإنما كانت للمسلمين جميعهم، وأن جانبًا كبيرًا ممن دخلوا هذا الدينَ الجديد كانوا أبناء حضارات أخرى عريقةٍ مُنظَّمة - في فارس، وفي مصر، وفي الشام - وأسرَعَ هؤلاء فتعلَّم منهم العربية مَن لم يكن يُجِيدها، وأسهَموا إلى جانب إخوانهم العرب في صناعة الكلمة تأليفًا وتنظيمًا وكتابةً، حتى وإن فاتَهم في البَدْء الإسهام في الخطابة؛ لحداثة تعلُّم اللغة، وعدمِ إحكام نطقها.

لكن العرب أنفسَهم كان لديهم مِن الدوافع الدينيَّة والسياسية ما دفعهم إلى مزيد من الإسهام والإنعاش لحركة الخطابة، وكان الجدلُ الدينيُّ قد بدأ أولًا بين أنصار العقيدة وأعدائها، وكانَتْ مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تشهَدُ وفودَ القبائل التي تجيء ومعها شاعرُها وخطيبها، ويكون لدى المسلمين أيضًا شاعرُهم وخطيبهم، ويبدأ الحوار، لكن ذلك الجدل انتقل بعد فترة ليصير جدلًا بين المسلمين بعضهم والبعض الآخر، عندما بدأ انقسام المسلمين في الرأي حول بعض القضايا الدينية، ثم تشعَّب فأصبح انقسامًا إلى فِرَق وأحزاب، كلُّ فرقةٍ تتشيَّع إلى رأيٍ وتُناصِره، وتتَّخِذ بالطبع الخطابةَ في المحافل العامة وسيلةً إلى إثبات رأيها.

ومِن هنا شاع في المساجد والأسواق وأماكن التقاء الناس ذلك اللونُ مِن الخطابة الجدليَّة السياسية أو الدينية، ولا ننسى قبل كل شيءٍ أن الإسلام جعل "الخطابة" ركنًا من أركان العبادات عندما شرَعها مرة كلَّ أسبوع في صلاة الجمعة.

تحوَّلت فنون الكلمة إذًا إلى أدوات رئيسة في بناء هيكل الدولة والحضارة، لكنها كذلك كان لا بد أن تلعب دورًا رئيسًا في تثقيف الأمة وشرحِ العقيدة الجديدة للناس، ونشأت حول القرآن وبلاغته علومٌ كثيرة تُفسِّر جوانب الإعجاز أو أسرار اللغة، من خلال هذا النص المُقدَّس، ومن غير المبالغة أن يقال: إن معظم العلومِ التي اصطلح على تسميتِها بالعلوم الدينية والعربية تدور في هذه الدائرة التي أشرنا إليها، وقد وُلِدت كلُّها في فترات زمنية متقاربة، في العصر الذي شهِد بناء الدولة والحضارة واستقرارَهما.

مع هذا الاهتمام الذي أخذَتْه الكلمةُ في الحضارة العربية، بدأ اهتمامٌ مُوازٍ بالمتكلِّم، كاتبًا كان أو خطيبًا، وبصناعة الكلام وأدواتها، ولم تَعُد تُترك الأمور بلا إعداد، فالخطيب لا يؤثِّر فقط من خلال كلماته، ولكن من خلال طريقة نطق هذه الكلمات وطريقة تنغيمها، بل طريقة وقفتِه وهيئته وملبسه، ومِن ثم بدأت أبحاثٌ حول الخطابة من هذه الزاوية، ولعل أشهرها ما دوَّنه الجاحظ في "البيان والتبيين".

أما "الكُتَّاب"، فقد أصبحوا يحتلُّون مكانةً مرموقة في الدولة، ولهم "وزارة" خاصة بهم يُطلَق عليها "ديوان الإنشاء"، ورئيسُهم يحتلُّ مكانًا مرموقًا في بلاط الحكم، هؤلاء الكُتَّاب ينبغي العناية بوسائل وأدوات كتابتهم، بَدْءًا من نوع الأقلام التي يكتبون بها، وطريقة "بريها"، إلى نوع الأحبار التي يستعملونها، إلى الأساليب التي تناسب المقامات المختلفة التي يكتبون فيها، وملاءمة كلِّ أسلوب منها لموقفٍ معين أو لطبقة معينة، مما يمكن أن يدخل الآن في مفهوم "البروتوكول" بمعناه الحديث، ولكن أيضًا كانَتْ هناك عنايةٌ بألوان الثقافة التي ينبغي أن تتوافر للكاتب؛ مِن معرفة بالتاريخ والجغرافيا، وخصائص الشعوب وقوانينها، ودقائق التشريع والعلوم المفردة له، وأسرار علوم اللغة وخصائص العبارات، ووسائل التزيين في العبارة، وطرق أدائها المختلفة، وقد أُلِّفَت كتبٌ تجمع هذه الوسائل كلَّها وتُقدِّمُها لمن يودُّ أن يتخصص في صناعة الكتابة ويبرع فيها، ومِن أشهر هذه الكتب كتاب "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" للقلقشندي، وهو موسوعة ضخمة تقع في أربعة عشر مجلدًا كبيرًا.

ولقد كان مِن نتيجة كلِّ ذلك أنْ أصبحَ لهؤلاء الكُتَّاب بصرٌ بدقائق اللغة وعلوم الأدب، وأصبحوا من خلال ممارستِهم للكتابة أقدرَ على النظر إلى الأدب وعلومه نظرةً كلية تختلف عن نظرة العلماء المتخصصين، الذين قد يهتمُّ كلُّ واحد منهم بفرع من فروع الدراسات اللُّغوية أو الأدبية، دون أن تمتدَّ نظرته إلى بقية الجوانب، ولعل ذلك هو ما دفع الجاحظَ إلى أن يقول: "طلبتُ علم الشعر عند الأصمعي فوجدتُه لا يُحسن إلا غريبَه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا ينقُل إلا ما اتصل بالأخبار، فعطفت على أبي عُبيدة فوجدتُه لا يتقن إلا ما اتصل بالأخبار وتعلَّق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكُتَّاب؛ كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبدالملك الزيات".

