![]() |
اللغة وفقه الدعوة ...
اللغة وفقه الدعوة ... د. أحمد درويش المبدأ في الدعوة أن الداعية لا يسير أبدا على طريقة واحدة في الكلام والمنطق وإنما تتعدد طرائقه الدعوية الكلامية ؛ تبعا لتغاير الموقف ... وفي موسى وفرعون النموذج المحتذى ... ففي بدء الدعوة يتوجب اللين ويسر القول ورقته ... وهذا هو التوجيه القرآني : " ﴿فَقولا لَهُ قَولًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشى﴾[طه: ٤٤] ... أمر باللين ؛ فقد تلمسه الخشية ويعتريه التذكر والرجوع عن الكبر والتطرف ... غير أن الموقف يتبدل ويتغاير فتأتي لغة الدعوة معبرة عن مجابهة قوة بقوة ، ففرعون يتهم موسى صراحة بأنه مسحور ﴿ فَقالَ لَهُ فِرعَونُ إِنّي لَأَظُنُّكَ يا موسى مَسحورًا﴾[الإسراء: ١٠١] وهذا اتهام خطير يقلب الطاولة على موسى ، فالمسحور يهذي ولا يدري ما يقول ... فمعنى المعنى هنا ... بلفظة الإمام عبد القاهر ... أو ظلال المعنى بتعبير أستاذي الدكتور تمام ... أنك يا موسى كاذب كاذب ... لذا فلن نصدقك فيما أتيت به وإنْ علاماتٍ أو معجزاتٍ ... هنا تتغاير لغة موسى تماما ؛ تعبيرا عن موقف لا بد أن يكون حاسما ، لا تمييع لقضية الدين ، لا استسلام لجبار ، وإنما المواجهة الصريحة ﴿َ وَإِنّي لَأَظُنُّكَ يا فِرعَونُ مَثبورًا﴾[الإسراء: ١٠٢] كلمة بكلمة : ( إني : هنا وهناك ) ( لأظنك: هنا وهناك) ( النداء هنا وهناك يا موسى يا فرعون ) ( اسم المفعول : مسحورا ... مثبورا : هنا وهناك ) ... هي المواجهة الصريحة التي لا انفكاك منها ... هل تطاول موسى ؟ اللهم ، لا ... إنه الحسم في موقف لا ينفع فيه إلا الحسم ، أما التقية فليس لها مكان هنا ... إنها الدعوة ... ولو تراخى المنافح المدافع الذائد هنا عن دعوته فمن لها ساعتئذ ؟! ... لقد أسعدنا البلاغيون بجملة غاية في الدقة فقالوا : لكل مقام مقال ... فدل ذلك على ضرورة أن يفقه الدعاة ما يقولون وأن يوظفوا ما يقولون لخدمة الدين لا لخدمة جماعة أو مذهب ... وقد صدق شاعرنا حين قال : وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ثرثارة في كل ناد تخطب |
| الساعة الآن 11:27 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by