منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   التعليل بكثرة الاستعمال في اللغة العربية (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=21366)

مصطفى شعبان 04-08-2017 07:32 AM

التعليل بكثرة الاستعمال في اللغة العربية
 
التعليل بكثرة الاستعمال في اللغة العربية
د.مازن جرادات


ملخص البحث

من المسلمات التي لا يختلف عليها اثنان، أن اللغة كائن حي ينمو ويتطور بفعل الزمن، فهي تحيا على ألسنة المتكلمين بها، وتعيش في أحضان المجتمع تستمد كيانها منه، من عاداته وتقاليده وسلوك أفراده، فترقى برقيه وتنحط بانحطاطه.

واللغة نتيجة حتمية للحياة، وجدت من أجل التفاهم والتواصل، لذا فهي ظاهرة اجتماعية في مختلف عناصرها، الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية.

وكثرة الاستعمال تؤدي بالضرورة إلى كثير من التطورات والتغييرات، التي تطرأ على الألفاظ تيسيراً لنطقها، وتهيئ الطريق إلى سيادة لهجة من اللهجات أو لغة من اللغات، والذي يحكم ذلك عنصر الانتقاء والاختيار من قبل أفراد المجتمع.

والذي أريد أن أؤكده في هذا البحث أن كثرة الاستعمال التي أقصد هي الظاهرة التي حكمت كثيراً من أبواب اللغة الفصيحة، والعلة التي عللت بها كثير من الظواهر، وذلك في عصور الاحتجاج، فلا تأثير لكثرة الاستعمال في العربية الفصيحة في ما بعد عصور الاحتجاج، وإلا ضاعت اللغة باختلاف الأهواء وكثرة الناطقين بها إذ تسود بينهم فيهم لهجة ما ولا سيما اللغة المنطوقة.

التطور اللغوي المطلق غير المقيد بزمن مقبول في غير العربية، بل هو القاعدة التي تتحكم بمصائر لغات الناس ولكن العربية ذات حالة خاصة متميزة فهي لغة مرتبطة بكتاب الله العظيم، القرآن الكريم، فلا مجال للقياس على ما يحدث من تطور لهجي في العصور الحديثة، ومن هذا الارتباط اكتسبت حيويتها التراثية العريقة تسير معه حيث سار، فهي حية ما وجد القرآن الكريم.

واتبعت في هذا البحث منهجاً يقوم على تناول علة كثرة الاستعمال، فبينت قيمتها، وتناولت أمثلة تطبيقية، صرفية ونحوية ودلالية وأدخلت القراءات القرآنية، لأن فيها اختياراً للقراءة التي قرأ بها كثير من القراء، أما التي قرأ بها القلة من القراء فهي قراءة صحيحة، وليست شاذة، فالقراءات الشاذة لها شأن آخر.

كثرة الاستعمال؛ تعريفاً وأهمية:

«استعمل» من (عمل)، و«استعمله» طلب إليه العمل، و«اعتمل» اضطرب في العمل، ورجل عَمِل أي مطبوع على العمل، و«استعمله» عمل به فهو مستعمل([1]).

قال الأزهري([2]): «استعمل فلان اللَّبِنَ أي بنى به بناء».

وقياساً على ذلك فالاستعمال اللغوي هو شيوع الظاهرة والعمل بها بكثرة، وليس المقصود بالاستعمال اللغوي الشيوع في كل عصر، بل هو مقيد بعصر الاحتجاج، وهذا يدفع اللهجات المتغيرة حسب قوانين التطور على مر العصور.

إن الاستعمال اللغوي علة قوية تعلل بها الظواهر اللغوية. وهي من التمكن والقوة ما يجعلها تقدم على القياس عند تعارضهما، قال ابن جني([3]): «إذا تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال قدم ما كثر استعماله، وإن كان شاذاً عن القياس» واستشهد ابن جني على ما قال بلغة الحجاز (لهجتها) التي تقوى على لهجة تميم لأنها أكثر استعمالاً منها، لذا نزل بها القرآن الكريم، وإن كانت التميمية أقوى قياساً([4])، قال تعالى: ?ما هذا بشراً?([5])، وقال تعالى ?ما هنّ أمهاتهم?([6]) فـ (ما) في الآيتين حجازية([7]).

وقد اعتمدت علة كثرة الاستعمال في كثير من أبواب العربية لتعليل الظواهر اللغوية، صرفاً ونحواً ودلالة. قال السيوطي([8]): «كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية». ولعلة وثيقة غير واهية، نقل السيوطي عن صاحب المستوفى قوله: إذا استقريت أصول هذه الصناعة علمت أنها في غاية الوثاقة، وإذا تأملت عللها عرفت أنها غير مدخولة ولا متسمح فيها.

ودافع السيوطي عن علل النحويين، ووصف من ضعّف عللهم بغفلة العوام.

قال: وأما ما ذهب إليه غفلة العوام من أن علل النحو تكون واهية ومتمحلة.

واستدلالهم على ذلك بأنها أبداً تكون هي تابعة للوجود لا الوجود تابعاً لها. فبمعزل عن الحق، وذلك أن هذه الأوضاع والصيغ وإن كنا نحن نستعملها فليس ذلك على سبيل الابتداء والابتداع، بل على وجه الاقتداء ولا بد فيها من التوقيف([9]).