إلى جانب جهد هؤلاء الكتَّاب ودورِهم الذي قاموا به في تطوير دور الكلمة والدراسات التي دارت حولها - وفي مقدمتها الدراسات الأدبية والبلاغية - نجدُ دورَ علماء الدين مِن المتكلمين والمفسِّرين على نحوٍ خاصٍّ، والروايات تحكي أن التأليف البلاغيَّ عَرَف أولَ ثمارِه نتيجةً للنقاش بين الكتَّاب وهذه الطائفة من العلماء؛ فقد رُوي أن رجلًا في زيِّ الكتَّاب بمجلس الفضل بن الربيع سأل أبا عُبيدة مَعْمَر بن المُثنَّى - (توفي عام 206هـ) - عن قوله تعالى: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الصافات: 65]: كيف وقع تشبيه طَلْع أشجار النارِ برؤوس الشياطين، وإنما يقع تشبيهُ المجهول بمعلومٍ لكي يُقرِّبه إلى الذهن، والتشبيهُ هنا يتمُّ بين مجهولينِ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عُرِف مثلُه، وهذا لم يُعرَف؟! فعزم أبو عُبيدة عند سماعه للسؤال على وضع كتابٍ في "مجاز القرآن" يُفسِّر به هذا التعبير وأمثاله في القرآن وفي كلام العرب، ويُعَد هذا الكتابُ الذي كتب في فترة مبكرة الشرارةَ الأولى للتأليف في هذا الفرعِ، الذي سيُقدَّر له أن تتضاعف أغصانه، وأن تتكاثر ثماره.

على أن اهتمامات علماء الكلام والتفسير بالبلاغة لم تقف عند الاهتمامات الصُّدْفوية التي تُجيب على تساؤلات عابرة كتلك؛ وإنما امتدَّ لكي يشكل مبحثًا رئيسًا في مداخل علوم الكلام وأصول الفقه والتفسير، فعلماء الكلام الذين يبحثون عن صفات الله تعالى، ويقفون أمام صنعة "الكلام"، وكون كلام الله مُعجِزًا لا يساويه ولا يدانيه كلامُ البشر - يمتدُّون ببحوثهم إلى معرفة الأوجه والخصائص التي تميَّز بها ذلك الكلامُ المُعجِز، وذلك يقودُهم إلى صلب علوم البلاغة ومباحثها الرئيسة، وكذلك علماء التفسير عندما يأخُذونَ في التناول التفصيليِّ لتفسير آيات القرآن، يقفون بالضرورة أمام الأسرار التعبيرية في هذا النص المُعجِز، ويكفي في هذا المقام الإشارةُ إلى علماء مثل أبي بكر الباقلاني من المتكلمين - (توفي عام 403 هـ) - وكتابه حول "إعجاز القرآن"، ومحاولته تفسيرَ ذلك الإعجاز على أُسُسٍ بيانية، معارضًا بذلك اتجاه مَن سبَقوه وفسَّروا ذلك الإعجاز بما أسمَوه "بالصرفة"؛ أي: بصرف الله تعالى قدرةَ العرب عن معارضة القرآن.

لكن عمل المتكلمين الشديد النضج في هذا المجال تمثَّل في مؤلَّفات عبدالقاهر الجُرجاني - (المتوفى عام 471 هـ) - ففي كتاب "دلائل الإعجاز" لا يصل عبدالقاهر فقط إلى تبيين الخصائص البلاغية للأسلوب القرآنيِّ، ولكنه من خلال ذلك يصل أيضًا إلى وضع نظريةٍ تُقدِّم أسسًا موضوعية للقِيَم الجمالية في التعبير، وهذه الأسس تضمَّنتها نظريتُه الشهيرة، التي عُرِفت باسم "نظرية النظم"، التي كانت أساسًا بُنِي عليه "علم المعاني".

على أن كتاب عبدالقاهر الثاني، وهو "أسرار البلاغة"، يُمثِّل - مِن بعض الزوايا - شدة الصلة بين الدراسات التي قامت على أساس دينيٍّ، والدراسات الجمالية المتصلة بفنون القول الأخرى مثل الشِّعر مثلًا، فمع أن الكِتاب امتدادٌ لنظرية عبدالقاهر في الإعجاز التي أشرنا إليها التي تضمَّنها كتابه السابق، فإن "أسرار البلاغة" يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الشِّعر كمادة في تفسير نظريته وشرح مبادئها، وهو بذلك يتحوَّل إلى ناقد جماليٍّ وإلى بلاغي من الدرجة الأولى، وإن كانت جذوره ودوافعه تنتمي إلى علم الكلام ودوافعه الدينية.

نلتقي بالمباحث البلاغية كذلك عند علماء التفسير القرآني، مع أن هذه المباحث تتناثر في كثير من كتب التفسير، فإن كتاب تفسير الكشاف للزمخشري - المتوفى 476 هـ - يُعَد مِن أوضح الأمثلة على شدة التلاحم بين الدراسات البلاغية والدراسات القرآنية؛ فقد عمد الزمخشريُّ في تفسيرِه إلى نظرية النظم التي وضعها مِن قَبْلِه عبدالقاهر الجرجاني، وفسَّر على أساسها الإعجازَ القرآنيَّ كما قلنا، عمد الزمخشري إلى هذه النظرية وحاول أن يُطبِّقها على النصوص القرآنية أثناء تفسيره لها، ولقد أسهم بذلك في تعميق كثير من المسائل البلاغية، بل إنه أسهم إسهامًا مباشرًا في تبويب هذه المسائل على النحو الذي نعرفه اليوم، فإذا كانت علوم البلاغة اليوم تشتمل على فروع المعاني والبيان والبديع، فإن الذي اهتدى إلى مصطلح "علم المعاني" وأطلق هذا الاسم على مجموع المسائل التي يبحث فيها هذا الفرع، كان هو الزمخشري في تفسيره للكشاف.

