![]() |
من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين (11): أحمد راتب النفاخ
من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين أحمد راتب النفاخ [IMG][/IMG](1412هـ ـ 1992م) *نشأته: أبو عبد الله، أحمد راتب بن فارس ابن مرسي النفّاخ،علامة الشام، انتهت إليه رياسة علوم العربية وعلوم القرآن في عصره، وهو من أعضاء مجمع اللغة العربية بدمشق والمجمع العلمي الهندي.ولد في دمشق لأسرة عُرفت بالصلاح والتقوى وفَدَتْ إليها من «بعلبك» في أوائل القرن التاسع عشر، وكانت هذه الأسرة من قبل في قرية من قرى حوران اسمها «الغارية الغربية»، وهو حريري كما صرّح لبعض طلابه. * حياته ونشأته العلمية: تلقّى علومه الأولى في «الكُتّاب» قرب مسجد الشيخ محيي الدين بن عربي في حيّ الصالحيّة وهو في نحو الخامسة من عمره، وتابع تعليمه في مدرسة «الصاحبة» الابتدائية، ثمّ في ثانوية التجهيز الأولى «جودة الهاشمي». وقد مهر منذ نشأته في العربيّة وبرّز فيها تبريزاً أفرده بين لداته،وطالما فاخر به أستاذه الشاعر محمد البزم وأثنى عليه.ولمّا التحق بقسم اللغة العربيّة من كليّة الآداب «جامعة دمشق» وجد المجال رحباً لتفتُّح مواهبه والتفوق على أقرانه، فشهد له أساتذته أمثال أمجد الطرابلسي وسعيد الأفغاني بالمقدرة والفضل وأحلّوه المحلّ الأرفع. وتخرَّج في كليّة الآداب عام 1950م وكان مشروع تخرّجه بحثاً أعدّه حول الرافعي،ونال بعد عام شهادة أهليّة التعليم الثانوي من كليّة التربية، وعُيّن مدرّساً للّغة العربيّة في المدارس الثانويّة بحوران. وفي عام 1953م عُيّن معيداً في كليّة الآداب بجامعة دمشق، ثمّ أوفد إلى جامعة القاهرة حيث نال درجة الماجستير عام 1958م عن رسالته التي كان موضوعها دراسة حياة الشاعر ابن الدمينة وشعره وعصره وتحقيق ديوانه. وفي مصر لازم الشيخ محمود شاكر في بيته، ولقي العلاّمة عبد العزيز الميمني،وقد أجازه هذا الأخير فيما بعد أن يروي عنه الحديث من الكتب الستّة وغيرها. اختار النفاخ موضوعاً للدكتوراه في القراءات القرآنية مع تحقيق كتاب معاني القراءات للأزهري. وبعد أن أنجز القسم الأكبر من عمله وقدّمه إلى أستاذه المشرف شوقي ضيف بدا له أن يتوقّف عن إتمام ما بدأ، وعاد أدراجه إلى دمشق ليستأنف التدريس في جامعتها زاهداً في الألقاب عازفاً عنها، ولم تُجْدِ محاولات مشرفه الذي صرّح غير مرة أنّ ما أنجزه النفّاخ كافٍ لمنحه درجة الدكتوراه، بل إنه كتب بعد ذلك إلى جامعة دمشق يخبرها أن النفّاخ أنهى بحثه وما عليه إلاّ القدوم إلى مصر لإجراء الامتحان. وكذا لم تُجْدِ محاولات الشيخ محمود شاكر لثنيه عن عزمه هذا. ولا ريب أن الأسباب التي دعت النفّاخ إلى العدول عن إتمام بحثه أو مناقشته كانت تخفي وراءها وَرَعاً منقطع النظير، وتأنّياً في البحث لا مثيل له، وقد صرّح لبعض طلبته أنّه كان في أثناء بحثه يُمضي أحياناً سنتين كاملتين لا يكاد يكتب فيهما نصف صفحة. ومهما يكن فقد أمضى «الأستاذ» ـ كما كان يسميه طلابه ـ بعد عودته من القاهرة سبعة عشر عاماً في قسم اللغة العربيّة (1962ـ1979م) برزت فيها عنده صفة «المُعلّم» بأسمى معانيها، فقد فُطر على القراءة والبحث، وكان كما وصفه زملاؤه طُلَعَةً لا يريد أن يفوته شيء في الباب الذي ندب نفسه للقراءة أو للإقراء فيه، فأكبَّ على الكتب المصادر التي ألَّفها علماء العربيّة الأقدمون،ومازال يدارسها حتى كشفت له أسرارها وتبيّن أصولها ومراميها. *ملامح شخصيته: ومن تمام صفة «المعلم» فيه حرصه الشديد على أن يذيع بين تلامذته وإخوانه ومريديه أطرافاً من عبقريّة اللسان العربي المبين ليحببه إليهم، فكان لا يكتفي بالمحاضرات التي يلقيها على منبر الجامعة ولا بالحلقات التي كانت تُعْقَد في غرفته بالجامعة، بل كان يستقبل طلابه وزائريه في منزله، حيث يلتقي العالم قد جاء يستفتي في مشكلٍ صادفه، والطالب قد أقبل يريد العون في موضوعٍ تصدّى لمعالجته. والأستاذ النفَّاخ بين هذا وذاك لا يتوانى عن بذل الفوائد العلميّة والنصح والإرشاد في المنهج والتحقيق واقتراح الموضوعات للرسائل الجامعية، ومراجعة بعض ما كتبه طلاّبه أو قاموا بتحقيقه. وكثيراً ما ترى بين يديه كتاباً «أفسده محققه» لكثرة ما فيه من تصحيف وتحريف وسوء ضبط، فيدل طلابه على الوجه الذي ينبغي أن يكون عليه الكلام ويشرح لهم مراد المؤلف مستطرداً إلى مسائل في اللغة والنحو والعروض والقراءات وكأنه من علماء المئة الرابعة، بل إن ذهنه أقرب ما يكون إلى ذهن الخليل بن أحمد شيخ العربيّة في عصره. وكان من تمام إيمانه بنشر العلم وبثّه أنه وضع مكتبته المترعة بنفائس الكتب بين أيدي طلاّبه وزائريه يبحثون فيها، ولم يكن يضنّ عليهم بإعارتها على ما رُزئ به من ضياع كثير من كتبه النفائس.