![]() |
شعر الصعاليك
شعر الصعاليك أ.د. أحمد درويش يظل الشعر واحدًا من فنون التعبير التي يلائمها مناخ معين في لحظة الإبداع، وفي محور الإبداع، وفي طريقة تصويره، والشعراء على اختلاف أجيالهم ولغاتهم يحاولون الاقتراب من دائرة هذا المناخ، الذي لا يحمل بدوره حدودًا مرسومة، ولا خطوطًا واضحة، وإنما يحمل ملامح عذبة متداخلة، أقرب إلى ملامح لحظات الحلم السعيدة التي تستعصي غالبًا على الإمساك بها. لكن واحدة من السمات التي يُمكن الاقتراب منها لهذه الظاهرة هي سمة "التوسُّط"؛ فالشعر كلام يقع بين حدي التماسُك الشديد في الكلام المنطقي والتفكُّك التام في لغة الهذيان، ولغته الفنية تقع وسطًا بين حدَّي الصدق والكذب، ولحظات إبداعه تحمل قدرًا من التوتُّر يقع وسطًا بين الاستسلام التام والغليان المدمِّر، ومن خلال هذا كله يصطنع الشعر لغته الخاصة وخياله الخاص ومنطقه الخاص؛ لكي يصل في النهاية إلى رسم عالم لا يقبله ولا يرفضه، لا يماثله ولا يغايره؛ وإنما يوحي بمزيج من ذلك كله، وفي ذلك تكمن العظمة المثالية المنشودة في الفن. من هذه الزاوية يبدو "شعر الصعاليك" في العصر الجاهلي نمطًا شديد القرب إلى جوهر الفن؛ فهو شعر ولد في لحظات توتُّر حادة، مِن جماعة تعيش بطبيعة تكوينها على حافة المجتمع، وتحتل بهذا موقعًا أصبح الفن الحديث الآن يجد فيه منبعًا ثرًّا للإبداع الفني، ومناخًا ملائمًا لتصوير حالات التفرد في الجماعة البشرية. وينبغي في البدء ألا يخدعنا مصطلح "الصعاليك"، فيرتبط بظلال الكلمة الحاضرة، فالصعاليك في القديم كانوا جماعةً من الفتيان الشجعان المتمردين على تقاليد القبائل والعيش فيها، وكانوا متمردين على النظم الاجتماعية السائدة، ومن ثم فقد اختطُّوا لأنفسهم طرائق في العيش مختلفة عن طريقة الجماعة، بل ومتصادمة بها، وكانوا في معيشتهم أكثر قُربًا من الطبيعة ومن كائناتها الحية، وهم بهذا كله قد اكتسبوا سمعة طيبة جعلتْ واحدًا مثل معاوية الخليفة الأموي يتمنَّى كما يقول - صاحب الأغاني- أن لو أُتيحت له فرصة المصاهرة إلى ذرية الصعاليك، وجعلت عبدالملك بن مروان يتمنَّى لو كان هو بنفسه من نَسْلِهم، وجعلت الخليفة المنصور يروي بنفسه نوادرهم! هذه الجماعة مثَّل شعرها جانبًا هامًّا مِن جوانب الشعر الجاهلي، إن لم يكن من حيث الكم، فهو مِن حيث المذاق والتأثير الذي يحتاج إلى الكشف عن بعض جوانبه، وهذا التأثير يبدو أنه قديم قِدَم ما نعرفه من الأدب الجاهلي نفسه، فها هو الأصمعي يذهب في إحدى الروايات إلى أن كثيرًا من شعر امرئ القيس إنما هو لصعاليك كانوا معه، وفي هذه الرواية دون شك كثيرٌ من المبالغة، ولكن فيها أيضًا كثير من الإشارة إلى احتمالات وجود مجموعة من الصعاليك المجهولين الذين تفرَّقوا على فترات العصر الجاهلي المختلفة، وربما لم تصلنا من أخبارهم الكثير. وإذا كانوا قد تناثروا تاريخيًّا على امتداد العصر، فإنهم تناثروا جغرافيًّا على امتداد الصحراء، لكنهم تجمَّعوا بالقرب من نقاط الخصب فيها، واتخذوا هم لأنفسهم من الصحراء نقاط تمركُز كانوا من خلالها يُغيرون على هذه البقاع الغنيَّة في اليمن ونجد ويثرب ومكة والوديان المحيطة بها. ويبدو مِن تتبُّع حركة الصعاليك أنهم تعارفوا فيما بينهم على مناطق النفوذ، فهذا هو عروة بن الورد، يتحرك في يثرب وشمال الجزيرة ولا يتجاوزها إلى نجد وتهامة إلا قليلًا. أما مكة وما حولها من الوديان، فهي مِن نصيب صعاليك هذيل وفَهْم، ويستأثر الشنفرى ومعه صعاليك الأزد بوديان اليمن الخصيبة، أما أعماق اليمن فهي مجال حركة السليك أعرف العرب بالصحراء وأسرع الأقدام عَدْوًا فيها. كيف كانت تتمُّ حركة "التصعلُك" بهذا المعنى الفني والاجتماعي، وكيف رسم شعرهم ذلك؟ كانت الخطوة الأولى تمرُّد الفتى على حياة الجماعة التي يشيع فيها الظلم والهوان للفقراء المستضعفين، والتي تسودها العلاقات المليئة بالضغائن المبيتة، فكان يُؤثر العيش في الصحراء مع الحرية والوحوش، ويُصوِّر الشنفرى في لامية العرب هذه الخطوة الأولى حين يقول: أقِيمُوا بني أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ فإنِّي إلى قومٍ سُواكُم لأمْيَلُ وفي الأرضِ منأًى لِلْكَريمِ عن الأذَى وفيها لمنْ خاف القِلى مُتَعزَّلُ لعَمْركَ ما بالأرضِ ضِيقٌ على امْرئٍ سَرى راغِبًا أو راهِبًا وهْو يَعْقِلُ ولي دُونَكُم أهلونَ: ذئب عَمَلَّس وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعَرْفاءُ جَيْئَلُ هم الأهلُ، لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذائِعٌ لديهم، ولا الجاني بما جَرَّ يُخْذَلُ وكُلٌّ أبيٌّ باسِلٌ غير أنَّني إذا عَرَضَتْ أولى الطَّرائدِ أبْسَلُ فهو حين ترك القبيلة ووجد في الأرض متسعًا، اختار أن يكون أهله الجُدُد الذئاب والنمور والحيَّات، ووجد أنهم لا يُذيعون سرًّا حين يُستَودَعُونه، وأنهم شجعان، لكنه هو نفسه أشجعهم جميعًا، لكن مخالطة هذه الوحوش والحياة في تلك البيئة تتطلب التسلُّح بألوان معينة من الكفاءات البدنية والنفسية لا تتوافر للإنسان في الظروف العادية، ولقد روَّض الصعاليك نفوسهم وجسومهم في تجربة بشرية قاسية حتى ساووا وحوش الفلاة في التمتُّع بصفاتها، فهم أولًا عدَّاؤون، لا يُبارون في سرعتهم، وها هو ذا تأبَّط شرًّا يُسارع الغزلان في الصحراء فيسبقها، وكان دائمًا يأخذ صيده منها من خلال الجري على القدم! وها هو أبو خراش ينزل يثرب، فيجد بعض خيول الأثرياء تستعد للسباق، فيُراهن بدوره على أن يسبق أسرعها، وعلى أن يفوز بالفرس الذي يسبقه مكافأة له، ويكون السبق من نصيب الصعلوك. ويرسم الشنفرى صورة له وللقطا أثناء