إلى جانب الكتاب وعلماء الكلام والتفسير، أسهم الشعراءُ بدورٍ كبير في إثارةِ مشاكل تعبيرية استوجبَتْ بحوثًا نظرية لمعرفة مدى صلتها بالتراث القديم، أو مدى كونها شيئًا جديدًا "بديعًا".

وكانتِ الحركةُ الشِّعرية في أوائل العصر العباسيِّ على نحوٍ خاصٍّ قد نزعت - تحت عوامل الرفاهية والترف في مظاهر الحياة من ناحية أخرى - نزعت الحركة الشعرية إلى الإكثار من استخدامِ تعابيرَ كانت تَرِدُ في القرآن والشِّعر القديم، ولكن دون إفراط، وإلى استحداث ألوان أخرى من التعابير، وقد تجمَّع حول استخدام هذه الخصائص مجموعةٌ مِن الشعراء، عُرِفوا في ذلك العصر بالشعراء المُحدَثين، كان مِن أبرزهم: بشَّار بن بُرد، وأبو نواس، ومسلم بن الوليد، وأبو تَمَّام، وقد قامتِ الدراساتُ البلاغية لكي تناقش مدى الجدة والأصالة في تعبيراتهم، وكان مِن أبرز ما كُتب حول هذه الحركة "كتاب البديع" لعبدالله بن المعتز.

هذه العوامل كلُّها كانت وراء مئاتِ المؤلَّفات، وعشرات الاتجاهات التي ساعدت على تكوين التراث الذي يوجد الآن بين أيدينا قسمٌ كبير منه، وليست هناك وسيلةٌ للإلمام بتفاصيل ذلك التراث وتاريخه ونحن بصدد دراسة مدخل له، وكذلك أيضًا لا يكفي الإلمامُ بتاريخه والكتابة عنه مِن خارجه، ولعل الوسيلة التي تُعيننا على تذوُّق هذا التراث والاقتراب منه إلى حدٍّ ما، هي اختيار مجموعةٍ من نصوصه، والوقوف أمامها، ومتابعة التطور من خلالها.




المصدر

عبدالله بنعلي 03-12-2018 06:06 PM

مكتبة لسان العرب

2010-12-10
صبح الأعشى في كتابة الإنشا - القلقشندي





صبح الأعشى في كتابة الإنشا
المؤلف : أبو العباس أحمد القلقشندي
المحقق : دار الكتب المصرية
دار النشر : دار الكتب المصرية
بلد النشر : القاهرة - مصر
سنة الطبع : 1340 - 1922
عدد المجلدات : 14
عدد الصفحات : 6622 صفحة
الحجم الإجمالي : 151 ميجا
-------------
التحميل المباشر:

الواجهة http://www.archive.org/download/waq0083/00-0083.pdf|| مجلد 1http://www.archive.org/download/waq0083/01-0083.pdf|| مجلد 2 http://www.archive.org/download/waq0083/03-0085.pdf|| مجلد 3http://www.archive.org/download/waq0083/03-0085.pdf || مجلد 4 http://www.archive.org/download/waq0083/04-0086.pdf|| مجلد 5 http://www.archive.org/download/waq0...83/05-0087.pdf
مجلد 6 http://www.archive.org/download/waq0083/06-0088.pdf|| مجلد 7 http://www.archive.org/download/waq0083/07-0089.pdf || مجلد 8 http://www.archive.org/download/waq0083/08-0090.pdf|| مجلد 9 http://dc181.4shared.com/download/17.../09-0091.pdf|| مجلد 10http://dc181.4shared.com/download/173502030/295aad2c/10-0092.pdf || مجلد 11 http://dc181.4shared.com/download/17...af/11-0093.pdf
مجلد 12 |http://dc181.4shared.com/download/17...7/12-0094.pdf| مجلد 13 http://dc181.4shared.com/download/17.../13-0095.pdf|| مجلد 14 http://dc181.4shared.com/download/17...fd/14-0096.pdf
روابط أخرى:
الواجهة || مجلد 1 || مجلد 2 || مجلد 3 || مجلد 4 || مجلد 5
مجلد 6 || مجلد 7 || مجلد 8 || مجلد 9 || مجلد 10 || مجلد 11
مجلد 12 || مجلد 13 || مجلد 14

-------------
فهارس كتاب
صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي
تصنيف : محمد البقلي
الناشر : عالم الكتب - مصر
------https://archive.org/download/lis03221/01.pdf-------
https://archive.org/download/lis03221/04.pdf
https://archive.org/download/lis03221/07.pdf
https://archive.org/download/lis03221/09.pdf
https://archive.org/download/lis03221/11.pdf
https://archive.org/download/lis03221/11.pdf
https://archive.org/download/lis03221/12.pdf
https://archive.org/download/lis03221/12.pdf
أبو العباس القلقشندي
أبو العباس القلقشندي

المؤرخ الكبير أبو العباس القلقشندي صاحب صبح الأعشى .

حياته
هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي ، ولد في قرية قلقشندة بمحافظة القليوبية سنة 756هـ .

درس في القاهرة و الإسكندرية ، و برع في الأدب و الفقه الشافعي ، و ذاع صيته في البلاغة و الإنشاء ، مما لفت إليه أنظار رجال البلاط المملوكي ، فالتحق بديوان الإنشاء في عهد السلطان الظاهر برقوق سنة 791هـ ، و استمر فيه حتى نهاية عهد برقوق ، أي حوالي عام 801هـ .