وإذا كانت مكتبة «الأستاذ» تغصّ بالنوادر والنفائس فإنّ أغلى ما فيها وأنفسه تلك التعليقات والتصحيحات وقصاصات الأوراق التي امتلأت بها كتبه، حتى غدت بعض الكتب التي علّق عليها مرجعه في معاودة كثيرٍ من المسائل. كان الأستاذ النفّاخ على خُلُق كريم وفيّاً لأصدقائه محباً لإخوانه، شديد التعلّق بالمثل العليا والقيم الخلقية، قد أخذ نفسه بها أخذاً شديداً، وكان صريحاً صلباً في الحق، لم يعرف الهوادة، ولم يرض عن المصانعة، وفي هذا وحده ـ كما قيل ـ تفسير لمسلكه وصلاته بالناس، وكان هذا المسلك الصارم سبب تنكبه حيناً بعد حين عن أصدقاء خُيّل إليه أنهم دون ما كان يأمله فيهم، وكانت هذه الصدمات تزيده تشبثاً بموقفه وإصراراً على منهجه وابتعاداً عن دنيا الناس وواقعهم وزُهْدَاً فيما يرغبون فيه. وقد وصفه بعض مَنْ ترجم له بأنه كان حاد المزاج متقلبه شديد الهجوم على خصومه الكثيرين. وهذا الوصف لا يخلو من مبالغة وإساءة؛ ومن يعرف النفّاخ عن قرب يدرك بلا عناء أنه صاحب مواقف ثابتة ظل يجاهر بها كل حياته، وأما حدّة المزاج فما كان يظهرها إلا عند حديثه عن إحساسه بالخطر الذي يستشعره محدقاً بأمته ومقومات وجودها، وإلا عند حديثه عن أولئك الذين يتسترون وراء الألقاب العلميّة ويسيئون فيما ينشرون إلى لغتهم وأمتهم بقصدٍ أو بغير قصد وقلّما كان يسمّي واحداً منهم. ويكفي للدلالة على صحة مزاجه أن علاقته بطلابه الذين كانوا يقصدونه في بيته هي علاقة الأب بأبنائه، مفعمة بالحنان والمودة، ولا غرابة أن يشوبها شيء من الصرامة حين يقتضي الأمر ذلك. وبعد إحالة الأستاذ على التقاعد وزع وقته بين عمله في المجمع حيث كان رئيس لجنة الأصول وعضواً في لجنة المجلّة، وبين تصدره في منزله مستقبلاً طلابه وأصدقاءه، زاهداً مترفعاً لا هم له إلا القراءة والإفادة. *جهوده في التحقيق وخدمة اللغة العربية: لقد أدّاه حبّه للعربية وحرصه على إظهار تراثها المكنون محقَّقاً محرّراً أن يشقّ على نفسه حين يتصدى للتأليف أو التحقيق أو النقد، فكان يروّي في عمله ويتأنّى في خطواته، لا يقبل أول خاطر يهجم عليه بل يقلب وجوه النظر ويأخذ نفسه بالتثبت ويتشوّف إلى بلوغ الكمال. وتفرّد «الأستاذ» بأسلوب في الكتابة متميّز، فيه من الإشراق والإبانة والعلوّ ما فيه، وكأنما هو صورة صادقة عن معالم شخصيته، ولئن كان أسلوبه يداني أساليب القدماء ولاسيما ابن جني، إنه سهلٌ واضحٌ يكاد يدرك مراميه القارئ المتوسط. لقد هيّأ النفّاخ وكتب كثيراً ولكنه لم ينشر إلا القليل، وما نشره موزع بين كتبٍ ومقالات، فمن الكتب: من آثار النَّفَّاخ : أولاً الكتب : - النصوص الأدبية : " منهاج شهادة الثقافة العامة في كلية الآداب " بإشراف أحمد راتب النفاخ ، مطبعة الجامعة السورية 1374هـ ـ 1955م . - ديوان ابن الدمينة : " صنعة أبي العباس ثعلب ، ومحمد بن حبيب ، تح ، أحمد راتب النفاخ ، مكتبة دار العروبة ـ القاهرة 1378هـ ـ 1959م . - مختارات من الشعر الجاهلي : اختارها وعلّق عليها أحمد راتب النفاخ ، مكتبة دار الفتح ـ دمشق 1386هـ ـ 1966م . - فهرس شواهد سيبوية : صنعه أحمد راتب النفاخ ، دار الإرشاد ـ دار الأمانة ـ بيروت 1389هـ ـ 1970م . - كتاب القوافي : " لأبي الحسن الأخفش " ، تح ، أحمد راتب النفاخ ، دار الأمانة ـ بيروت 1394هـ ـ 1974م . - شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف : " لأبي أحمد العسكري " ج1 ، تح ، الدكتور السيد محمد يوسف ، مراجعة الأستاذ أحمد راتب النفاخ ، مجمع اللغة العربية بدمشق 1401هـ ـ 1981م . ثانيـًا : المقالات : - رسالة الغفران : مجلة الكتاب المصرية ، مج10 ، ج6 حزيران / يونيو 1951م . - القصيدة الصورية : مجلة معهد المخطوطات العربية ، مج2 ، ج1/1956م . - رسالة الغفران : مجلة المجمع بدمشق ، مج32 ، ج4/1957م ، مج33 ، ج1/1958م . - المحتسب : مجلة المجمع بدمشق ، مج 42، ج4/1967م ، مج 43 ، ج1 ، ج2/1968م . - المعيار في أوزان الأشعار : مجلة معهد المخطوطات العربية مج15 ، ج1ـ2/1969م . - نظرات في كتاب اللامات : مجلة العرب ، س5 ، ج1/1970م . - كتاب القوافي : لأبي الحسن الأخفش : مجلة المجمع بدمشق ، مج47 ، ج1/1972م . - تعقيب على أرجوزة في العروض : مجلة المجمع بدمشق ، مج47 ، ج4/1972م . - كتاب إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج : مجلة المجمع بدمشق ، مج48 ، ج4/1973م ، مج49 ، ج1/1974م . - كلمة في حفل استقباله يتحدث فيها عن سلفه الشيخ محمد بهجة البيطار : مجلة المجمع بدمشق ، مج53 ، ج1/1978م . - حركة عين المضارع من " فَعَل " : مجلة المجمع بدمشق ، مج57 ، ج3/1982م . - كتاب المحبة لله سبحانه : تح : الأستاذ عبد الكريم زهور ، مراجعة الأستاذ أحمد راتب النفاخ ، مجلة المجمع بدمشق مج58 ، ج4/1983م ، مج59 ، ج1 ، ج2 ، ج3/1984م . - نظرات في نظرات : مجلة المجمع بدمشق ، مج59 ، ج3/1984م ، مج60 ، ج2 ، ج3/1985م . - فقيد المجمع الأستاذ عبد الكريم زهور : مجلة المجمع بدمشق ، مج60 ، ج3/1985م . - استفتاء وجوابه : مجلة المجمع بدمشق ، مج60 ، ج4 ، 1985م . - أشعار اللصوص وأخبارهم : التعليقات الأستاذان " أحمد راتب النَّفَّاخ " و " شاكر الفحام " ، مجلة المجمع بدمشق ، مج66 ، ج4/1991م . والتحقيق عند " النَّفَّاخ " هو فهم النص فهمـًا سليمـًا ، قائمـًا على إمعان النظر في تدبر معانيه ، وهذا الفهم لا يتأتى إلا بعد تحريره من شوائب السقط ، والاضطراب ، والتصحيف والتحريف ، وما قد يقع فيه مؤلفه من أوهام ، وهو منهج شامل عماده بصرٌ نافذ في أساليب العربية ، ومعرفة بدقائقها ، ومصابرةٌ على تتبع مسائلها في مظانها ، وإحاطةٌ تامة برجالاتها ، ودرايةٌ برواياتها وأسانيدها ، وقد عُرف الأستاذ بنفسه