التسابُق في الصحراء للوصول إلى عين ماء، ويصل قبلها على الرغم من أنه لم يجْرِ بكل سرعته، ويشرب النصيب الأكبر من الماء قبلها، وتضطر هي أن تمد أعناقها الطويلة بعده في الحوض حتى تُلامس الماء، الذي سبق إليه الصعلوك وشرب معظمه. هَمَمْتُ وهَمَّتْ، وابْتَدَرْنا وأسْدَلَتْ وشمَّر منِّي فارِطٌ مُتَمهِّلُ فولَّيْتُ عَنْها وهْي تَكْبُو لعُقْرِه يُباشِرُهُ منها ذُقُونٌ وحَوْصَلُ والقوة شرط ضروري لمن يعيش وسط الوحوش، وعلى كثرة ما جسد الشعر العربي قوة الأبطال ضراوة وتماسكًا وشجاعة، لم يبلغ ذلك التجسيد ما فعله تأبط شرًّا "شاعر الصعاليك" حين صوَّر صراعًا قاسيًا بينه وبين الغول، ولا بدَّ أن نتذكَّر أن الغول حيوان خرافي؛ أي: إنه لا وجود له في الحقيقة، ولكن الشاعر يرسم صورة له وللمعركة القاسية التي انتهت بمقتل الغول، يقول: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ فِتْيانَ فَهْمٍ بما لاقيْتُ عند رحى بطانِ وإني قد لقيتُ الغُولَ تَهْوي بِسُهْبٍ كالصَّحيفةِ صَحْصَحانِ فقلْتُ لها: كِلانا نِضْوُ أيْنٍ أخُو سَفَرٍ فخلِّي لي مكاني فشدَّتْ شدَّةً نحْوي، فأهْوى لها كفِّي بمصْقُولٍ يمَاني فأضْرِبُها بلا دَهَشٍ، فخَرَّتْ صَريعًا لليدَينِ ولِلْجِرانِ فقالتْ: عُدْ، فقلْتُ لها: رُوَيْدًا مكانَكِ إنَّني ثَبْتُ الجَنان فلم أنفكَّ مُتِّكئًا عليها لأنْظُرَ مُصْبِحًا ماذا أتاني إذا عينانِ في رأسٍ قبيحٍ كرأسِ الهرِّ، مشقُوقِ اللِّسانِ وساقا مُخْدَجٍ، وشَوَاةُ كلْبٍ وثَوْبٌ من عَباءٍ أو شِنانِ والصور هنا تجسد معنى أن يخلق الشاعر عالمه الفني الذي يتحرك داخله لينقل مِن خلاله لونًا من الأحاسيس تولده تجربة فنية دقيقة، والصورة المتخيلة التي رسمها تذكر بصور الأساطير الإغريقية القديمة للحيوانات الخرافية. على أن معايشة الصحراء نفسها والتغلب على عناصر الموت فيها يتطلب دربة خاصة، وها هو السليك يحاول التغلب على الجفاف القاتل في صحراء اليمن الشاسعة حين يختار موسم الصيف القاحل ليمارس فيه من خلالها غزواته، وحيث لا تستطيع الخيول نفسها ولوج الصحراء؛ لأن الموت عطشًا يتهدَّدها، ولكن الصعلوك يكون قد أعدَّ عُدَّته منذ فصل الربيع، فيملأ بيض النعام بالماء البارد ويدفنه في أماكن في الصحراء يعرفها جيدًا، فإذا جاء الصيف كان هو وحده ملك الصحراء يستطيع فيها الحركة كما يشاء. لكنَّ هناك جانبًا إنسانيًّا وثوريًّا متألقًا في تجربة الصعاليك، كانت الفوارق الطبقية الشاسعة دافعًا قويًّا وراء وجودهم، في الوقت الذي يمتلك فيه أحد الأغنياء واديًا مليئًا بالإبل، يوجد مئات الفقراء بجانبه قد يموتون جوعًا، ولا يمتلك الواحد منهم أكثر من حبل يجرُّ به جزءًا من القطيع في خدمة السيد، ويستجدي قوت يومه، يقول أحدهم: وإني لأسْتَحْيِي لنَفْسيَ أنْ أُرى أمُرُّ بحبْلٍ ليسَ فيه بعيرُ وأنْ أسْألَ العبْدَ اللَّئيمَ بَعيرَه وبُعْرانُ ربِّي في البلادِ كثيرُ ومن هذا المنطلق يأتي سعيهم للغنى، إبعادًا لشبح ذل الفقير، وتأتي أبيات عروة بن الورد الخالدة: ذريني للغِنى أسْعَى فإنِّي رأيتُ الناسَ شَرُّهمُ الفقيرُ وأبعدهم وأهْونهم عليهم وإن أمْسى له حَسَبٌ وفيرُ يُباعِدُه القريبُ، وتَزْدَرِيه حَلِيلتُه، ويَقْهرُه الصغيرُ ويلقى ذو الغِنى وله جَلالٌ يكادُ فؤادُ لاقيهِ يطيرُ قليلٌ ذَنْبُه، والذَّنْبُ جَمٌّ ولكن للغِنى ربٌّ غفورُ. وحين يُتاح المال للصعاليك يتحوَّلون إلى أسخياء وكرماء، ويرى العرب أن حاتمًا الطائي لم يكن أكرم من عروة بن الورد الذي يَحكي عنه صاحب الأغاني: أنه كان إذا نزل القحط بالناس يجمَع المرضى وكبار السن والضعفاء ويُوفِّر لهم المأوى والطعام حتى تعود إليهم العافية، ومن اشتدَّ عودُه منهم اصطحبه معه في السَّلْب على أموال الأغنياء التي يأتي بها ليُوزِّعها على الفقراء. إنَّ شعر الصعاليك وجهٌ يبرز من الصحراء الجافة، برمالها وجديتها وصلابتها وصراحتها، ويظل بعيدًا عن الزَّيْف والمجاملة والرقة المصطنعة، يظل نموذجًا للشعر الجاهلي الأصيل. المصدر |
أحمد درويش
الدكتور أحمد إبراهيم درويش (مصر). ولد عام 1943 في منيل السلطان بمحافظة الجيزة - مصر. تخرج في كلية دار العلوم - جامعة القاهرة 1967, وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية بمرتبة الشرف من جامعة السربون - باريس 1982. عين معيداً بكلية دار العلوم فمدرسا بها, فأستاذاً مساعداً, فأستاذاً. عمل محاضرا في معاهد علمية عديدة أخرى مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة, ومدرسة المعلمين العليا بباريس, وكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس. ساهم في تكوين الجمعية المصرية للأدب المقارن, وشغل منصب نائب رئيسها, كما اشترك في عدد من المؤتمرات والندوات وحلقات البحث العلمية في كل من القاهرة والمنصورة والمنيا وباريس ومسقط. دواوينه الشعرية: ثلاثة ألحان مصرية 1967 (بالاشتراك) - نافذة في جدار الصمت 1974. مؤلفاته منها: الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق - بناء لغة الشعر (ترجمة) - في النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة - دراسة الأسلوب بين التراث والمعاصرة - حول الأدب العربي (بالفرنسية) - جابر بن زيد - في صحبة الأميرين أبي فراس وعبدالقادر الجزائري. حصل على الجائزة الأولى في الشعر من المجلس الأعلى للفنون والآداب 1967. عنوانه: كلية دار العلوم - جامعة القاهرة - الجيزة - مصر. |
الصعاليك