مع مطلع القرن التاسع الهجري خطرت للقلقشندي فكرة وضع موسوعته الضخمة صبح الأعشى في صناعة الإنشا ، الذي بدأ في تأليفه سنة 805هـ ، و فرغ منه في شوال سنة 814هـ . و قضى القلقشندي أيامه الأخيرة في عزلة عن المناصب العامة ، بيد أنه ظل محتفظاً بمكانة رفيعة في البلاط المملوكي . و رحل القلقشندي سنة 821هـ

صبح الأعشى
المقالة الرئيسية: صبح الأعشى
رتب القلقشندي مؤلفه الضخم على مقدمة و عشر مقالات .

المقدمة : تناول فيها المسائل التمهيدية ، كفضل الكتابة ، و صفات الكتاب و أدابهم ، و تاريخ الإنشاء ، و تطور فنه عبر العصور ، و فضل النثر على النظم ، و التعريف بديوان الإنشاء و قوانينه ،
المقالة الأولى : يتناول فيها دراسات الكاتب اللغوية و الأدبية لكي يستطيع إتقان عمله في ديوان الإنشاء من وضع الكتب و الرسائل و ما شابه ، كذلك معلومات مهمة عن انواع الأوراق و الأحبار ، و نبذة عن الخط العربي .
المقالة الثانية : و هي فصل جغرافي عن المسالك و الممالك و تنظيمها منذ ظهور الإسلام في ديار الإسلام ، و فيه تفصيل خاص لشئون الديار المصرية و ما يتبعها .
المقالة الثالثة : و هي تفصيل واف لترتيب المكاتبات و أنواع الرسائل و و أنواع المراسيم و أقلام الترجمة .
المقالة الرابعة : و هي أهم مقالات الكتاب ، و فيها فهرسة مطولة للملوك و السلاطين و الأمراء و العلماء و المتصوفة و القضاة و أمراء الجيوش ، و ذكر لألقابهم و شروحها ، و استعراض للعديد من رسائل ديوان الإنشاء المملوكي .
المقالة الخامسة : تتناول مسألة الولايات و تنظيمها و طبقاتها من الخلافة و السلطنة و الإمارة و أنواع البيعات .
المقالة السادسة : يتحدث فيها عن الوصايا الدينية و المسامحات و تصاريح الخدمة السلطانية و المقابلات .
المقالة السابعة : عن الإقطاعات و أنواعها و أصلها و نشأتها .
المقالة الثامنة : عن الأيمان و أنواعها منذ الجاهلية ، ثم الدولة الإسلامية .
المقالة التاسعة : يتحدث عن عهود الأمان و عقدها لأهل الكفر و ما يتعلق منها بأهل الذمة ، و الهدن و أنواعها .
المقالة العاشرة : يعرض نماذج من الرسائل الملوكية في المديح و الفخر و الصيد و غيرها من أمور الملوك ، ثم يتحدث عن تاريخ البريد في مصر و الشام ، و عن الحمام الزاجل و استخداماته و أبراجه و مطاراته .
هذا عرض موجز لصبح الأعشى الذي يشهد لمؤلفه برفيع المكانة بين طبقات المؤرخين و الأدباء المسلمين في كل العصور .

مؤلفات أخرى له
نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب .
قلائد الجمان في معرفة العربان ، و هذان الكتابان في الأنساب .
و له مختصر لصبح الأعشى عنوانه (( ضوء الصبح المسفر ، و جنى الدوح المثمر ))

و له في الفقه الشافعي :

الغيوث الهوامع في شرح جامع المختصرات و مختصرات الجوامع

عبدالله بنعلي 03-12-2018 06:13 PM

من موقع الالوكة :
الكشف عن أصول دلائل الإعجاز للإمام عبدالقاهر الجرجاني
د. حسن إسماعيل عبدالرازق






بسم الله الرحمن الرحيم


مُنذُ ما يقرُب من ثماني سنواتٍ صدَر لي كتابٌ بعنوان: "دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي وعبدالقاهر الجرجاني"[1]، وقد أحدَثَ هذا الكتابُ ضجَّةً كبيرةً في أوساط البلاغيِّين والنُّقَّاد؛ لما اشتَملَ عليه من حَقائق مُثِيرة كانت غائبةً عن الأذهان، وأهمُّ هذه الحقائق هي: أنَّ نظريَّة النَّظم التي أدارَ عليها الإمام عبدالقاهر الجرجاني كتابه "دلائل الإعجاز" ليست من بَنات أفكارِه؛ وإنما هي من بناتِ أفكار أبي سعيدٍ السيرافي (المتوفَّى سنة 386هـ)، وأنَّ كتاب "دلائل الإعجاز" ليس إلاَّ شرحًا للمُناظَرة التي جَرَتْ بين أبي سعيدٍ السيرافي ومَتَّى بن يونس المنطقي في المفاضلة بين النحو والمنطق بمجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات في (سنة 326هـ)، ونقَلَها تلميذُه أبو حيَّان التوحيدي في كتابَيْه: "الإمتاع والمؤانسة"، و"المقابسات"، كما نقَلَها ياقوت في "معجم الأدباء"، وفي تلك المناظرة ظهَرتْ بُذورُ نظريَّتي "النظم" و"البيان" اللَّتين أدارَ عليهما الإمام عبدالقاهر الجرجاني كتابه "دلائل الإعجاز"، ومن النظريَّتين تفرَّعت مسائلُ البلاغة العربيَّة، وتنوَّعت إلى عُلومها الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، ودارَتْ حولها مباحثُ البلاغيين، من شُروحٍ وتعليقاتٍ ومتون وتلخيصات إلى يومنا هذا.



وقد أيَّدتُ رأيي هذا بما يلي:

أولاً: أنَّ الأفكار التي وردَتْ في "الدلائل" هي الأفكار نفسُها التي وردت في المناظرة.



ثانيًا: أنَّ تلك الأفكار قد جاءت في "الدلائل" مُرتَّبةً على حسَب ترتيبها في المناظرة.