الطويل في البحث ، وإحاطته التامة به ، حتى لا يكاد يجاريه في ذلك إلا قلة ، وشيخه في هذا الباب العلامة محمود محمد شاكر ، فهما يصدران عن نبع واحد. ولك أن تتخيل من بعد كيف كان الأستاذ " النفاخ " يقرأ الكتب المحققة ، وقد هجم عليها محققوها بمنهج قاصر ، وعلم متواضع ، فأحالوا المعاني عن مواضعها ، وأثبتوا الخطأ ، وأهملوا الصواب ، كنت ترى وجهه ـ وهو يحاكمهم إلى منهجه العلمي الصارم ـ قد اكتسى أسى على هذا التراث ، الذي آل إلى خَلْف يعبثون فيه ، ويداري أساه بابتسامة متهكمة على هذا الفهم السقيم ، الذي أوقع " المحقق " بما وقع فيه ، وتند من فيْه كلمات ، يظنها من يسمعها أول وهلة قاسية لاذعة ، وإنما هي صرخة من قلب يكاد يتميز غيظـًا ، وهو يرى أقدس ما يؤمن به يداس بالأقدام . وهل الأقلام العابثة في تراثنا إلاّ أقدام تجوس خلال النص ، تستبيح الحِمى ، وتمزق المعنى ؟ يقول الدكتور محمد حسان الطيان: أحمد راتب النفاخ... جبل علم هوى كلما ذكرت أستاذنا النفاخ عادت بي الذاكرة إلى أول عهدي بقسم اللغة العربية في جامعة دمشق... كنت أتحسَّسُ طريقي إلى ذلك القسم حين قال لي قائل : عليك بالأستاذ النفاخ فإنه مكتبة متنقلة ، وقال آخر : إياك أن تفوتك محاضرة من محاضرات النفاخ فإنه جبل علم ، وقال ثالث : النفاخ نادرة من نوادر العصر في علوم العربية وهو بقية السلف من علمائها. ورحت أرقب محاضرته محاضرة المكتبة العربية - كذا كان اسمها - وجاء الموعد، ودخل الشيخ.. قامة نحيلة.. طلعة بدا فيها أثر السنين... شعر وخَطَ الشيب سواده... عينان زرقاوان لم أر أحدَّ منهما ذكاءً ومضاءً... صوت أجشُّ ما إن بدأ بالهدير حتى ران الصمت علينا... وتيبَّسنا وأصخنا.. فكأن على رؤوسنا الطير .. وانطلق الشيخ يحدثنا...عن طريقته في المحاضرة، ما يأخذ به نفسه... وما يأخذ به طلبته... ما يسمح به ومالايسمح... ما يرغب فيه ومايرغب عنه! ثم أخذ في الكلام على مادة المحاضرة... المكتبة ِ العربية... كان حقاً مكتبة! تدفَّق كالسيل الأتيّ... يحدثنا عن الخليل وسيبويه، والمبرد وثعلب, وينتقل بنا من نوادر القالي إلى أغاني الأصفهاني... ومن كتب الأدب والأخبار إلى كتب التراجم والرجال... يجلو لنا أمر التراث الغابر كأنه العِيان الحاضر. حاولت تتبّعَ كلماته... فاتتني بعض الكلمات... كلمات ليست كالكلمات! إما لغرابةٍ فيها... وإما للجلجةٍ في نطقها تبدو جليَّة لمن يستمع إلى النفاخ أول وهلة، ثم ما تلبث الأذن... أذُن المحب أن تألفها بل تعشقها برغم مافيها من لُكنة وحُكلة. أما الجزالة في تركيب العبارة فأمرٌ عجب !! حدِّث فيه ولاحرج... إذ لا تكاد تجد في كلام النفاخ كلمة زائدة أومقحمة ، أو هي حشو في الكلام ولعل هذا ما يزيد الأمر عسراً بادي الرأي ، ثم ما يلبث أن يتحول في أذن السامع الأديب أو المتأدب إلى نمط من البلاغة والبيان قلَّ من يحسنه... تألفه نفس المتذوق ، فيحاول أن يحاكيه أو يدانيه... ولكن هيهات هيهات! ما كل ما يُسمع يحاكى... ولا كل من قلد يفلح... في نظام من البلاغة ماشكَّ امرؤٌ أنه نظامٌ فريدُ انقضت المحاضرة الأولى، وبدأ الهمس والتعليق... وسَرَتْ بين الطلبة أقاويل لا تخلو من بعض التهاويل... فمنهم من قال: إن النفاخ أعلم من عليها... ومنهم من قال: هذا الذي طاول عميد الأدب العربي الأستاذ الدكتور طه حسين وردَّ عليه وأفحمه وغالبه فغلبه... ومنهم من قال إنه الراهب في محراب اللغة عزف عن الزواج من أجلها. ووهبها كل وقتِهِ وجهِدهِ بل وهبها كل عُمُرِه... ومنهم من قال: إن أساتذة القسم يخشون صولته ويحسبون له ألف حساب... ومنهم من ذهب إل أبعد من ذلك فجعل يسرد القصص ويحيك الطُّرَف عن مواقفَ للنفاخ من بعض رجالات عصره وأساتذة قسمه وتلامذة فصله. كل ذلك جعلني أشدَّ شوقاً إلى لقاء الرجل، وأكثرَ عزماً على الإفادة منه. وكان لي بفضل الله ما أردت، فقد نعمت بصحبة شيخنا النفاخ نحو من خمسة عشر عاماً كنت فيها التلميذ والمريد... والطالب والتابع... والجليس والأنيس... والمتتبع الحريص على كل ما يصدر عن الشيخ... إلى أن نَزَغَ الشيطان بيني وبينه... فأقصيتُ عنه على كُره مني... وقلبي مطمئنٌّ بحبه... وعقلي مستنير بعلمه... وخيالي هائم بطيفه. حتى توفاه الله بعد فجر يوم الجمعة 11 من شعبان سنة1412 هـ الموافق 22 من ( فبراير ) سنة 1992. رحمه الله وغفر له". |
*حفل تأبين فقيد مجمع اللغة بدمشق الأستاذ العلامة أحمد راتب النفاخ: أقام مجمع اللغة العربية بدمشق حفلاً تأبينياً بمناسبة انقضاء أربعين يوماً على وفاة عضو المجمع الفقيد الأستاذ أحمد راتب النفاخ رحمه الله، وذلك في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الأربعاء السادس من شوال 1412هـ/ 8 نيسان 1992 في قاعة المحاضرات بمكتبة الأسد بدمشق . وقد حضر الحفل ثلة من كبار العلماء والأدباء والمثقفين ومن محبي الأستاذ النفاخ وطلابه وذويه . افتتح الحفل بتلاوة من آي الذكر الحكيم، ثم تلاها كلمة المجمع ألقاها الأستاذ الدكتور شاكر الفحام نائب رئيس المجمع، ثم كلمة الزملاء الجامعيين (جامعة دمشق) ألقاها الأستاذ الدكتور عادل العوّا، ثم كلمة أصدقاء الفقيد للأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر، ثم كلمة طلاب الفقيد للدكتور