الصعاليك اسم يطلق على جماعة من العرب في عصر ما قبل الإسلام يعودون لقبائل مختلفة، والصعلوك في اللغة يعني الفقير الذي لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة، كانوا لا يعترفون بسلطة القبيلة وواجباتها (خارجون عن القانون : بالوصف المعاصر)، فطردوا من قبائلهم. ومعظم أفراد هذه الجماعة، من الشعراء المجيدين وقصائدهم تعدّ من عيون الشعر العربي . امتهن الصعاليك غزو القبائل، ولم يعترفوا بالمعاهدات أو الاتفاقيات بين قبائلهم والقبائل الأخرى ما أدى إلى طردهم من قبائلهم، وبالتالي عاشوا حياة ثورية تحارب الفقر والاضطهاد وتسعى للتحرر في شكلها المتمرد . واصطبغت أدبيات الصعاليك برؤيتهم عن الحياة فجاءت معظم قصائدهم تحكي عن شجاعتهم وقدرتهم و تحديهم للمجتمع. وشعرهم يمتاز بقوة العاطفة وسعة الخيال وفيه من الحكمة الشيء الكثير. و من أشهر الصعاليك: • الشنفرى الأزدي، عروة بن الورد، السليك بن السلكة، تأبط شراً، الحارث بن ظالم المري، حاجز بن عوف الأزدي، قيس بن الحدادية من خزاعة، الخطيم بن نويرة. - ظاهرةالصعلكة..... ظاهرة الصعلكة ظاهرة قديمة, وجدت في المجتمع الجاهلي , وحكايات الشعراء الصعاليك وحوادثهم معروفة. وهي كظاهرة تراثية مستقرة في المخيلة وفي الوعي العربيين, ترتبط أيما ارتباط بالتمرد والخروج. فالشاعر الصعلوك حين ينفصل عن قومه يهجرهم ويؤثر على رفقتهم رفقة الوحش في البراري ذلك أن هذاالأرعن المارق عن إجماع القبيلة يعتقد في قراره نفسه أن قومه خانوه حينما خلعوا عنه الحماية وتركوه طريدا شريدا ومن هنا يتولد لديه روح الانتقام وهو عندما ينأى عنهم ويهجرهم فكأنه يكشف عن ذاته النبيلة والأصيلة العربية وسط ذوات مزيفة, في مقابل هذه الصورة العالقة بالذاكرة العربية هناك من تطوع لتقديم تعريف مضغوط جدا نستطيع أن ندرجه في إطار محاولات التفسير المتطرفة لبعض الأصول التراثية , فقد اجتهد البعض في اعتبار ظاهرة الصعلكة أول ثورة في العصر الجاهلي ضد الظلم والاستبداد والتقاليدالعقيمة .... وزاد آخرون بأن اعتبروا الظاهرة تنشد للحرية وقمة التمرد ضد القمع...وإذا ما تجاوزنا التآويل المتطرفة واعتبرنا الأمر لا يعدو كونه مجرداعتساف وحسمنا بأن ظاهرة الصعلكة رغم كونها تمردا بالفعل فلا يمكن أن تكون مقياسا صالحا يمكن أن يقاس عليه المفهوم الحديث للثورة أو التحرر. وهي حركة من حركات التمرد على الواقع الحياتي والمعاشي الذي يعيش الإنسان في كنفه . فالإنسان لا يملك كفاف عيشه وطعامه لتدفعه الحياة لكي يواجه مخاطرها ويسيح في عرض البلاد وطولها طالباً الحصول على رزقه بكافة السبل ليبقى وهو يسعى في مناكب الأرض كريماً عزيزاً لا يتذلل لأحد. وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى*** وفيها لمن خاف القلي منعزل ويعد شعر الصعاليك في أدبنا العربي دعوة لنبذ الواقع المحبط واخذ مال الأغنياء والموسرين وتوزيعه على أصحاب الحاجة لسد رمق معيشتهم. ومن يكن مثلي ذا عيال ومقتراً*** منالمال يطرح نفسه كل مطرح والصعاليك طوائف متعددة فمنهم الخليع الذي تبرأت عنه عشيرته وأهدرت دمه ومنهم الغرباء أبناء السبايا الذين تنكر لهم آباؤهم ولم يعترفوابهم ، والفقراء الذين تمردوا على الواقع نتيجة للظروف التي كانوا يعيشونها ليحترفواالصعلكة وينضموا إلى من تصعلك قبلهم فهو يسعى للحصول على طعامه ولو أدى ذلك إلى امتشاق السيف. ذريني أطوف في البلاد لعلني*** أخليك أو اغنيك عن سوء محضري وفي هذاالشعر نجد رفضاً واقعياً للمعيشة المرة والفقر المحدق ونداء يطلب المساواة بين الجميع ودعوة إلى رابطة اجتماعية يسودها العز والكرامة. إذا المرء لم يبعث سواماً ***ولم يرح سوماً ولم تعطف عليه أقاربه فالموت خير للفتى من حياته *** فقيراً ومن مولى تدب عقاربه ثم يمضي الشاعر في فضاء رحب فسيح ساعياً للحصول على ما يسد به رمقه دون سؤال الناس و استجدائهم: متى تطلبالمال المقنع بالقنا*** تعش ماجداً أو تحترمك المخارم ثم إننا نجد أن هناك ظاهرة أخرى في أشعارهم و هي التشرد و النأي عن الأهل و بعدهم عنهم لتثور فيهم ظاهرة الشجاعة والغزو لأعدائهم و مهاجمتهم للقوافل التجارية. مطلاً على أعدائه يزجرونه***بساحتهم زجر المنيع المشهر أما شعرهم فهو مليء بالواقعية الصادقة و الصور الحقيقية حيث انه المتنفس الوحيد لما كانت تضيق به الصدور و تجيش به قرائحهم و تعبر عنه خباياهم حيث تصبح و بشكل دائم دعوة لإخوانهم للانضمام إليهم. و ما نلتها حتى تصعلكت حقبة*** و كدت لأسباب المنية اعرف و شعرهم ذو مزية رتيبة عالية مصبوغة بوحدة موضوعية متناغمة لتعبر عن واقعهم و أفعالهم من غزوات و سرعة و مهاجمة القوافل و نهبها و حتى إن بعضهم كان يطلب من زوجاته الصبر و الأناة لان الظروف والحياة القاسية هي التي دفعته إلىذلك . أقيموا بني آمي صدور مطيكم *** فإني إلى قوم سواكم لأميل لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ*** سرى راغباً أو راهباً و هو يغفل و نجده من الواضح الجلي في هذه الظاهرة الفنية الشعرية ابتعادهم عن القصيدة الطويلة . و يقول الدكتور. يوسف خليف : تلك هي الحياة القلقة المشغولة بالكفاح في سبيل العيش وتلك الطائفة الارستقراطيةالمستقرة التي فرّغت للفن تراثاً هيأته لها . قبائل لا من أجل الفن و لكن من أجلها هي وهذا ما يؤكده قول الشاعر تقول سليمى لا تعرضن لتلعة و ليلك عن ليل الصعاليك نائم ألم تعلمي أن الصعاليك نومهم قليل إذا نام الخلي المسالم و في شعرهم نجد فلسفتهم في الحياة و لذتها، وذلك من خلال تجاربهم اليومية .. وخاصة ظاهرة العدل الاجتماعي و نظرتهم تلك النظرة المزرية إلى الفوارق الطبقية ذريني للغنى أسعى فإنيرأيت الناس شرهم الفقير ثم انه لا يبقى ساكتاً على الظلم والقهر ليجد لنفسه متسعاً يثور من خلاله ومكاناً في الأرض يبتعد به عن الذل والأذى في الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متعزل إن شعر الصعاليك هو امتداد ذو صبغة شعرية تدل على القدرة الفنية والإحساس المرهف الجمالي حيث تمكن الشاعر أن ينطلق من خلاله للتأسيس والتجديد، ويمتاز بخواص فنية يتفرد بها فئات الصعاليك: يمكن تقسيم الصعاليك إلى فئات ثلاث: 1- فئة الخلعاء الشذاذ و هم الذين خلعتهم قبائلهم بسبب أعمالهم التي لا تتوافق مع أعراف القبائل التي ينتمون إليها مثل حاجز الأزدي, و قيس الحدادية . 