![]() |
من بدائع القرآن: الزمن القرآني بين الفهم البشري والمراد الإلهي
من بدائع القرآن: الزمن القرآني بين الفهم البشري والمراد الإلهي أ.د مفرح السيد سعفان من أجمل مظاهر هذا الكتاب الكريم أنك قد تجد الآية الواحدة منه يقرأها المؤمن فيزداد بها إيمانا ، ويزداد يقينا بأن هذا الكتاب الكريم هو الحق المبين. ويقرأها الكافر فيزداد بها كفرا ، ويزداد يقينا بعقيدته الفاسدة. وذلك مصداقا لقوله سبحانه : " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين " . ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالي عن يوم القيامة في أول آية من سورة النحل: " أتي أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ". فالكافر عندما يقرأ هذه الآية الكريمة يزداد كفرًا وعنادًا، ويزداد يقينًا بأن عقيدته الباطلة هي الحق المبين. لماذا؟ لأنه عندما يقرأ هذه الآية الكريمة يتوهم أن في القرآن تناقضًا وتعارضًا. إذ يتساءل : كيف يقول القرآن: أتى أمر الله ( بالفعل الماضي) ثم يقول: فلا تستعجلوه؟ أو كيف يعبر عن حدث سوف يقع في المستقبل بالفعل الماضي؟ ولا يستعمل الفعل المضارع المناسب له؟ وأنه كان يجب أن يقول القرآن : ( سوف يأتي أمر الله فلا تستعجلوه) حتى يستقيم الكلام. فيتوهم هذا السفيه أن في القرآن الكريم أخطاء في اللغة والنحو أو أخطاء في التعبير اللغوي. أما المؤمن فإنه عندما يقرأ هذه الآية الكريمة فإنه يزداد إيمانا بالله،ويزداد يقينا بأن هذا القرآن منزل من عند الله. لماذ؟ لأنه يعلم أن هذا الكتاب منزل من عند خالق الخلق ، وأن الزمن عنده سبحانه وتعالى يختلف عن الزمن عند المخلوق. فالزمن عندنا نحن البشر عبارة عن حركة الفلك الذي نعيش فيه، فالليل والنهار ناتجان عن دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس. ومنهما ينشأ اليوم فالأسبوع فالشهر فالسنة فالقرن إلى آخره.......ومن ثم ينشأ أمس واليوم وغدا وعليه كان الزمن عندنا نحن البشر ثلاثة أقسام : ماض و حاضر و مستقبل. أما الخالق سبحانه وتعالى فإنه ليس مثلنا يعيش داخل هذا الفلك ، لأن كل هذا الفلك والملك والملكوت بيده سبحانه يتحكم فيه كيفما يشاء وقتما يشاء. وعليه فالزمن عنده سبحانه هو زمن مطلق ليس فيه ماض ولا حاضر ولا مستقبل، وكل ما سوف يقع في المستقبل هو عند الله، في زمنه المطلق، وفي علمه قد وقع لا محالة، وبلا أدنى شك. وبناء على هذا فإن ظاهرة التعبير عن المستقبل بالفعل الماضي في الآية الكريمة " أتى أمر الله فلاتستعجلوه " لهي دليل قاطع علي أن هذا الكتاب منزل من عند خالق الخلق، مالك الملك سبحانه وتعالى، وأن القرآن الكريم يستعمل هذه الظاهرة لتأكيد وقوع الفعل، وأنه واقع لامحالة كما أن الفعل الماضي قد وقع لا محالة. ولعل مما يؤكد لنا ذلك أننا نجد معظم الآيات القرآنية التي تتحدث عن يوم القيامة لا يستعمل فيها إلا الفعل الماضي. مثل : - " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا.... - " وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا..... " - " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا......." -" إذا الشمس كورت...... " -" إذا السماء انشقت..... " - " إذا زلزلت الأرض زلزالها...... " وغير ذلك. وصدق الحق إذ يقول : " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ". |
| الساعة الآن 06:59 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by