محمد الدالي، وفي الختام كلمة آل الفقيد ألقاها الأستاذ نزار النفاخ شقيق الفقيد . وننشر فيما يلي كلمات الحفل : كلمة مجمع اللغة العربية فقيد المجمع الأستاذ أحمد راتب النفاخ (1927-1992م) الدكتور شاكر الفحام شاءت إرادة الله العلي القدير أن يفارقنا الأخ الصديق الأستاذ أحمد راتب النفاخ إلى جوار ربه الكريم أوفر ما كان نشاطاً، وأكثر ما كان عطاء . ما زلت أتمثل صورته في جلسات المجمع الأخيرة، وهو يناقش معنا بكل الجد والحيوية مشروع خطة جديدة ترسم وجوه نشاط المجمع في المستقبل، لتفسخ له أن يكون أقدر على تأدية أغراضه وتحقيق مقاصده في ميادين اللغة والأدب وإحياء التراث وإقرار المصطلح ووضع المعجمات، ولتتيح له المشاركة الواسعة في الحركة الثقافية بإلقاء المحاضرات وعقد الندوات وإقامة المؤتمرات وتوثيق الصلات بالمجامع والمؤسسات اللغوية والثقافية . وكان أشدّ ما كان تفاؤلاً بما توفره الخطة المقترحة من افتتاح صفحة جديدة في العمل المجمعي المثمر. وشهد معنا جلسة يوم الأربعاء في 12/2/1992م ، واتعدنا على اللقاء صباح الأحد في لجنة المجلة والمطبوعات، ولكن القدر لم يمهله، لقد نهض صباح يوم الجمعة (11/8/1412هـ - 14/2/1992م) كعادته، فأدى صلاته أحسن أداء، ثم التلاوة، فقرأ ما شاء الله له أن يقرأ من سورة البقرة، ولكن الصوت المرتّل لم يلبث أن خفت وسكت، وهرع الأهل إلى الطبيب. وبذل الأطباء ما بذلوا فما أنجحوا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، فأسلم الروح إلى بارئها، راضياً مرضيا. رحمه الله الرحمة الواسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً . لقد ترك بوفاته ثلمة لا تسدّ، وإن الخسارة بفقده جسيمة لا تعوّض . فما كان قيسٌ هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدّما * * * ولد رحمه الله عام 1927م في أسرة كانت قد وفدت على دمشق من بعلبك في أوائل القرن الماضي، وعرفت بالصلاح والتقوى . وبدأ التعلم في سنّ مبكرة، وكان المجلّي في دراسته الابتدائية والثانوية، فأحبه مدرسوه، وأشادوا به. وقد مهر بالعربية، وبرّز في معرفتها تبريزاً أفرده بين لداته، وطالما فاخر به أستاذه محمد البزم وأثنى عليه. ولما التحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب (جامعة دمشق) وجد المجال رحباً لتفتح مواهبه، والتفوق على أقرانه. وشهد له أساتذته بالمقدرة والفضل، وأحلّوه المحلّ الأرفع، وتخرّج من كلية الآداب عام 1950م، ونال من بعد شهادة أهلية التعليم الثانوي من كلية التربية عام 1951م. وقضى سنتين يدرّس العربية في المدارس الثانوية بحوران . واستقبلته كلية الآداب بجامعة دمشق معيداً (1953-1955م) لتوفده إلى جامعة القاهرة، فنال درجة الماجستير ( عام 1958م ) وكان موضوع رسالته: دراسة حياة الشاعر ابن الدمينة وشعره وتحقيق ديوانه . ثم اختار موضوعاً في القراءات لشهادة الدكتوراه. وبعد أن أنجز القسم الأكبر من رسالته، وقدّمه إلى الأستاذ الدكتور شوقي ضيف المشرف على الرسالة بدا له أن يتوقف عن إنجاز ما بدأ، وزهد في الألقاب، وعزف عنها، وعاد إلى دمشق ليستأنف التدريس في الجامعة . وما زلت أذكر أن الدكتور شوقي ضيف، وكان المشرف على رسالتي أيضاً، حدثني عن رسالة الأستاذ راتب في القراءات حديث المعجب، وذكر لي أن الجزء الذي قدّمه كاف لنيل درجة الدكتوراه، وطلب إليّ أن أبلغه ذلك، وأحثّه على الحضور إلى القاهرة للمناقشة، وأبلغت الصديق الرسالة، فما زاد على أن تبسم . وأمضى الأستاذ النفاخ على منبر التدريس في جامعة دمشق بعد عودته من القاهرة سبعة عشر عاماً (1962-1979م) ، وتخرّجت به أجيال من الطلاب ما زالت تذكر له ما بذل من جهد، وما قدّم من عون، ليبصّرهم ويرشدهم ويدلّهم على أصول البحث، ويضع بين أيديهم مفاتيح المعرفة يتهدّون بها إلى فهم كلام الأقدمين . واختار أعضاء مجمع اللغة العربية بدمشق الأستاذ أحمد راتب النفاخ عضواً عاملاً في المجمع عام 1976م، فكان هذا الاختيار تتويجاً للصلات الوطيدة بينه وبين المجمع. وشارك الأستاذ النفاخ في أعمال المجمع المشاركة الطيبة، وقام بجهد جاهد في لجانه، وكان له القدح المعلّى في أعمال لجنة الأصول ولجنة المجلة والمطبوعات. وسعد المجمع من بعد بتسميته رئيس المقررين فيه (1979-1992م) . * * * كان رحمه الله جبلاً راسخاً من جبال العلم، قد جعل الكتاب خدينه وأنيسه، فلا تراه إلا قارئاً أو مقرئاً، "وقد أتقن كثيراً من العلوم التي عرفها السلف، أو استحدثها الخلف، وبذّ الأقران في فنون منها، انتهت إليه الرياسة فيها في عصرنا هذا في بلدنا هذا، كالقراءات والنحو والبلاغة والعروض واللغة فقهها وعلمها، وأصبح حجة فيها لا ينازعه منازع. هذا إلى أسلوب جزل متميز في الكتابة تفرّد به واشتهر" . وقد ألف طلابه وأصدقاؤه أن ينعتوه بلقب (علامة الشام) إيذاناً بما يكنّون له من الإجلال والتقدير . عرفته في أواخر الخمسينات، وأنست بصحبته، وامتدت صداقتنا حتى قضى الله قضاءه، فعرفت فيه الصديق المخلص، الكريم الخلق، الطيب القلب، الصادق الوّد، يسارع في الخيرات، قد نصب نفسه لتلبية قاصديه، ومساعدة طلابه، فلا يبخل بعلم، ولا يضن ّ بعون، مهما يكلفه ذلك من مشقة وجهد . وكنت كثيراً ما أستشيره وأسائله في قضايا لغوية