2- و فئة أبناء الحبشيات السود ممن نبذهم آباءهم و لم يلحقوهم بأنسابهم مثل السليك بن السلكة, وتأبط شراً, والشنفرى. 3- و فئة احترفت الصعلكة احترافاً وحولتها إلى ما يفوق الفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التي كانوا يقومون بها مثل عروة بن الورد سيد الصعاليك و قبيلتي هذيل وفهم . وما يلفت النظر في أشعار هؤلاء الصعاليك ترديد صيحات الفقر والجوع و الحرمان .. كما كانوا ناقمين و ثائرين على الأغنياء و الأشحاء , وامتازوا بالشجاعة و الصبر و قوة البأس و المضاء, و سرعة العدو و قد ضرب بهم المثل في شدةالعدو حتى قيل (أعدى من السليك )و (أعدى من الشنفرى) . وكانت غاراتهم تتركز في المناطق الخصبة ,وترصد قوافل التجارة و قوافل الحجاج القاصدة مكة المكرمة ,وكثيراًما تغنوا بكرمهم ,وبرهم بأقاربهم لأن ما يحصلون عليه كان يوزع على الأهل و الأقارب المحتاجين... كما اتسمت لغتهم الشعرية بالترفع والسمو و الشعور بالكرامة في الحياة.... و الحقيقة أن الصعلكة أخذت شكلاً إيجابياً رغم أنها قامت على السلب و النهب،لأن المقصد من هذا الفعل كان يرمي إلى إطعام الفقراء من أموال الأغنياء...وكأنهم يؤكدون أن للفقير حق في مال الغني. ميزة أخرى غلبت على هؤلاء الصعاليك وهي عدم تعرضهم في غاراتهم و غزواتهم للأسياد الشرفاء ,وإنما للأغنياء الأشحاء ,وهذا المبدأ تمثله سيد الصعاليك عروة بن الورد.كما عرف عن هؤلاء الصعاليك اعتزازهم بأنفسهم و هذا الاعتزاز نابع من مدى قناعتهم بالفعل الذي يقومون به... لقد تناولت في موضوعي والذي عنوانه الصعاليك مفهوم الصعلوك في اللغة وأشهر الصعاليك، وعرفت أن ظاهرة الصعلكه هي ظاهره قديمه ، عثر عليها العرب في المجتمع الجاهلي ، وهي أيضاً كظاهرة تراثية مستقرة في المخيلة والوعي العربي... وتناولت أيضاً فئات الصعاليك وان هناك 3 فئات وهم : فئة الخلعاء وفئةأبناء الحبشيات وفئة احترفوا الصلعكة احترافاً ... ونستشعر في أشعار الصعاليك نغمة الحزن والفقر والجوع والحرمان و بالرغم من الحال الذين هم فيه .. عرفوابالشجاعة والذكاء والصبر وقوة البأس .. و إن أشعارهم ولغتهم الشعرية اتسمت بالترفع والسمو والشعور بالكرامة في الحياة.. |
من هو الصعلوك؟ ما معنى الصعلكة؟
منقول وللوقوف على المعنى الصحيح لمفهوم الصعلكة بعيداً عن التشعب الغير مهمة سوف نوضح أهم المحاور الرئيسية : تعريف الصعلكة: â–*لغة : تعني الفقر ، و بالرجوع لمعجم لسان العرب الصعلوك بأنه "الفقير الذي لا مال له ، وزاد الأزهري ، ولا اعتماد ، وقد تصعلك الرجل أي افتقر ". لكن نجد أن هذا التعريف لا يستوفي دلالة الفظ الذي نحن بصدده ، â–*إصطلاحاً : الصعاليك في عرف التاريخ الأدبي هم جماعة من مخالفين العرب الخارجين عن طاعة رؤساء قبائلهم .. وقد تطورت دلالة هذا المصطلح بحيث أصبح يدل على طائفة من الشعراء ممن كانوا يمتهنون الغزو والسلب والنهب . والصعلكة ظاهرة اجتماعية برزت على هامش الحياة الجاهلية كرد فعل لبعض العادات و الممارسات ، و استمرت الصعلكة ردحاً من الزمن و بذلك يتضح لنا أن الصعاليك ينقسمون إلى ثلاث طوائف وهم : â—„الطائفة الاولى (أغربة العرب) كان البعض من العرب يأنفون من إلحاق أبنائهم (أبناء الحبشيات السود) من الإماء بنسبهم وينبذونهم ، فكانوا يتمردون على ذويهم و يخرجون إلى الصحراء ، مثل / السُّليك بن السُّلة ، وتأبط شراً ، و الشنفري . â—„الطائفة الثانية (الخلعاء) تتكون من تلك الزمرة الخارجة على أعراف القبيلة و المتمردة على مواضعاتها و المنتهكة لمواثيقها ، وقد تخلت عنهم قبائلهم لما ارتكبوه من جرائم وحماقات ، وهؤلاء كانت تخلعهم قبائلهم ، مثل / حاجز الأزدي ، وقيس بن الحدادية ، وأبي الطمحان القيني .. â—„الطائفة الثالثة (المحترفون) فئة احترفت الصعلكة احترافاً وحولتها إلى ما يفوق الفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التي كانوا يقومون ، وهذه الطائفة كانت تضم أفراداً و قبائل مثل / عروة بن العبسي وقبيلتي "فهم" و "هذيل" اللتين كانتا تنزلان بالقرب من الطائف ومكة .. فيمكنني أقول وبشكل عام أن الصعاليك : هم جماعة من الفقراء اللصوص ، انتشروا في الجزيرة العربية خرجوا عن طاعة رؤساء قبائلهم ولم يخضعوا للأعراف القبلية بل تمرّدوا عليها ، ولم يتقيدوا بالتزام القبيلة أو محالفاتها لقبائل أخرى أو تعرض القبيلة لأخطار جسيمة . ، وإلى ذلك عرف هؤلاء الصعاليك الشعراء بجرأتهم وإقدامهم على اقتحام المهالك ويمتازون بالشجاعة والصبر وسرعة العدو فكانوا من العدّائين الذين لا يجارون في سرعة عدوهم ، فالحياة والموت سواء في نظرهم و كانوا يغيرون على البدو والحضر ، ويقطعون الطريق ويغيرون على القوافل فيقتلون و يسلبون فيسرعون في النهب ; لذلك يتردد في شعرهم صيحات الجزع والفقر والثورة وكانوا يغزون على أقدامهم فإذا عدوا فاتوا مطارديهم فلم يدركوهم ، وكانوا يقولون الشعر الذي يصوّر أحوالهم ، وكان الصعاليك يجتمعون معاً في بعض الأحيان في غزو بعض القبائل . ، فقد كانوا يعطفون على الفقراء والمساكين ، وكثيراً ما كان هدف الغزوة توزيع الغنائم على ذوي الحاجة . و توجه غزواتهم عادةً إلى الأغنياء و البخلاء . وحين نرجع إلى أخبار الصعاليك نجدها حافلة بالحديث عن الفقر ، فكل الصعاليك فقراء لا نستثني منهم أحداً حتى عروة بن الورد سيد الصعاليك الذين كانوا يلجئون إليه كلما قست عليهم الحياة ليجدوا مأوى حتى يستغنوا ، فالرواة يذكرون انه كان صعلوكا فقيرا مثلهم ، عاش الصعاليك خارج قبائلهم وقطعوا كل أمل بالعدالة الإجتماعية ، وقطعوا كل صلة مع أهلهم وقبيلتهم . وآمنوا بأنهم ظلموا في بلاد تسودها القسوة والظلم . فحقدوا على القبيلة وأفرادها وعلى أصحاب الثروة والمال . فملأوا الصحاري رعباً وهولاً ، ورفعوا علم الصعلكة عالياً ، وسبيل غايتهم استخدموا الوسائل المشروعة وغير المشروعة . فسلاح صعلكتهم قوة الجسم وقوة النفس ، ومع كل ذلك كانوا ذو نزعة إنسانية ، فقد كانوا يعطفون على الفقراء والمساكين ، وكثيراً ما كان هدف الغزوة توزيع الغنائم على ذوي الحاجة . و توجه غزواتهم عادةً إلى الأغنياء و البخلاء ، فكانوا إذا أغاروا على قوم و استاقوا النعم وظفروا بالمال قاموا بتفريق ما سلبوه على الفقراء أمثالهم ، ومنهم من تحامى الإغارة على قومه والتزم الإغارة على غيرهم . وتروى حول هؤلاء الصعاليك أخبار هي أدنى إلى الأساطير لشدة غرابتها . من أشهر الصعاليك * شضاض الضبي التميمي ويضرب فيه المثل في ذلك وقالت العرب : ألص من شضاض * أبو خراش الهذلي: واسمه خويلد بن مرة.أشهر صعاليك هذيل شاعرٌ فحلٌ مخضرم أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه.قضى طرفاً كبيرا ًمن حياته قبل الإسلام ثائراً بدم إخوته بني لُبنى.توفي في خلافة عمر من لدغة حية. * عروة بن الورد، اشهرهم على الإطلاق وكان سيداً لهم يلجأون له وقت الحاجة. مات عام 596 م. * السليك بن السلكة، من بني مقاعس من سعد بن زيد مناة من تميم، توفي نحو 605 م . * تأبط شراً. قدرت وفاته بين عامي 530 م و535 م. * الأُحَيمِر السَعدي من بني تميم . شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، كان لصاً فاتكاً مارداً، من أهل بادية الشام.وهو صاحب البيت السائر على كل لسان : عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذْ عَوى *** وَصَـوَّتَ إِنـسـانٌ فَـكِـدتُ أَطـيرُ . * الشنفرى الأزدي، وهو ثابت بن أوس الأزدي، توفي نحو 525 م أي قبل الهجرة. * مالك بن الريب المازني التميمي . وهو أول من رثى نفسه في الإسلام وكان من أشهرهم وله في خراسان راوايات كثيرة وتوفي في مرو . * الحارث بن ظالم المري، توفي نحو 600 م. * عُبَيد بن أَيوب العَنبَري من بني العنبر بن عمرو بن تميم ، من شعراء العصر الأموي ، كان لصاً حاذقاً، أباح السلطان دمه، وبرئ منه قومه، فهرب في مجاهل الأرض ، واستصحب الوحوش ومن سائر شعره البيت : لَقَد خِفتُ حَتَّى لَو تَمُرُّ حَمامَةٌ *** لَـقُلتُ عَدُوٌّ أَو طَليعَةُ مَعشَرِ . * محمد ابوغلم من تينزرت، معاصر. * حاجز بن عوف الأزدي، توفي قبيل الإسلام بفترة قصيرة. * أبو منازل السعدي، وهو فرعان بن الأعرف من بني تميم، قيل توفي في خلافة عمر بن الخطاب. * الخطيم بن نويرة العبشمي من عكل من الرباب من تميم . شاعر أموي ، من سكان البادية ، وأحد لصوصها، أدرك جريراً والفرزدق ولم يلقهما، وهو من أهل الدهماء وحركته فيما بين اليمامة وهجر. * القتال الكلابي من بني عامر بن صعصعة، توفي نحو 66 هـ. * فضالة بن شريك الأسدي ، توفي عام 64 هـ. * صخر الغي من هذيل، توفي في صدر الإسلام. * الأعلم الهذلي، وهو حبيب بن عبد الله الهذلي، وهو أخو الشاعر الصعلوك صخر الغي ، وقد عاش حتى عصر صدر الإسلام. * مسعود بن خرشة من بني حرقوص بن مازن ، من تميم. شاعر بدوي إسلامي ، أحد صعاليك بني تميم * أبو الطمحان القيني. * أبو النشناش النهشلي الدارمي التميمي وهو شاعر مجيد ومن شعره : ولم أرَ مثلَ الفقرِ ضاجعَهُ الفتى *** ولا كسواد الليلِ أخفقَ طالبُهْ |
الصعلكة والصعاليك في الجاهلية
علي ذيبان تعبتر الصعلكة والصعاليك حركة فكرية اجتماعية نشأت وازدهرت في مجتمع الجاهلية وعصر الاسلام معنى الصعلكة اللغوي تعني الفقير الذي لايملك المال الذي يساعدة على العيش وتحمل أعباء الحياة كما ان تلك اللفظة تجاوزت دلالتها اللغوية واخذت معاني اخرى تدلل على قطاع الطرق واعمال السلب والنهب غير ان اجمل ماعبر عن تلك المفردة اللغوية هو ادبنا العربي الحديث وذلك باشارتة الى ان الصعاليك هم الحفاة المتسكعون اللااباليون وهنالك انواع ثلاثة او فئات ثلاث للصعاليك الاول هم الخلعاء الشذاذ وهم الذين خلعتهم قبائلهم بسب اعمالهم التي لاتتوافق مع اعمال القبيلة التي ينتمون اليها مثل حاجز الازدي وقيس الحدادية، والاخرى فئة ابناء الحبشات السود ممن نبذهم اباؤهم ولم يلحقوا بانسابهم مثل السليك بن السلكة وتأبط شرا والشنفري وهناك فئة ثالثة احترفت الصعلكة احترافا ووصلتها الى مايفوق الفروسية عبر اعمالهم الايجابية التي كانوا يزاولونها مثل عروة بن الورد سيد الصعاليك والجدير بالذكر ان معظم صعاليك الجاهلية كانوا شعراء وكان شعرهم ترديد لصرخات وصيحات الفقر والجوع والحرمان وكان في شعرهم نقمة وثورة حتى ذهب بعض المؤرخيين الى اعتبار الصعلكة ظاهرة فكرية اجتماعية رائدة في الجاهلية، نعم كان في شعرهم نقمة وثورة على الاغنياء الأشحّاء وامتاز شعرهم بالشجاعة والصبر وقوة الباس وسرعة العدو وقد ضرب بهم المثل في شدة العدو حتى قيل /اعدى من السليك/واعدى من الشنفري/ وكانت غاراتهم تتركز في المناطق الخصبة وترصد قوافل التجارة ومن كثرة ماتغنوا بكرِهم وبرهم باقربائهم