ثالثًا: أنَّ عبدالقاهر في "الدلائل" لم يكدْ يأتي بأفكارٍ جديدةٍ لم تكن في المناظرة؛ وإنما قام الكتاب كلُّه على نظريَّة النَّظم وشرحها، وإقامة الدليل على صحَّتها بما قرَأَه في كتب النُّقَّاد السابقين.



رابعًا: أنَّ طريقة الكتاب هي طريقة المناظرة، وليست طريقة كتاب تُعَدُّ أفكارُه وتُنظَم كالذي نجدُه في "أسرار البلاغة"؛ ولهذا فإنه يُكثِر من قوله: "فإن قلتم كذا، قلنا كذا".



ومن الغريب حَقًّا ألا يَذكُر الإمام عبدالقاهر الجرجاني مصدرَ فِكرَتِه في "الدلائل" - وهو مُناظرة أبي سعيد السيرافي - بل إنَّه لم يُجْرِ ذِكرًا للسيرافي في "دلائل الإعجاز"، في الوقت الذي ذكَر فيه أبا عليٍّ الفارسي، وقد كان قرينَ أبي سعيد السيرافي ونظيرَه في النحو والصرف - ثلاث مرَّات في "دلائل الإعجاز"؛ وهي:

قوله: "ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في "الإغفال"..."[2].

وقوله: "قال الشيخ أبو علي في "الشيرازيات"..."[3].

وقوله: "أنشد الشيخ أبو علي في "التذكرة"..."[4].



والأغرَبُ من هذا أنَّ عبدالقاهر قد رفَض رأيًا لأبي سعيدٍ السيرافي - وهو يُؤلِّف "الدلائل" - ولم يُشِر إليه؛ إمعانًا منه في إخفاء ذِكره، وذلك عند شرح سيبويه لقول الخنساء:

تَرْعَى إِذَا نَسِيَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ




فجعَل الإقبال والإدبار مَجازًا على سَعَةٍ في الكلام؛ كقولك: نهارُكَ صائمٌ، وليلُكَ قائِمٌ؛ حيث يقول أبو سعيدٍ السيرافي - في شرحه للكتاب -:

يقدرون مثل هذا على تقديرين:

أحدهما: أنْ يُقدِّروا مُضافًا إلى المصدر ويحذفونه كما يحذفون في: ï´؟ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ï´¾ [يوسف: 82].



والوجه الثاني: أنْ يكون المصدر في موضع اسم الفاعل، وكان الزجَّاج يَأبَى إلاَّ الوجه الأوَّل، وممَّا يُقوِّي الثاني أنَّك تقول: رجلٌ ضخمٌ وعَبْلٌ، فتجعلُهما في موضع اسم الفاعل؛ وليسا بمصدرَيْن لِضَخُمَ وعَبُلَ.



وعلى كلام أبي سعيدٍ السيرافي: فالمجاز مجازُ حذفٍ، أو مجازٌ مرسلٌ علاقته التعلُّق بالاشتقاق[5]؛ ولكنَّ عبدالقاهر يرفُض الوجهين كليهما، وينظم البيت في سِلك ما أسماه بـ"المجاز الحكمي"، ثم يقول: "واعلم أنَّه ليس بالوجه أنْ يُعَدَّ هذا على الإطلاق بعدما حُذِفَ فيه المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه مثل قول الله - عزَّ وجلَّ -: ï´؟ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ï´¾ [يوسف: 82]، وإن كُنَّا نراهم يَذكُرونه حيث يَذكُرون المضاف المحذوف من نحو الآية... في سبيل ما يُحذَف من اللفظ ويُراد في المعنى، وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأنَّا إذا جعَلْنا المعنى فيه كالمعنى إذا قُلنا: فإنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ، أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيءٍ مغسولٍ، وإلى كلامٍ عامِّيٍّ مرذول"[6].



وليس هذا فحسْب، بل إنَّ عبدالقاهر قد نقَل أفكارًا عديدةً انتفع بها في "الدلائل" من شرح أبي سعيدٍ السيرافي لـ"كتاب سيبويه"، دون أنْ يذكر اسمه؛ إمعانًا منه في إخفاء ذِكره، ومن ذلك ما يلي:

قال أبو سعيدٍ السيرافي - تعليقًا على قول سيبويه في "الكتاب": كأنهم يُقدِّمون الذي بيانه أَهَمُّ لهم، وهم ببيانه أعنى، وإنْ كانا جميعًا يهمَّانهم -: "معنى ذلك أنَّه قد يكون من أغراض الناس - في فعلٍ ما - أنْ يقع بإنسانٍ بعينهِ ولا يبالون مَن أوقعه به؛ كمثل ما يريدُه الناس من قتلِ خارجيٍّ مُفسدٍ في الأرض، ولا يُبالون مَن قتَلَه؛ فإذا قتله زيدٌ فأراد مخبرٌ أنْ يُخبر بذلك قدَّم الخارجيَّ في اللفظ؛ لأنَّ القلوب متوقَّعة لما يقع به من أجله، لا من أجلِ قتلِه، فتقول: (قتلَ الخارجيَّ زيدٌ)، وإن كان رجل ليس له بأسٌ، ولا يقدر فيه أن يَقتُلَ أحدًا؛ فَقَتَلَ رجلاً، فأراد المخبر أنْ يخبر بهذا المستبعد من القاتل، كان تقديم القاتل في اللفظ أهمَّ؛ لأنَّ الغرض أن يُعْلَمَ أنه قتل إنسانًا، فيقال: "قتلَ زيدٌ رجلاً".



وهذا الكلامُ إنما هو على قدْر عناية المتكلم، وعلى ما يسنَحُ له وقت كلامِه، وربما فعل هذا لطلب سجعٍ، أو قافيةٍ، أو كلامٍ مُطابقٍ، ولأغراضٍ شتَّى؛ اكتفاءً بدلالة اللفظ عليه"[7].



وقد نقل عبدالقاهر الجرجاني هذا الكلام من شرح أبي سعيدٍ السيرافي إلى "دلائل الإعجاز" على هذا النحو: "واعلم أنَّا لم نجدْهم اعتمدوا فيه شيئًا يجري مَجرى الأصل (أي: في التقديم) غير العناية والاهتِمام، قال صاحب "الكتاب" - وهو يذكر الفعل والمفعول -: كأنهم يقدمون الذي بيانُه أهمُّ لهم وهم بشَأنه أعنَى، وإنْ كانا جميعًا يهمَّانهم ويعنيانهم، ولم يذكروا في ذلك مثالاً، ثم قال عبدالقاهر: وقال النحويون - وهو يقصد أبي سعيد السيرافي -: إنَّ معنى ذلك: أنَّه قد يكون من أغراض الناس - في فعلٍ ما - أنْ يقع بإنسانٍ بعينه، ولا يُبالون مَن أوقَعَه؛ كمثل ما يُعلَم من حالهم - في حال الخارجيِّ يخرج فيعيثُ ويُفسد، ويكثُر به الأذى، أنهم يريدون قتلَه، ولا يُبالون مَن كان القتلُ منه، ولا يَعنِيهم منه شيءٌ، فإذا قُتِلَ وأراد مُرِيدٌ الإخبارَ بذلك، فإنَّه يُقدِّم ذكر الخارجي؛ فيقول: "قَتل الخارجيَّ زيدٌ" ولا يقول: "قتل زيدٌ الخارجيَّ"؛ لأنَّه يعلم أنْ ليس للناس في أنْ يعلموا أنَّ القاتل له زيدٌ جدوى وفائدة، فيَعنِيهم ذكره ويهمهم ويتَّصل بمسرَّتهم، ويعلَمُ من حالهم أنَّ الذي هم مُتوقِّعون له ومُتطلِّعون إليه، متى يكون وقوع القتل بالخارجيِّ المفسد، وأنهم قد كفوا شرَّهُ وتخلَّصوا منه... ثم قالوا: - وهو يقصد أبا سعيدٍ السيرافي - فإنْ كان رجلٌ ليس له بأسٌ، ولا يقدر فيه أنْ يقتل فقتَل رجلاً، وأراد المخبر أنْ يُخبِرَ بذاك، فإنَّه يُقدِّم ذكرَ القاتل؛ فيقول: قتل زيدٌ رجلاً؛ ذاك لأنَّ الذي يَعنِيه ويَعنِي الناس من شأن هذا القتل طَرافته وموضع النُّدرة فيه، وبعدُه كان من الظنِّ، ومعلومٌ أنَّه لم يكن نادرًا وبعيدًا من حيث كان واقعًا بالذي وقع به؛ ولكن من حيث كان واقعًا من الذي وقَع منه...".



ولا يستطيعُ عبدالقاهر أنْ يرفُض هذا الرأي، ولكنَّه يُعقِّب عليه بقوله:

"فهذا جيِّدٌ بالغٌ، إلاَّ أنَّ الشأن في أنَّه ينبغي أنْ يعرف في كلِّ شيء قُدِّمَ في موضعٍ من الكلام مثل هذا المعنى، ويُفسر وجه العناية فيه هذا التفسير"؛ ("الدلائل" ص84).



على أنَّ عبدالقاهر لم يلبَثْ أنْ خَطَّأ أبا سعيدٍ السيرافي في تقسيمِه التقديمَ إلى: ما كان للعناية والاهتِمام، وما كان للتوسعة على الشاعر أو الأديب؛ كي تطَّرد لهما السَّجعة والقافية - دون أنْ يَذكُر اسم أبي سعيد - مع أنَّه يردُّ عليه رأيَه ويُخطِّئه فيه، فيقول: "واعلم أنَّه من الخطأ أنْ يُقسَّم الأمرُ في تقديم الشيء وتأخيره قسمين؛ فيُجعَل مفيدًا في بعض الكلام، وغير مفيدٍ في بعضٍ، وأنْ يُعلَّل تارةً بالعناية، وأخرى بأنَّه توسعةٌ على الشاعر والكاتب؛ حتى تطَّردَ لهذا قوافيه، ولذاك سَجْعُهُ؛ ذلك لأنَّ من البعيد أنْ يكون في جملة النَّظم ما يدلُّ تارةً ولا يدلُّ أخرى، فمتى ثبَت في تقديم المفعول - مثلاً - على الفعل في كثيرٍ من الكلام أنَّه قد اختصَّ بفائدةٍ لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجَب أنْ تكون تلك قضيَّة في كلِّ شيءٍ وعلى كلِّ حالٍ، ومن سبيل مَن يجعلُ التقديم وترْك التقديمِ سواء أنْ يدَّعِي أنَّه كذلك في عُموم الأحوال، فأمَّا أنْ يجعَلَه شريجَيْن، فيزعُم أنَّه للفائدة في بعضها، وللتصرُّف في اللفظ من غير معنًى في بعض، فممَّا ينبغي أنْ يُرغَب عن القول به"؛ "الدلائل 106 - 111؛ تحقيق: محمود محمد شاكر".



وإذا كان هذا الكلام صريحًا في أنَّ عبدالقاهر قد قصَد أبا سعيدٍ السيرافي - فإنَّ هناك من كلام أبي سعيدٍ ما يُؤكِّد هذا الذي رأيناه من أنَّ عبدالقاهر يَرُدُّ بهذا القولِ على أبي سعيدٍ السيرافي، وهو أنَّ أبا سعيدٍ كان يرى أنَّ العرَب كانت تُقدِّم وتُؤخِّر للتوسُّع في الكلام، وذلك حيث يقول: "وذلك أنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ العرب لحاجتها إلى اتِّفاق القَوافي في شِعرها، وانتظام السَّجع في خُطَبها وكَلامها، جعَلُوا الإعرابَ دالاًّ على مَعانِيها باختلاف الحركات، فقدَّموا وأخَّروا للتوسُّع في الكلام"؛ "شرح كتاب سيبويه"؛ للسيرافي (2/72).