ونحوية شمست واستعصت، فيلين أبيّها، ويستدني قاصيها، فأحسنّ. أنه البحر علماً ومعرفة. من أبرز صفاته أنه كان معلماً، بالمعنى الرفيع للكلمة. فطر على القراءة والمطالعة، وأحب العربية وعلومها الحب الجمّ. وكان طلعة لا يريد أن يفوته شيء في الباب الذي ندب نفسه للقراءة والإقراء فيه، فأكبّ على الكتب المصادر التي أّلفها علماء العربية الأقدمون، وما زال يدارسها حتى كشفت له أسرارها، وتبيّن أصولها ومراميها. ثم ضمّ إلى ذلك مطالعة ما ألف في عصرنا من علوم اللغة المستحدثة ليستبين خطأها من صوابها، على هدي ما عرف من منطق العربية الصحيح. ولقد تعشق العربية وشغفه حبها، إنها له لسان وهوية وحياة، وقد عبّر عما يحسّه من ذلك بقوله: " آليت على نفسي ألا أعيش إلا لها، ولكتابها العربي المبين" . ولقد وقف حياته حقاً لدرس العربية وتدريسها . وكان شديد الحرص أن يذيع بين تلامذته وإخوانه ومريديه أطرافاً من عبقرية هذا اللسان العربي المبين ليحبّبه إليهم، فكان لا يكتفي بالمحاضرات التي يلقيها على منبر الجامعة، ولا بالحلقات التي تعقد في غرفته بالجامعة، بل كان يستقبل طلابه وزائريه في منزله المعمور دائماً، حيث كان يلتقي العالم قد جاء يستفتي في مشكل صادفه، والطالب قد أقبل يريد العون في موضوع تصدى لمعالجته، والأصدقاء الذين ألفوا مجلس الأستاذ يلتقطون الفوائد النفيسة. وكان الأستاذ جمّ النشاط، يتدفق في حديثه لا يمّل ولا يتوقف، يحيط بجوانب المسألة المطروحة، ويعدّد الآراء والأقوال، ويحيل على المصادر ليقدم لسائله وسامعه ما ينير الطريق، ويهدي إلى سواء السبيل. وكان يفد إلى مجلسه كبار العلماء الذين يزورون دمشق، يأتونه_ قاصدين، حباً في لقائه، وتطلعاً إلى فوائده . كان شعاره الأول في حياته نشر العلم وبثه، وكان يرى في نهج علماء السف الصالح قدوة طيبة. ففتح بابه، وأقبل إليه الطلاب والمريدون والأصدقاء. وطالما تطلع إلى أن يكون مجلسه بأحاديثه، وما يتفرغ إليه من حوار، النواة الصالحة، والوسيلة الناجعة لتخريج طلاب يحملون عنه العلم، لينشروه في الملأ . وكان من تمام إيمانه بنشر العلم وبثه أنه وضع مكتبته المترعة بنفائس الكتب، وصور المخطوطات بين أيدي طلابه وزائريه، يبحثون فيها عن طلباتهم، فإذا شاؤوا الاستعارة أعارهم من الكتب النادرة ما يريدون، خلّة نبيلة كريمة جبل عليها، ولم يعدل عن عادته تلك، على ما رزىء به من ضياع كثير من كتبه النفائس. وحفلت كتبه بالتعليقات الثمينة القيّمة، فقد كان، رحمه الله، إذا لاح له، وهو يقرأ كتاباً، موضعٌ يحتاج إلى تعليق لإيضاح مبهم، أو إصلاح غلط، يسارع إلى إثباته في حاشية الكتاب. وكانت هذه الفوائد التي لا يقوى عليها إلا عالم ثبت متمكن كالأستاذ راتب، معروضة لكل واردٍ أحبّ أن ينتفع بها. وكان رحمه الله يسارع أحياناً فيرسل بتلك التعليقات إلى محقق الكتاب، يضعها بين يديه، لأن غايته ومطلبه أن ينشر الكتاب محققاً صحيحاً بريئاً من الآفات . وما أكثر ما كتب وصحح للآخرين، يبذل ذلك دون منّ، ولولا أن أشار عدة مؤلفين في كتبهم إلى ما قدّم لهم، وشكروا له جميل ما صنع من أجلهم، لما علمنا علم ذلك. وإذا كانت مكتبة الأستاذ أحمد راتب تغصّ بالكتب النوادر والنفائس، فإن أغلى ما فيها وأنفسه تلك التعليقات التي حفلت بها حواشي كتبه. وطالما رجوت الصديق الكريم أن ينشر تلك التعليقات ليفيد منها الباحثون وطلاب العلم . وكان رحمه الله على خلق كريم، وفياً لأصدقائه، محباً لإخوانه، وكان شديد التعلق بالمثل العليا، والقيم الخلقية، قد أخذ نفسه بها أخذاً شديداً. وكان صريحاً صلباً في الحق، م يعرف الهوادة، ولم يرض عن المصانعة. وفي هذا وحده تفسيرٌ لمسلكه وصلاته بالناس. وكان هذا المسلك الصارم سبب تنكّبه حيناً بعد حين عن أصدقاء خيل إليه أنهم دون ما كان يأمله فيهم. وكانت هذه الصدمات تزيده تشبثاً بموقفه، وإصراراً على نهجه، وابتعاداً عن دنيا الناس وواقعهم، وزهداً فيما يرغبون فيه . فقصر نفسه على عمله المجمعي، ووقف عليه كثيراً من جهده ووقته: كان رئيس لجنة الأصول، وكان عضواً في لجنة المجلة والمطبوعات، فكان ينفق الساعات الطوال في النظر في مقالات المجلة وتصحيح ما زاغ عن الصواب، فإذا ما انتهى من عمله المجمعي انقلب إلى منزله ليستأنف العمل والقراءة، ليستقبل الطلاب والمريدين والعلماء من أصدقائه. واكن يرى في ابنه الصغير عبد الله –سلمه الله- قرّة عينه، وأنسه الأنيس، يستروح به من أثقال الهموم التي يكابد. وهكذا قضى سنواته الأخيرة بين المجمع والمنزل، متزهداً مترفعاً، لا همّ له إلا القراءة والتعليم ومعونة أصدقائه وقاصديه في بحوثهم . وبدا له أنه لم يحقق ما كان يصبو إليه. لقد دأب وعمل، وجهد وجاهد ليل نهار لتخريج جيل يضطلع بعبء درس العربية وتدريسها، قد وعى منطقها، واستبانت له أسرارها، وأوتي القدرة على نشر كنوزها الثمينة فلم يبلغ مأموله . كان يحسّ أنه غريب في دنياه، فهو يحمل همومه، وتبهظه أحزانه، ولا يكاد يرى من يبوح له بها. لقد أفردته أخلاقه ومثله، وباعدت بينه وبين ما حوله. وكنت حين أراه، وأحسّ ما يعتلج في نفسه أردّد هامساً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طوبى للغرباء" . لم أجد في صفته أبلغ من قوله يصف صديقه الأستاذ عبد الكريم زهور وكأنما كان يصف نفسه: "كان –رحمة الله- لا يتعلق من الحياة إلا بمعانيها السامية، لا تزدهيه المناصب، ولا تغرّه الألقاب، ولا تستغرقه هموم نفسه. وإنما كان همّه الأكبر الذي ظلّ أبداً يعتلج في فكره وضميره، ويصرّفه في كل مازاول من عمل على حكمه همّ أمته ومطامحها ومستقبلها، يسدده في مساعيه فكر نير لا تعمى عليه معه السبل، وخلقٌ قويم يرتفع به فوق ما ينحطّ فيه ضعاف النفوس من سفاسف، وإلى ذلك عزمٌ صادق لا يلين أمام الصعاب. ولم تزده –أكرم الله مثواه- تجاربه وما قاسى من محن إلا مضاءً في عزمه، وتسامياً في فكره، واستبصاراً في طريقه، كالذهب الإبريز لا يزداد على امتحانه بالنار إلا خلوصاُ وتوهجاً . كان الصدق في القول والعمل طبيعةً راسخة فيه. يتوخى الحق ويتبعه حيثما لاح له، ثم يثبت عليه لا يفتنه عنه هوى، ولا تنحرف به عنه رهبة، ولا تحمله على الترخّص فيه مصانعة ............ " . * * * وأداه حبّه للعربية وحرصه على إظهار تراثها المكنون، محقّقاً، محرّراً، أن يشّق على نفسه حين يتصدى للتأليف أو التحقيق أو النقد، فهو يروّي في عمله ويتأنى في خطواته، لا يقبل أول خاطر يهجم عليه، بل يقلّب وجوه النظر، ويأخذ نفسه بالتثبت، ويتشوف إلى بلوغ الكمال. لقد هيّأ وكتب الكثير، ولكنه لم ينشر إلا القليل القليل. ولهذه الخصلة التي تملكنه كان يضيق ذرعاً بأولئك الذين يتعجلون في تحقيق التراث، ولا يوفّونه حقه من الجهد والتمحيص، ولا يرعون ما يجب في مثله من الدقة والأمانة، فيقعون في الغلط تلو الغلط، فكان يرى من واجبه أن ينهض للتصحيح والتقويم، ذياداً عن عن التراث، يقول: "ومن ثمّ رأيت من حق العلم عليّ، ومن الوفاء لهذا التراث، وللأئمة الذين أورثونا إياه، ألا أدع بيان ما وقفت عليه" . ولكنه كان رحمه الله يقسو أحياناً في النقد، مأخوذاً بغيرته على تراث الأجداد. أول ما نشر كلمة في نقد رسالة الغفران التي ظهرت في مصر عام 1950م، وقد أرسل كلمته إلى مجلة الكتاب المصرية فنشرتها بعد أن تصرفت بها تصرفاً أفسدها. فلما ظهرت الطبعة الثانية لرسالة الغفران عام 1957م علق عليها في مقال له في مجلة المجمع. واكن رائده في كل ما صنع هو الوصول إلى وجه الصواب. يقول: ".... فأحببت أن أعرض وجهة نظري فيما توقفت [أي الدكتورة بنت الشاطئ] فيه، على العاملين في هذا المضمار ليدلي بوجهة نظره من عنّ له رأي فيه، عسى أن نصل إلى وجه الصواب في هذا كله........". ثم يختم تعليقاته بقوله :"هذا ما عنّ لي من خواطر حول الطبعة الجديدة من رسالة الغفران، وإني لأشكر من رأى فيما أبديت خطأ فردني إلى الصواب....." . وأصدر الأستاذ راتب ديوان ابن الدمينة عام 1959م، وهو جزء من رسالة الماجستير فدل على تمكنه في باب التحقيق، وسعة إطلاعه على مصادر التراث، ومقدرته الفذة في البحث والتقصي والتهدي إلى حل المشكلات المعضلات . وكتب مقالة جليلة في نقد الجزء الأول من طبعة المحتسب لابن جني، وعرض جملة ما استدركه حتى ختام الكلام في سورة البقرة، ثم رغب إلى القائمين بالكتاب أن يعيدوا معارضته بالأصل ثانية، وأن يستعينوا على استكمال تحقيقه بأصول أخرى . ومن كتبه القيمة: فهرس شواهد سيبويه (عام 1970م). وقد نسق فيه شواهد القرآن فشواهد الحديث (وهي قليلة لا تتجاوز خمسة /ص57-58)، فشواهد الشعر (وقد بلغت 1047بيت، بإلغاء المكرر/ ص9). فقرب بفهرسه الممتع كتاب سيبويه إلى الناس، ودلّهم على مواضع كثيرة من مسائله، ومهّد لهم بتعليقاته الإفادة منه . وأصدر كتاب القوافي للأخفش عام 1974م، إثر طبعة للكتاب لم تكن عنده بالمرضية. وكان هو قد هيأ الكتاب وأعده للنشر، فنقد الكتاب المطبوع، وأظهر عثراته ، ثم نشر كتابه محققاً محرراً. وإنك لتحس الجهد البالغ الذي بذله المحقق والعلم الغزير في تلك التعليقات التي شفت قارئها، ووضعت يده على مصادر المعرفة . ووكل إليه مراجعة كتاب (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) لأبي أحمد العسكري وقد قام بتحقيقه الدكتور السيد محمد يوسف، فأضاف الأستاذ النفاخ بتعليقاته فوائد جمة. ثم دعت الضرورة أن تزيد تعليقاته في الأبواب الأخيرة زيادة كبيرة طال بها الكتاب، مما دعا إلى جعله في قسمين: وقد صدر القسم الأول من الكتاب عام 1981م، ومما يؤسف له أن الأسباب لم تتهيأ لصدور القسم الثاني منه، ففاتنا بذلك علم غزير . وللأستاذ مقالات شتى صحح بها جملة من كتب التراث المحققة وهي تمور بالفوائد النفيسة . وقد رأيت من المفيد أن أجعل في ختام كلمتي لحقاً يضم كل ما عثرت عليه من آثار الأستاذ الكريم . اللهم ارحمه الرحمة الواسعة، وأنزله منازل الأبرار في عليين، وارزق آله وأصدقاءه وعارفيه الصبر الجميل . ولا زال ريحان ومســـك وعنبر على منتهـــاه ديمـة ٌ ثم هــــاطلُ . |