لان مايحصلون علية كان يوزع على الاهل والاقارب والمحتاجيين والمرضى وكانت اعمالهم فيها الكثير من المروءة والاخاء والتضامن الاجتماعي وحتى كانت الناس تناشدهم وتصرخ بوجه سيد الصعاليك عمروة بن الورد اغثنا يا ابا الصعاليك . وكان في شعرهم سمات من الترفع والسمو والشعور بالكرامة والحياة وهذا مانجدة في شعر بن الورد/ اني لاثوي الجوع حتى يملني فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي/ فهو اي الصعلوك الصابر على الجوع ويكفيه الماء الصافي العذب بينما يصاب كل من حولة من اشحاء النفوس بتخمة من الطعام واذا ما وجد طعاما فضل اطعامة لغيرة، يعني هنا اولاده دون ان يمسة هو اولا كل مايعملة الا يوصَمْ بالعار والمذلة وقد اتخذت الصعلكة شكلا ايجابيا رغم انها قامت على السلب والنهب لان المقصد من هذا الفعل الذي يرمي الى اطعام الفقراء والمرضى من اموال الاغنياء وكأنهم يقولون ويؤكدون لنا حقيقة تكاد تكون منطقية هي ان للفقير حق في اموال الغني وهناك حقيقة اخرى جيدة في مضمونها الاوهي ان الصعاليك لم يتعرضوا في غاراتهم الى الاسيد من الشرفاء وانما كانوا يستهدفون الاغنياء الاشحاء وهذا المبدا تبناه سيد الصعاليك ابن الورد كما عرف عنة اعتزازة بنفسة وهذا الاعتزاز نابع عن مدى قناعتة بالفعل الذي يؤدية، فكان ابن الورد يلجاء اليه الصعاليك وقت الحاجة ليدلي لهم بارشاداتة عن اعمالهم المقبلة . اطلق على الصعاليك/ذؤبان العرب/او الذئبان تشبيه بالذئاب المصدر/كتاب العصر الجاهلي/الدكتور شوقي ضيف |
الشعراء الصعاليك، شعرهم بين التمرّد و القيم النّبيلة
مفهوم التّصعلك.. القيم الفنية للشعر العربي للصعاليك.. وأشهر الشعراء الصعاليك الكاتب:عقبة الصفدي شعر الصعاليك وأشهر الشعراء شعر الصعاليك وشعرائهم "فإذا غنيتُ فإنّ جارِيْ نَيْلَهُ ... منْ نَائلِيْ و مَيْسَريْ مَعهُودُ، و إذا افْتَقَرْتُ لنْ أُرَىْ مُتَخَشِّعاً ... لأخي غِنىً مَعْرُوفهُ مَكْدُودُ".. "عروة بن الورد" حمل الشعراء الصعاليك روح التمرُّد ليس فقط على أقوامهم وإنما على القوالب التقليدية أيضاً، التي بنيت عليها القصيدة العربية لدى شعراء البادية الأوائل. ففي شعر الصعاليك لا يلاحظ القارئ وقفةً على الأطلال ولا حنيناً إلى ديار المحبوبة، إنما يقرأ نبرة التمرد على الواقع الاجتماعي والاقتصادي، لدى أولئك الصعاليك. كما يقرأ افتخاراً بالقيم النبيلة وتبريراتٍ لتصعلكهم، فربما كانت الثلة الأكبر من أولئك الصعاليك لا تنأى أن تكون لصوصاً وقطاع طرق، بيد أن الحديث عن أميرهم عروة بن الورد سيكون مختلفاً. إذ أنه كان أنبل الصعاليك وأكثرهم إيثاراً وجوداً، فلم يُغِر إلا لإطعام الفقراء والضعفاء، فإذا كان روبن هود الذي يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء محض أسطورة في الفلكلور الإنكليزي. فإن عروة بن الورد حقيقةٌ عاشت في البادية العربية، وأكدها علماء اللغة ونقادها. 1 الصعاليك فقراءٌ حملوا بداخلهم روح التمرُّد تشير لفظة الصعلوك في اللغة العربية إلى الإنسان الفقير الذي لا يملك شيئاً، وفي معجم لسان العرب الصعلوك هو الفقير الذي لا مال له، وتصعلك الرجل أي افتقر، وفي هذا المعنى يقول الشاعر حاتم الطائي: عنينا زماناً بالتّصعلك والغنى ... فكلَّاً سقاناه بكأسيهما الدّهرُ فما زادنا بغيةً على ذي قرابةٍ ... غنانا ولا أزْرَى بأحسابنا الفَقْرُ والتصعلك هنا الفقر، لكن لفظة الصعاليك أخذت معانٍ أوسع من دلالاتها اللغوية عندما ظهرت تلك الفئة من الناس في العصر الجاهلي، والتي تمتهن الغزو والسلب من أغنياء القوم والقوافل التجارية. بغية تقديم ما يحصلون عليه من أموال وأرزاق إلى الفقراء والمحتاجين من أقاربهم و قومهم، وتلك الفئة من الناس ما ميزها عن فقراء القوم أنها رفضت أن تعيش عالةً وعبئاً على غيرها كما فعل الآخرون. وكشاهد على ذلك ما قاله الشاعر بكر بن نطاح (أحد شعراء الصعاليك)، واصفاً أن السيف هو الوسيلة في حالة وقوعه في العوز، وليس التسول والتماس الحاجة عند الآخرين، فقال: ومنْ يفتَقِرْ منّا يعشْ بحسَامهِ ... ومن يفتقرْ من سائر النّاسِ يسألِ كما أن هؤلاء الصعاليك حملوا في داخلهم روح التمرّد على أقوامهم، والذين في الأغلب كانوا يعاملونهم بازدراء، وظهر هذا التمرد بالأغراض التي طرحوها في قصائدهم. إذ ابتعدوا عن الأغراض التقليدية بصورتها العامة لدى شعراء البادية الأوائل (سنتحدث عن ذلك لاحقاً)، لكن الصعلكة بمفهومها الأعم هي ظاهرة اجتماعية بدأت في العصر الجاهلي ودفع إليها عدة أسباب. كالتفاوت بين الفقراء والأغنياء، وطبيعة الحياة والأرض فالقحط والجدب وطبيعة حياة البدو كانت تفرض عليهم الغزو لكسب الأرزاق والعيش. كما أن عدم وجود دولة جامعة لها أسسها ومرجعيّتها الموحدة جعل الناس تحيا بتلك الطريقة، من هنا كان من بين أولئك الناس شعراء وصفوا حياتهم كصعاليك، وتفاخروا بقيمهم وفعالهم. مقالات ذات علاقة الرمزية في الشعر العربي حكم وأمثال في الشّعر العربي الغزل الإباحي والفاحش في الشّعر العربي قصائد عن الشوق في الشّعر العربي شعر في الزهد والقناعة وأبرز الشعراء الزاهدين بحور الشّعر العربي 2 خرج الصعاليك عن القوالب التقليدية بقصائدهم لم يلتزم الشعراء الصعاليك البناء التقليدي للقصيدة في العصر الجاهلي، وهو القالب الذي كان موحداً في كل القصائد الجاهلية، لدى الشعراء الأوائل، كامرئ القيس، طرفة بن العبد، زهير بن أبي سلمى، الحارث بن حلزة...الخ. وهو القالب الذي تبدأ فيه القصيدة بوقفةٍ على الأطلال تمتلئ بالحنين لديار المحبوبة وأثرها، ثم وصف الراحلة من ناقة أو حصان، ووصف الطبيعة الصحراوية. ومن ثم طرق الموضوع الرئيسي الذي قال الشاعر قصيدته لأجلها، فيفتخر أو يمدح أو يصف وقائع معركةٍ خاضها..