![]() |
الفتوى (1200) : دلالة (لَوْلَا) في:{وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}
استدل أحد العلماء رحمه الله تعالى -كما فهمت منه- بقوله سبحانه في سورة الزخرف: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...} الآياتِ الثلاثَ على أنّ من صفات الكافرين التمتعَ بالدنيا والتنعم بها -أو ما في معناه- وسياق الآية يدل على امتناع الجواب لامتناع شرطه لطفًا بالعباد ورحمة بهم، وحال الكافرين في عصرنا يخالف ما دلت عليه الآية بحسب هذا المفهوم، وربما وقع المحذور من تسارع أكثر الناس إلى الكفر والاغترار بما عليه الكفار؛ فآمُل منكم توضيح هذه المسألة وذكر وجه التفسير الأول المفهوم من الآية، وجزاكم الله خيرًا. |
(لقد أحيل السؤال إلى أحد المختصين لموافاتكم بالإجابة قريبا). |
الفتوى (1200) : لولا الشرطية غير الجازمة عند بعض النحويين حرف امتناع لوجوب وبعضهم يقول لوجود، وثَمَّ نحويون آخرون - ومنهم المالقي في كتابه رصف المباني - لا يكتفون بهذا المعنى ، وإنما يفسرون معناها بحسب سياق الجملة الداخلة عليها لولا، ويجعلون لها معاني بحسب ذلك؛ منها أن تكون حرف امتناع لوجوب أو حرف وجوب لامتناع أو حرف وجوب لوجوب أو حرف امتناع لامتناع. وعلى وفق ذلك قد يُنظَر إلى آية الزخرف التي أشار إليها السائل الفاضل في قوله سبحانه: ﴿وَلَولا أَن يَكونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلنا لِمَن يَكفُرُ بِالرَّحمنِ لِبُيوتِهِم سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيها يَظهَرونَ} بحسب تأويل العلماء لهذه الآية وما بعدها وبحسب تفسيرهم وتقديرهم للمعنى، فقد تكون حرف امتناع لوجوب إذا قُدِّر المعنى بحسب توجيه الشنقيطي في أضواء البيان: "لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة متفقة على الكفر، لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار". أو بحسب ما نص عليه ابن عاشور في التحرير والتنوير بقوله: "(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ دَلَّ امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُقُوعِ شَرْطِها، فَيَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرادَ امْتِناعَ وُقُوعِ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أيْ أرادَ الِاحْتِرازَ مِن مَضْمُونِ شَرْطِها". وإن كان في نص ابن عاشور ما يدل على امتناعٍ لامتناع لا على امتناع لوجود مع احترازه في آخر عبارته. وقد تكون لولا في الآية حرف امتناع لامتناع إذا وُجِّهت الآية على توجيه البغوي في تفسيره: "لولا أن يصيروا كلهم كفارًا فيجتمعون على الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة "؛ لهوان الدنيا وحقارتها فتُعطَى لمن رضي بالدناءة والحياة الفانية وإن زُخرِفت وجُمِّلت. وعلى معنى امتناعٍ لامتناع في لولا قد يُحمَل تأويل الحسن البصري الذي ذكره القرطبي في تفسيره بقوله: "قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم الى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفنا؛ لهوان الدنيا عند الله عز وجل، وعلى هذا أكثر المفسرين" . فامتُنِعَ إعطاء الكفار كلِّهم في الدنيا هذه الأوصاف لامتناع كفر الناس جميعًا؛ إذ لو كان الناس كلُّهم كافرين لأُعطيت لهم زخارف الدنيا الهينة عند الله؛ لأنها لا تساوى شيئًا أمام نعيم الآخرة الخالد. فسياق تفسير الآية مع مراعاة ما قبلها مما يدل على حقارة الدنيا وعظم شأن الآخرة في قوله سبحانه: {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} يحتمل في توجيه معنى لولا أن تكون حرف امتناع لوجوب أو ما يسميه بعضهم لوجود، ويحتمل أن تكون حرف امتناع لامتناع. غير أن المفسرين يكادون يتفقون على أن آيات الزخرف التي أشار إليها السائل الكريم جاءت في سياق الدلالة على حقارة الدنيا عند الله - سبحانه وتعالى - وعلى هوانها، فيُعطَى الهيِّنُ للهيِّنِ ولغير الكريم عند الله سبحانه وتعالى، وليس في الآيات ما يدل على أن صفات الكافرين التمتع بالدنيا والتنعم بها، وإن كانت الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن بحسب مآل كل واحد منهما إلى آخرته. يقول الشنقيطي في أضواء البيان: "بيّن - سبحانه - حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر في نعيم الدنيا بقوله: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة؛ أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة متفقة على الكفر، لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار. ولكننا لعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا وحبها لها، لو أعطينا ذلك كله للكفار لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفارًا، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنيًّا وفقيرًا، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا". وهذا عينُه - مع التوضيح والتفصيل- الذي نقله المفسرون عن الكسائي بقوله : "المعنى لولا أن يكون في الكفار غني وفقير وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها". والله أعلم. اللجنة المعنية بالفتوى: المجيب: د. أحمد البحبح أستاذ النحو والصرف المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن راجعه: د. وليد محمد عبد الباقي أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية والدراسات الاجتماعية بجامعة القصيم رئيس اللجنة: أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي (رئيس المجمع) |
| الساعة الآن 02:31 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by