ويقول الأستاذ إبراهيم عمر الزيبق في الشيخ النفاخ: لئن نأت بنا السنوات بعيدًا عن تلك الغرفة الصغيرة التي كانت تضمنا مع أستاذنا " أحمد راتب النفاخ " " 1927ـ 1997م " في بيته بسفح جبل " قاسيون " ، إنَّ في ذكراه ما يقربنا إليه ، فهو في مجالسنا الحاضر الغائب ، لا تكاد نكفكف الحديث عنه ، وقد امتدَّ ساعات حتى نعود إليه كأنشط ما نكون ، في أعماقنا إحساس نواريه ونداريه .. وهو أن في الأستاذ سرًا غامضـًا لا ندري كنهه .. سرًا يتفلَّت منا كلما حاولنا كشفه بالكلمات ، وينفضُّ المجلس وفي صدورنا بقايا أفكار .. وفي قلوبنا حزن أسيف . وفي البيت أجلس إلى أوراقي أحاول أن أخلط عليها ملامح أستاذنا عساي أن أقتنص هذا السر الذي جعل منه شخصية عصية على النسيان ، والناس فيه بين محبٍّ غالٍ ، ومبغض قالٍ . وتعود بي الذكرى إلى ذلك اليوم الذي عرفت فيه " النفاخ " ، أول ما عرفته .. كان ذلك في منتصف السبعينيات حين كنت أمينـًا لقاعة الباحثين في المكتبة الظاهرية ، رأيته يدخل القاعة متجهـًا إلى طاولة المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني مسلمـًا عليه ، كان يخطو بوقار ، وعلائم الجد بادية على ملامحه . وحين هَبَّ مَنْ في القاعة وقوفـًا يرحبون به اكتست ملامحه فجأة معاني التواضع ، وأكاد أقول معاني الحياء . هذه الملامح بقيت عالقة في ذاكرتي لم تمحها السنون ، ملامح صارمة ما كان أسرع انقلابها حين تخجل إلى وداعة أقرب إلى وداعة الطفولة . ونازعتني نفسي إلى زيارته في بيته ، وطلبت من صديقين كانا من طلابه في الجامعة أن يصطحباني إلى زيارته حين يزورانه . جمال وهيبة : قرعنا الباب بقلب خافق .. هذه أول زيارة لي لعالم اسمه يملأ السمع ، وتخيلت فيما تخليت بيتـًا واسعـًا ، وأثاثـًا مترفـًا ، ومكتبة ضخمة ، ووجهـًا يطل علينا مترفعـًا متجهمـًا ، وإذا الباب يفتح ويطل علينا الأستاذ بوجه طلق ، تزيده قوة النظرات جمالاً وهيبة ، ودلفنا عبر ممر ضيق إلى غرفة هي إلى الصغر أقرب ، قد صفت فيها آرائك قديمة ، ما إن جلست على واحدة منها حتى انبعث منها أنين البلى ، تلفت أبحث عن المكتبة فلم أر إلا ركامـًا من الكتب على طاولة صغيره .. وقد زحف بعضها إلى الأريكة المجاورة واحتلها .. كانت بقايا أشعة الشمس الغاربة تعكس عبر زجاج النافذة ضوءًا باهتـًا ، وعلى الجدران لونـًا حائلاً ، ربما من أثر المدفأة في الشتاء ، حقـًا إنها لم تلمسها يد امرأة قط . وأقبل علينا الأستاذ " النفاخ " وقد جلس على أريكته بوجه يطفح بالبِشر ، وشعرت أنه قريب مني حقـًا ، فنظرت إليه ، ولكني لم أقو على التحديق في عينيه ، كانت عيناه الزرقاوان من تلك العيون التي لا تحتمل أن تنظر إليها أو تنظر إليك .. عينان مفعمتان بمعاني الرجولة الحقة ، والعجيب حقـًا أنك تشعر حيالهما بجمال عذب ، كلما واتتك الشجاعة ، واختلست نظرةً إليهما . ومع أننا كنا في أوائل العشرينيات من عمرنا ، نحبو في أولى خطواتنا في طريق العلم ، والأستاذ في السابعة والأربعين ،فقد راح يحدثنا في بعض مباحث اللغة الدقيقة، وكأننا أساتذة حقـًا نفهم عنه ما يقول . وتوالت زياراتي له عند الأصائل في بيته ، وكان بيته في ذلك الوقت مثابة لطلاب الجامعة ومحبي العربية ، ما إن يدخل زائر حتى يُقرع الجرس لقدوم زائر جديد ، وتغص الغرفة على صغرها بالزوّار ، فتراهم حين تضيق بهم الأرائك يفترشون الأرض متزاحمين ،منصتين للأستاذ غاية الإنصات. كان المستمع إليه أول مرة لا يكاد يتبين حروف كلماته ، فقد كانت تخرج من فيْه عميقة ممتلئة ، يكاد يدخل بعضها في بعض ، ولكن إن أرهفت السمع واعتدت الإنصات ، فإنك سامعٌ لغةً لا عهد لك بها ، لغة فصيحة سهلة دقيقة ، تصيب المعنى بأوجز لفظ ، لغة تنقلك إلى ذلك العصر الذهبي الذي كان من أعلامه المبرِّد وابن جني وأبو علي الفارسي . لغة أُشْربتها روحُ الأستاذ ، فلا ينفك عنها أو تنفك عنه ، ويتبدّى لك من خلالها فهمُ الأستاذ العميق لأسرار هذه اللغة ، وعشقه لها ، وناهيك به فهمـًا أنه كان من قلة قليلة قد أحاطت بكتاب سيبويه علمـًا . وكثيرًا ما كان يعرّج في أحاديثه على كتاب من كتب تراثنا ، وقد حقق ، فكنت تراه وهو يقلب صفحاته قد ملأ هوامشه باستداركاته وتعقيباته بخطه الدقيق الواضح الجميل . عَلَمٌ لا يجاري !! *وفاته: توفي النفّاخ في دمشق ودفن في مقبرة الروضة على سفح جبل قاسيون مجاوراً ابن مالك (ت672هـ)،توفي فجر يوم الحمعة 11 شعبان 1412 هـ الموافق 22 فبراير 1992. ---------------------------- 1-من شوامخ المحققين ... أستاذنا علامة الديار الشامية أحمد راتب النفّاخ الألوكة مقال للدكتور مروان الظفيري: http://majles.alukah.net/t3099/ 2-أستاذنا علامة الديار الشامية أحمد راتب النفّاخ: ملتقى أهل التفسير مقال للدكتور مروان الظفيري: https://vb.tafsir.net/tafsir6741/#.WbYZ3WgweSo 3-الموسوعة العربية: https://www.arab-ency.com/ar/%D8%A7%...A7%D8%AA%D8%A8 4-من رجالات دمشق / أحمد راتب النفاخ ... معلم الإتقان بقلم د. محمد حسان الطيان صحيفة الرأي: http://www.alraimedia.com/ar/article...23/39011/nr/nc 5-أحمد راتب النَّفَّاخ ...حجّة العلم وتواضع العالم بقلم الأستاذ إبراهيم عمر الزيبق: http://articles.islam***.net/media/i...lang=A&id=1713 6- الموسوعة الحرة: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3...81%D8%A7%D8%AE |
عالم العربية أحمد راتب النفاخ (1346 - 1412) (1927 - 1992)