وهكذا تجد أنَّ عبدالقاهر قد أخَذ فكرةَ النَّظم من مناظرة أبي سعيدٍ السيرافي، واستَعان على إثباتها بما كتَبَه السيرافي نفسُه في شرحه لكتاب سيبويه، بل ناقَشَ السيرافيَّ في آراءٍ بلاغيَّة نقديَّة، قبل بعضها ورفض بعضها الآخَر، ولكنَّه لم يشأ أنْ يُفصِحَ عن اسم السيرافي، على الرغم من أنَّه قد ذكَر غيره من العُلَماء الذين عاصَرُوا السيرافي، أو سبَقُوه، أو لحقوا به؛ كسيبويه، والجاحظ، وثعلب، والأخفش، وأبي عليٍّ الفارسي، والقاضي أبي الحسن علي بن عبدالعزيز الجرجاني.



والسرُّ في ذلك أوضح من أنْ يُذكَر، وهو أنَّ عبدالقاهر قد أراد أنْ تسلَمَ له نظريَّة النَّظم، فلا يُذكر إلاَّ بها، ولا تُذكَر إلا به، وقد كان له ما أراد، فما من بلاغيٍّ أو ناقدٍ أدبي يَذكُر النَّظمَ إلا ويَذكُر عبدالقاهر، أو يَذكُر عبدَالقاهر إلا ويَذكُر النَّظم!



ولهذا؛ فإنَّني قد رأيت أنَّه من الإنصاف للحقيقة وللتاريخ أنْ أكتُب هذه الصفحات مُرْجِعًا الفضل إلى أهلِه، ومُبيِّنًا المنابع الحقيقيَّة التي استَقَى منها عبدالقاهر الجرجانيُّ أفكارَ كتابِه "دلائل الإعجاز"، بعد أنْ ظلَّت تلك المنابع قُرونًا عديدةً في زَوايا الإهمال، وخَبايا النِّسيان!



وإذا ما تتبَّعنا الأفكارَ التي قامَتْ عليها مُناظرة أبي سعيدٍ السيرافي[8]، والأفكار التي قام عليها "دلائل الإعجاز"، لوجدنا أفكارَ "الدلائل" قد رُتِّبت على حسَب ترتيب أفكار المناظرة، على النحو التالي:

(1) كان أبو سعيد السيرافي يردُّ على المناطقة الذين ادَّعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى، وأنَّ عِلم النحو لا جَدوى منه، وأنَّ النحويَّ في حاجةٍ إلى المنطق دون حاجة المنطقي إلى النحو.

(1) وبدأ عبدالقاهر في "الدلائل" يَرُدُّ على مَن زَهَّد في النحو من المعتزلة الذين حاوَلُوا تفسير القُرآن وتأويله، مع ادِّعائهم أنَّ المزيَّة في الفصاحة ترجعُ إلى اللفظ لا إلى المعنى.

(2) صحيحُ الكلام من سقيمه يُعرَف بالنَّظم المألوف، والإعراب المعروف؛ فهو كالميزان.

(2) صحيحُ الكلام من سقيمه يُعرَف بالإعراب، فهو كالمعيار.

(3) المناطقة محتاجون إلى اللغة، المكوَّنة من الاسم، والفعل، والحرف.

(3) المدخل إلى "دلائل الإعجاز" هو: أنَّ الكلام ينقسمُ إلى اسم، وفعل، وحرف.

(4) وهم محتاجون إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غَرائز أهلها.

(4) عمليةُ النظم تتمُّ بانتِقاء الألفاظ، ثم ترتيبها في النُّطق على حسَب ترتيبها في النفس.

(5) وقد ظنُّوا أنَّ المعاني لا تُعْرَفُ إلا عن طريق المنطق، مع أنَّ معاني النحو منقسِمة بين حركات اللفظ وسَكناته، وبين وضع الحروف في مَواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخِّي الصواب في ذلك، وتجنُّب الخطأ من ذلك.

(5) وقد عرَّف عبدالقاهر الجرجاني النَّظم الذي أدارَ عليه كتابه "دلائل الإعجاز" بأنَّه توخِّي مَعانِي النحو فيما بين الكلم على حسَب الأغراض التي يُسَاقُ لها الكلام، وكرَّره أكثر من خمسين مرَّة.

(6) تشبيه النظم بالنسج؛ ففيه تخيُّر وإعمال فِكر؛ إذ الكلام كالثوب، والنظم كالنسج، والمعاني كالسدى، والألفاظ كاللحمة، ورقَّة اللفظ كرقَّة سلكه، وغلظه ككثافة غَزله، وبلاغته كقصارته.

(6) معاني النحو كالأصباغ التي تُعمل منها الصور والنُّقوش في الثوب، بالتخيُّر والتدبُّر فيها، وفي مَواقِعها ومَقاديرها، وكيفيَّة مزجِه لها.

(7) نظريَّة البَيان عند أبي سعيدٍ السيرافي هي - في عبارةٍ مختصرةٍ -: "حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق".

(7) نظريَّة البيان عند عبدالقاهر - في عبارةٍ مختصرة -: "المعنى، ومعنى المعنى".

(8) قال أبو سعيدٍ السيرافي لمتَّى بن يونس:

"أتراك بقوَّة المنطق وبرهانه قد اعتقدت أنَّ الله ثالث ثلاثة؟!"؛ أي: إنَّ المنطق لم يحمِكَ من أنْ تعتقد أنَّ الله ثالث ثلاثة.