الخ. بيد أن الشعراء الصعاليك خرجوا عن المألوف، إذ لم تحتوي قصائدهم على مقدمات طلليَّة، ولا وصفاً لمعركة وراحلة أو صحراء، وإنما كانت معظم قصائد الصعاليك تمتلئ بوصف قيمهم الأخلاقية. والأسباب التي جعلتهم يسلكون مسلكهم في الغزو والنهب، من أجل إطعام الفقراء في معظمهم أو لمآرب شخصية، واتسمت قصائدهم بإطلاق العنان لخيالهم، بالإضافة إلى إبراز حكمتهم في أبياتهم الشعرية. كما أنّهم أقلّوا من الشعر الغزلي بحكم حياتهم القائمة على عدم الاستقرار. وسنتحدث تالياً عن أشهر الصعاليك في العصر الجاهلي والأموي والعباسي، وهي الفترات التي شهدت ظهور ونضوج ظاهرة التصعلك. 3 صعاليك العصر الجاهلي هو عروة بن ورد بن زيد بن عبدلله بن ناشب، يعد من أجود الصعاليك وأنبلهم شيماً، إذ كان لا يغزو لمآرب شخصية بل كان يغزو ليطعم الضعفاء والفقراء من قومه. وأطلق على عروة بن ورد عدة ألقاب، فهو عروة الصعاليك، لأنه كان يجمع الصعاليك ويرعاهم ويقوم بأمرهم ويساعدهم إذا فشلت غزواتهم. كما أطلق عليه لقب الفارس الصعلوك، لأنه كان من فرسان الجاهلية الأشداء، بالإضافة إلى أنه نحى منحى الصعاليك من غزوٍ وإغارة. 1- عروة بن ورد يرفض الصعاليك الأذلاء كان عروة بن ورد لما له من نفسٍ أبية و عزيزة، يرفض التماس الحاجة والتذلل في ذلك، وهو حال كثير من الصعاليك الذين كانوا يعيشون على ما يتبقى من موائد الأغنياء. وإنما الصعلوك الحق والمفضّل لدى عروة هو الصعلوك الخيّر والنبيل والفارس الذي يهابه أعداؤه، وفي ذلك يقول في قصيدة أقلي عليّ اللوم يا ابنة منذرٍ: لحى الله صعلوكا إذا جن ليله ... مضى في المشاش آلفا كل مجزر يعد الغنى من دهره كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر قليل التماس المال إلا لنفسه ... إذا هو أضحى كالعريش المجور حام عشاء ثم يصبح قاعداً ... يحث الحصى عن جنبه المتعفر ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور مطلاً على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر إن يعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدًاً وإن يستغن يوما فأجدر وعروة بن الورد لا يخاف الموت، وهو يغامر بروحه علّه يكسب ما يصبو إليه من رزق، حتى يحفظ كرامة وعزة غيره (زوجته وقومه)، ويبعدهم عن الحاجة والذل، فيقول: ذريني ونفسي أم حسان إنني ... بها قبل أن لا أملك البيع مشتري أحاديث تبقى والفتى غير خالد ... إذا هو أمسى هامة تحت صبر تجاوب أحجار الكناس وتشتكي ... إلى كل معروف تراه ومنكر ذريني أطوف في البلاد لعلني ... أخليك أو أغنيك عن سوء محضر فإن فاز سهم للمنية لم أكن ... جزوعاً وهل عن ذاك من متأخر وإن فاز سهمي كفكم عن مقاعد ... لكم خلف أدبار البيوت ومنظر ملامح النبل في شعر عروة بن الورد كان عروة كما ذكرنا شاعراً جواداً، كريم الخلق ونبيلاً، فهو يؤْثر غيره على نفسه ويموت لأجل غيره، كما أنه يرفض أن يرى جاره يذوق الضيم، وهو غضيض الطرف، لا يسترق نظراً إلى جاراته، وفي ذلك يقول: فما أتْركُ الإخوان ما عشتُ للردى ... كما أنه لا يتركُ الماءَ شاربُه ولا يستضامُ الدهر جاري ولا أرى ... كمنْ باتَ تسْري للصديق عقاربُه وإن جارتي ألوتْ رياحٌ ببيتها ... تغافلتُ حتّى يسْتُرُ البيتُ جانبَه 2- التأبط شراً.. أنيس الوحوش هو ثابت بن سفيان بن عدي بن كعب، والتأبط شراً لقبٌ اختلف حول إطلاقه عليه علماء اللغة، لكن أشهر القصص حول ذلك، هو أنه لما حمل سيفه وخرج مسرعاً سأل الناس أمه إلى أين ذهب فقالت: " تأبط شراً وخرج"، وصار ذلك لقبه بين العرب، وكان ملازماً للشنفرى وعدّاءً مثله، يغير وينهب ويسلب، ويصف التأبط شراً مذهبه في التصعلك والحياة. والقائم على ملاقاة الفرسان الأشداء وهزمهم ليحمي قومه، كما أنه ليس جشعاً ولا نَهِماً في تناول الطعام، ثم يصف شدة تآلفه مع البادية، حتى أنه أصبح رفيقاً للوحوش التي اعتاد على وجودها، فلا هو يخافها ولا هي تَحذره، فقال: قَليلُ غِرارِ النَومِ أَكبَرُ هَمِّهِ ... دَمُ الثَأرِ أَو يَلقى كَمِيّاً مُقَنَّعا يُماصِعُهُ كُلٌّ يُشَجِّعُ قَومُهُ ... وَما ضَربُهُ هامَ العِدى لِيُشَجَّعا قَليلِ اِدِّخارِ الزادِ إِلّا تَعِلَّةً ... وَقَد نَشَزَ الشُر سوفُ وَاِلتَصَقَ المِعا يَبيتُ بِمَغنى الوَحشِ حَتّى أَلِفنَهُ ... وَيُصبِحُ لا يَحمي لَها الدَهرَ مَرتَعا عَلى غِرَّةٍ أَو جَهلَةٍ مِن مُكانِسٍ ... أَطالَ نِزالَ المَوتِ حَتّى تَسَعسَعا 3- الشنفرى الشاعر الصعلوك والعدّاء يوجد اختلاف حول تسمية الشنفرى باسمه، فهناك من قال أن الشنفرى اسمه، لكن الاتفاق الأكبر كان حول أن الشنفرى لقبٌ له، واسمه الحقيقي ثابت بن أواس بن الحجر بن الهنء بن الأزد. وإنما لُقِّب بالشنفرى لعظم وغلظ شفتاه، وكان الشنفرى من أعدى عدّائي العرب وأسرعهم في الجري، حتى أصبح يضرب به المثل ويقال: "أعدى من الشنفرى". أسره بني سلامان صغيراً، واستعبدوه عندهم، ولما كبر أدرك حقيقة أصله وأنه من حجر وتوعد أن يقتل منهم الكثيرين، وهو ما فعله وشكل مع صعاليك آخرين كالتأبط شراً والسليك بن سلكة مجموعة كانت تغزو وتنهب وتسلب. حتى كانت نهايته على يد بني سلامان. لامية الشنفرى من أبلغ الشعر العربي كانت قصيدة اللامية للشنفرى من أشهر قصائده، ومن أعين الشعر العربي، حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يوصي الناس بأن يعلموها لأولادهم. لما فيها من بلاغة وقوة سبك، ولأنها تنضح بالقيم النبيلة، وفيها يصف تمرده على قومه، وأنه أصبح يفضل معاشرة وحوش البادية