الكاتب وأحمد راتب النفاخ في منزله 24/08/2007 إعداد: فرحان عبدالله الفرحان أول مرة تعرفت فيها على هذا العالم الجليل في منزل الاستاذ المرحوم محمود شاكر. ومنزل الاستاذ شاكر مثل الديوان يضم نخبة من ابناء البلاد العربية التي جاءت إلى مصر لدراسة الدكتوراه او المرحلة الجامعية. ولقد سعدت بصحبة الاستاذ محمود شاكر سنوات تعرفت في منزله على اشخاص كثر منهم الاستاذ احمد النفاخ الذي زرته في شقته في القاهرة واول مرة وقتها اتعرف على 'الفول المدمس' وكان يشتغل في رسالة الدكتوراه، وكان يتردد على منزل استاذه محمود شاكر دائما يسأل عنه استاذ محمود اذا تغيب. واذكر في احدى الليالي عندما زرت الاستاذ شاكر وجدت عنده مجموعة من العلماء ومن بينهم الاستاذ احمد راتب النفاخ وشخص من بيت الشوا والاستاذ الدكتور شاكر الفحام. وبعد جلوسي قليلا نهضت كأنني اريد ان استأذن من عندهم وفجأة التفت الى الاستاذ شاكر رحمه الله وقال: مالك يا فرحان، ايه ده، لسه واصل اين متجه مالك هذه السرعة؟ وكنت قد اعددت النكتة فقلت له: ذاهب اشتري لكم لحمة. استغرب استاذ شاكر وقال: وتعمل فيها ايه اللحمة؟ فقلت له: ما دام عندكم الفحام والنفاخ والشوا فإنها فرصة ذهبية لكي آتي باللحمة. وهنا عندما سمع الشيخ محمد الياقوري وزير الاوقاف في مصر الاسبق ما قلت وعرف حبكة النكتة أخذ يضحك وتركوا الحديث الذي كانوا يتناقشون فيه وابتدأوا يتجهون الى نكت 'الفحام والنفاخ والشوا' واللحمة وأنا جالس بكل هدوء وبرود فقلت لهم: فرصة ذهبية ان نستغل وجود هؤلاء. كان المرحوم احمد راتب النفاخ دائما عندما كنت ازوره في منزله في دمشق يذكرني بهذه النكتة والصحبة التي قضاها مع استاذنا المرحوم محمود شاكر، الصحبة الطيبة التي استفاد منها الجميع. رحمك الله يا ابا فهد ورحمك الله يا ابا عبدالله راتب. أتذكر في أحد الأيام سألته عن القراءات في العصر الحالي الذي نعيش فيه والقراءة في العالم جغرافيا فروى لي التالي: في المشرق: قراءة العامة على عاصم رواية حفص وامتدت مع نفوذ الدولة العثمانية. مصر والشام: قراءة أبي عمر. ويقول كانت قراءة أبي عامر في أواخر القرن الخامس الهجري. الكتب التي كانت في القرن الذي عاش فيه ابن القيم تعتمد تفسير ابن كثير والجلالين مبنيا على قراءة أبي عمر في صعيد مصر قراءة أبي عمر وفي جنوب الصعيد والسودان كذلك. في المغرب المهيمن قراءة المالكية ومن أصول المالكية في المغرب قراءة نافع، وتعتبر قراءة نافع عندهم سنة وقد أخذ بها ابن مالك العالم اللغوي والعربية قراءة ورش وقالون والمتشددون في شمال افريقيا يعتمدون على قراءة ورش هذه. قراءة الكوفة تعتمد على تفسير البيضاوي ومختصر الزمخشري على قراءة أبي عمر. الطبري المؤرخ وصاحب التفسير الكبير له قراءة خاصة كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفضل لهجة قريش. سعيد بن عاصم بن أمية عندما كان يقرأ القرآن اشبه صوته بصوت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في اللهجة والقراءة. في نيجيريا الشمال يقرأون بقراءة أبي عمرو بن العلاء؟ في اليمن يقرأون على قراءة قالون لأن تفسير الإمام الشوكاني مبني على قراءة قالون. في نواحي بخارى يقرأون بقراءة ابن كثير. الإمام أحمد بن حنبل يكره قراءة حمزة والكسائي كل النحاة البصريين على قراءة ابي عمر الإدغام الكبير لابي عمر ابو عمر بن العلاء اخذ قراءته عن الحجاز. واخيرا سألته عن مصحف ابن البواب الذي وجد في جستربيتي في ايرلندا فقال اطلعت عليه وهو على قراءة ابي عمر بن العلاء. هذا ملخص احد اللقاءات الكثيرة مع هذا العالم النفاخ، وهنا نقول من هو النفاخ وخير ما يغنينا ذيل الاعلام الذي اخرجه د. نزار اباضة ومحمد رياض المالح في صفحة 36 التالي: احمد راتب بن مرسي النفاخ: عالم، باللغة والادب. ولد بدمشق وتوفي بها واصل اسرته من بعلبك، ونال اجازة اللغة العربية من جامعتها وعين مدرسا بها مدة، ثم اوفد الى القاهرة فحصل على الماجستير، ولازم هناك استاذه محمود شاكر. وسجل لنيل درجة الدكتوراه بموضوع القراءات، ثم عزفت نفسه عن المتابعة فأهمل الاطروحة التي كاد يتمها، وعاد مدرسا بجامعة دمشق حتى احيل على التقاعد، فتفرغ للعمل في مجمع اللغة العربية بدمشق. وهو من اعضائه العاملين. اشتهر بفقه اللغة، اثاره قليلة، منها 'ديوان ابن الدمينة' تحقيق ودراسة وهو رسالة الماجستير، 'القوافي' للاخفش، 'فهرس شواهد سيبويه'، 'مختارات من الشعر الجاهلي'. ومن مخطوطاته المحققة التي لم تنشر 'معاني القرآن' للاخفش، 'معاني القراءات' للازهري، 'طبقات القراء' للذهبي، 'الشيرازيات' و'العسكريات' لابي علي الفارسي، 'جمال القراء' و'العسكريات' لابي علي الفارسي، 'جمال القراء' للسخاوي، وله عدد من المقالات وكان حاد المزاج متقلبه شديد الهجوم على خصومه الكثيرين، امتحن في اواخر عمره. احمد راتب النفاخ الذي سعدت بصحبته سنوات طويلة وذلك ابان زيارتي الى دمشق في فصل الصيف وقد تعلمت منه الشيء الكثير، خصوصا تاريخ هذه البلاد الفيحاء دمشق: ابوابها التاريخية، الثقافة، العلم، الآثار، بلد اللغة العربية ومازالت الى هذا اليوم تحافظ على اللغة العربية. هذا احمد راتب النفاخ كما عرفت واقول رحمه الله رحمة واسعة. ولقد كان لي الحظ ان التقط هذه الصورة المرفقة في هذا البحث مع هذا العالم الجليل واكرر رحمه الله رحمة واسعة. http://www.alqabas.com.kw/Final/News...ticleID=307463 |
| الساعة الآن 06:06 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by