(8) قدْ تَزِلُّ قدمُ المفسِّر للقُرآن الكريم - إذا لم يكن على درايةٍ بعلم النحو - لأنَّ من الآيات ما يحتملُ أكثر من تأويلٍ كما في قوله تعالى: ï´؟ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ï´¾ [النساء: 171].



هذا، وبقيَّة الدلائل تطبيقٌ لنظريَّة النَّظم، وتأكيدٌ على صحَّتها بالأدلَّة تِلْوَ الأخرى.



وعلى أيَّة حال، فقد أراد عبدالقاهر أنْ يَرُدَّ على المعتزِلة الذين يُزهِّدون في علم النحو، بل في الشعر، ويعتمدون في تفسيرهم وتأويلهم لكتاب الله تعالى على العقل واللغة، ومعرفةٍ قليلةٍ بصحَّة الكلام وسلامته من اللحن، فقصَد كتاب "الإمتاع والمؤانسة"؛ لأبي حيان التوحيدي؛ ليطَّلع فيه على مناظرة أبي سعيد السيرافي التي ردَّ فيها على متَّى بن يونس المنطقي الذي كان يرفَعُ من شأن المنطق ويحقرُ من شأن النحو، والتي أفحَم فيها متَّى بنَ يونس، وبَيَّن له أنَّ اتِّباعه للمنطق قد أضلَّه ولم يحمِه من أنْ يعتقدَ أنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ؛ ومعنى ذلك: أنَّه لو عرف أسرار النَّظم في اللغة العربيَّة لتبيَّنت له دلائلُ الإعجاز في القُرآن الكريم، ولآمَن برسالة محمدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلم يعتقدْ أنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ؛ فجعل عبدالقاهر عنوان رَدِّه على المعتزلة: "دلائل الإعجاز"؛ ليبيِّن لهم هو الآخَر أنَّ إعراضهم عن النحو والشعر إعراضٌ عن الجهة التي منها تأتي دلائلُ الإعجاز، وفي ذلك ما فيه من خطرٍ على دِينهم؛ لأنهم يكونون في معنى الصادِّ عن سبيل الله!



وليبيِّن لهم - أيضًا - أنَّ تفسيرَهم للقُرآن الكريم بعيدًا عن وحْي معاني النحو فيما بين الكلم - قد يُؤدِّي بالمفسِّر منهم إلى أنْ تزلَّ قدَمُه في تفسير قوله تعالى: ï´؟ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ï´¾ [النساء: 171]؛ لأنهم قدَّروا المعنى: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة! وفي ذلك ما فيه من شبه إثبات الآلهة - والعياذ بالله[9].



ولهذا؛ فإنَّه - في خطبة "الدلائل" - قد استَعاذ بالله تعالى من قولٍ يرفُضه أبو سعيدٍ السيرافي، ومن صَنِيعٍ دأب عليه متَّى بن يونس، فقد شبَّه أبو سعيدٍ القول بالثوب، وقال: إنَّ سُدَاته لا تَكفِي دون لحمته، ولحمته لا تكفي دُون سُداته، ووصف صَنِيع متَّى بن يونس - في مجادلته بالباطل - بأنَّه تمويهٌ، قائلاً: "ولقد موَّهت بهذا المثال، ولكُمْ عادة بمثل هذا التَّموِيه"، فقال عبدالقاهر - مستعيذًا بالله تعالى من هذين الأمرين -: "ونعوذُ بالله من أن ندَّعي العلم بشيءٍ لا نعلَمُه، وأنْ نُسَدِّي قولاً لا نلحمه.. وأنْ يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أنْ يُجادِل بالباطل، ويُمَوِّهَ على السامع".



ولأنَّه قد تتبَّع أفكار المناظرة فكرةً بعد الأخرى؛ ليشرحها ويرد بها على المعتزلة، فإنَّه لم يجعَلْ طريقته في "دلائل الإعجاز" طريقةَ كتابٍ تُعَدُّ أفكارُه وتُنظَم، وإنما جاء به على طريقة المناظرة، وهذا هو السرُّ في أنَّه يقول - في أوائل "الدلائل" -: "وليس يتأتَّى لي أنْ أُعْلِمك من أوَّل الأمر - في ذلك - آخِرَه، وأنْ أُسمِّي لك الفصول التي في نيَّتي أنْ أُحرِّرها بمشيئة الله - عزَّ وجلَّ - حتى تكون على علمٍ بها قبل مَوْردِها عليك، فاعمل على أنَّ هاهنا فُصولاً يجيءُ بعضها في إثْر بعض"[10].



وبعدُ، فلعلِّي بهذا أكونُ قد أرجَعتُ الفضلَ إلى أهله، وأزَحتُ السِّتار عن حقيقةٍ غابَتْ عن الأذهان قُرونًا عديدةً، فالحمد لله الذي هَدانا لهذا، وما كُنَّا لنهتَدِي لولا أنْ هدانا الله.


[1] دار الطباعة المحمدية بالقاهرة، برقم إيداع بدار الكتب المصرية (4056/1991م).

[2] "الدلائل" (204).

[3] "الدلائل" (328).

[4] "الدلائل" (373، 374).

[5] "تاريخ علوم البلاغة"؛ للمراغي (54، 55)، و"الكتاب"؛ لسيبويه (1/169).

[6] "دلائل الإعجاز"؛ تعليق: السيد محمد رشيد رضا (223، 234، 235).

[7] "شرح كتاب سيبويه"؛ للسيرافي (2/274).

[8] راجع مناظرة أبي سعيد السيرافي في كتاب "الإمتاع والمؤانسة"؛ لأبي حيان التوحيدي؛ تحقيق: الأستاذ أحمد أمين (1/107 - 128).

[9] "دلائل الإعجاز" (383)؛ تعليق: محمود محمد شاكر.

[10] "دلائل الإعجاز" (42).



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/36015/#ixzz59Y1fi0ww


الساعة الآن 10:52 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by