على أن يعاشرهم، ثم يصف عزة نفسه وشجاعته وترفعه عن الجشع ونبله، فيقول: أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم ... فإني، إلى قومٍ سِواكم لأميلُ! فقد حمت الحاجاتُ، والليلُ مقمرٌ ... وشُدت، لِطياتٍ، مطايا وأرحُلُ؛ وفي الأرض مَنْأيً للكريم عن الأذى ... وفيها، لمن خاف القِلى، مُتعزَّلُ لَعَمْرُكَ ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ ... سَرَى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ ولي، دونكم، أهلونَ: سِيْدٌ عَمَلَّسٌ ... وأرقطُ زُهلول وَعَرفاءُ جيألُ وكلٌّ أبيٌّ، باسلٌ... غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائدِ أبسلُ وإن مدتْ الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم، إذ أجْشَعُ القومِ أعجل وما ذاك إلا بَسْطـَةٌ عن تفضلٍ ... عَلَيهِم وكان الأفضلَ المتفضِّلُ 4 صعاليك العصر الأموي 1- الشاعر الصعلوك مالك بن ريب هو مالك بن ريب التميمي من مازن تميم، عاش في الأيام الأولى للدولة الأموية، اشتهر بشجاعته التي سخرها في قطع الطرق ونهب القوافل، وبقي كذلك إلا أن علم به سعيد بن عثمان بن عفان. فغير طريقة حياته القائمة على السلب، فأقنعه بأن يستبدل ذلك بالجهاد في سبيل الله، فأخذه معه إذ كان متوجهاً إلى خرسان لإخماد فتنة هناك. وهم في طريق عودتهم، لدغته أفعى، فأحس بدنو أجله، فقال مرثيته التي أصبحت من أشهر مرثيات العرب وأطلق عيلها اسم بكائية ابن مالك. وفيها يحن إلى البادية التي يطمئن قلبه بذكرها، كما يصف كيف اهتدى وترك السلب والنهب، وأصبح يحارب تحت راية ابن عفان. ثم يبلغ به شعوره بوحدته وحزنه أنه لم يجد من يبكي عليه سوى حسامه، وفرسه التي باتت وحيدة بموت فارسها، وفيها يقول: ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه ... وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى ... وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا وأصبحتُ في أرض الأعاديَّ بعد ما ... أرانيَ عن أرض الآعاديّ قاصِيا تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجدْ ... سوى السيف والرمح الرُّدينيِّ باكيا وأشقرَ محبوكًا يجرُّ عِنانه ... إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا 2- أبو النشناش صعلوكٌ من لصوص العرب عاش أبو النشناش في العصر الأموي في فترة حكم مروان بن الحكم، وكان لصّاً من لصوص العرب يهاجم القوافل التجارية التي كانت تمر بين الحجاز والشام. أبو النشناش يقنع بأن الموت مدركه عندما كان أبو النشناش في إحدى غزواته على قافلة من قوافل الملك مروان بن الحكم، تمكن عامل الملك من القبض عليه وتكبيله، ثم ما لبث أن تمكن أبو النشناش من الهرب. ولجأ عند رجلٍ من بني لهب، وأدرك عندها أن الموت يأتي الفتى في أي لحظة ومهما كان حاله فإنه ذائقٌ الموت، فقال قصيدته التي يصف بها حياته وفعاله في البادية عارضاً سمات حياة صعلوكٍ مثله. وأخيراً يحتكم لأمر الموت ويرى أنه مدركه لا محالة، فقال: وسائلة أينَ الرحيلُ وسائِلٍ ... ومِنْ يسألُ الصُعْلُوكَ أينَ مَذاهِبُهْ وداويَّةٍ يَهماءَ يُخشَى بهَا الرَدَى ... سَرَتْ بأبي النَشْناشِ فِيها ركائِبُهْ ليُدركَ ثأراً أو ليُدركَ مغنماً ... جزيلاً وهذَا الدهرُ جَمَّ عجائِبُهْ فمُتْ مُعدِماً أو عشْ كريماً فإنَّني ... أرى الموتَ لا ينجُو من الموتِ هاربُهْ 5 أشهر صعاليك العصر العباسي بكر بن النطاح الصعلوك المتكسّب في العصر العباسي هو بكر بن نطاح يكنى بأبي وائل، من عجل من بني سعد، كان من الصعاليك اللصوص الذين يقطعون طريق القوافل، كي يكسبوا الغنائم والأرزاق. وكان شاعراً وفارساً في عربه، وبذلك يصف نفسه في قصائده، لكن أبو دلف العجلي (قائد عسكري في زمني الرشيد والمأمون)؛ كان لا يرى فيه غير الكلام دون الفعال. وأبو دلف نفسه الذي كان يمدحه أبو بكر بن نطاح متكسباً، وهذا كان مأخذاً عليه، لأنه يقول شعراً عن العزة والشجاعة، وهو كان شاعراً وصعلوكاً متكسباً، وعاش في آخر حياته على العطايا التي منحه إياها أبو دلف. الرقة في غزل أبي النطاح كان أبو النطاح شاعراً متكسباً كما ذكرنا، وكان يصف في قصائده فعاله وشجاعته، فقلَّ شعر الغزل لديه، كغيره من الصعاليك. ومن أعين شعره الغزلي قصيدته التي يصف هواه فيها بالبلاء، فالحب أضناه، وخدعه ما قاله الناس عن حلاوته، فأمسى لا يشابهه في بلوته إلا النبي أيوب، فيقول: هَل يُبتَلى أَحَدٌ بِمِثلِ بَلِيَّتي ... أَم لَيسَ لي في العالَمينَ ضَريبُ فَأَجَبتُها يا أُختُ لَم يَلقَ الَّذي ... لاقَيتُ إِلّا المُبتَلى أَيّوبُ قَد كُنتُ أَسمَعُ بِالهَوى فَأَظُنُّهُ ... شَيئاً يَلَذُّ لِأَهلِهِ وَيَطيبُ حَتّى اِبتُليتُ بِحُلوِهِ وَبِمُرِّهِ ... فَالحُلوُ مِنهُ لِلقُلوبِ مُذيبُ وَالمُرُّ يَعجَزُ مَنطِقي عَن وَصفِهِ ... لِلمُرِّ وَصفٌ يا عَنانُ عَجيبُ كُلُّ الوُجوهِ تَشابَهَت وَبَهَرتِها ... حُسناً فَوَجهُكِ في الوُجوهِ غَريبُ وَالشَمسُ يَغرُبُ في الحِجابِ ضِياؤُها ... عَنّا وَيُشرِقُ وَجهُكِ المَحجوبُ أخيراً... كان للشعراء الصعاليك مذهبهم في الحياة القائم على الإغارة والسلب من الأغنياء، إما لتحقيق غاياتٍ شخصية والانتقام لما تعرّضوا له من ظلم اجتماعي حال الشنفرى وصحبه. وإما لغايات نبيلة تتمثل بمساعدة الفقراء حال عروة بن الورد، وعلى اختلاف الغايات كان لشعرهم طابعه المختلف عن شعر البادية بصورة عامة، فشكلوا جانباً أدبياً جديداً لا يمكن إنكاره والتقليل من أهميته في الأدب العربي. |
| الساعة الآن 12:16 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by