والحس والطبع هما الحكم في علل النحويين، وهي بذلك تختلف عن علل الفقه، قال ابن جني: اعلم أن علل النحويين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفتها على النفس وليس كذلك علل الفقه. ثم قال: «فجميع علل النحو إذاً مواطئة للطباع» ثم بين أن النحو كله أو غالبه مما تدرك علته وتظهر حكمته([10]) قال:

«والذي دعا العلماء إلى اعتماد هذه الظاهرة وإدخالها في منهج التعليل وعيهم لحقيقة ثابتة، وهي أن التراكيب اللغوية حين يكثر استعمالها تدخلها تغييرات لا تدخل غيرها، وذلك لضرب من التخفيف والتسهيل». قال سيبويه([11]) «وهم إلى تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج». وقد عرف المحدثون هذه الظاهرة وأسموها بقانون الاقتصاد اللغوي، وذكروا أن استعمال العبارة بكثرة يجعلها معروفة مفهومة، ولهذا لا يجد المتكلم حرجاً في أن يقتصد في لفظها([12]).

والأمثلة التي عللت بهذه الظاهرة كثيرة في كتب النحو والقراءات، ولا سيما كتب الاحتجاج للقراءات، كثرة بينة([13]).

وسأتناول أمثلة تطبيقية على أبواب مختارة ـ أغلبها من كتاب سيبويه ـ وفق منهج الدرس اللغوي، (الأصوات والصرف، والنحو، والدلالة)، وذلك بأمثلة محددة وليس على سبيل الاستقصاء.

ضرب سيبويه مثالاً على هذه الظاهرة معللاً بها، وهو قول العربي (لاهِ أبوك)، فأصله (لله أبوكِ)، ولكنهم حذفوا الجار والألف واللام تخفيفاً على اللسان، ونسب القول للخليل، ثم بين أن هذا (حذف الجار) ليس طريقة الكلام ولا سبيله، وليس كل جار يضمر، لأن المجرور داخل في الجار، فصار عندهم بمنزلة حرف واحدٍ فمن ثم قبح، ولكنهم قد يضمرون الجار فيما كثر من كلامهم، وذكر سيبويه أيضاً (لهيِ أبوك) ونسب القول لبعضهم: «(لهيِ أبوك)، فقلب العين وجعل اللام ساكنة، إذ صارت مكان العين كما كانت العين ساكنة، وتركوا» آخر الاسم مفتوحاً كما تركوا آخر أين مفتوحاً. وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروه([14]).

وقال سيبويه على لسان الخليل أيضاً: عندما ترى رجلاً قاصداً إلى مكان أو طالباً أمراً تقول: (مرحباً وأهلاً) أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه، وكأنه صار بدلاً من رحبت بلادك وأهلت([15]). والمتكلم العربي بكثير من استعمال النداء، لذا قد تحذف العرب ياء الإضافة من المضاف إليه لكثرة الاستعمال، كقوله تعالى: «يا ابن أمّ»([16]).

وقال سيبويه: قال الخليل([17]): «وقالوا يا ابن أمّ» و«ابن عمّ» فجعلوا ذلك بمنزلة اسم واحدة لكثرة هذا في كلامهم.

وقال ابن يعيش في باب (كان)([18]): «كان» مقدمة لأنها أم الأفعال لكثرة دورها وتشعب مواقعها. وعلل الاسترابادي حذف النون من (يكن) ـ في حالة الجزم ـ بكثرة الاستعمال، قال([19]): «وقد يحذف لام (يكن) للجزم تشبيهاً لنونها بالواو فحذفت، مع أنه قد حذف قبل حركتها للجزم، وذلك لكثرة استعمالها».

وعلق ابن عقيل على هذه المسألة قائلاً: «والقياس يقتضي أن لا يحذف من (يكن) شيء، فحذف النون لكثرة الاستعمال، ووصف هذا الحذف بأنه جائز([20]). أما السيوطي فإنه لم يعترف بالتخفيف كعلّة لحذف النون، بل يقول: «إن المسوغ للحذف هو كثرة الاستعمال»([21]).

قضايا نحوية:

وفي القسم:

القسم مما يكثر استعماله ويتكرر في الكلام لأنه ضرب من التوكيد، لذلك بالغت العرب في تخفيفه من غير جهة واحدة. قال الزمخشري [22]) «ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التصرف فيه وتوخوا ضروباً من التخفيف» وفصل ابن يعيش هذه الضروب فذكر منها: حذف حرف القسم مع اسم الله تعالى، وحذف فعل القسم كثيراً للعلم به والاستغناء عنه فقالوا: بالله لأقومنّ، والمراد: أحلف بالله، قال تعالى: ?بالله إن الشرك لظلم عظيم?([23]) (بالله): في أحد الوجهين هو قسم، والآخر: يتعلق بقوله: ?لا تشرك بالله?. وحذف القسم به، لدلالة الفعل عليه، يقولون: أقسم لأفعلنّ، والمعنى: أقسم بالله. هذا الحذف كان لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب بالمراد، ومنه قول الشاعر([24]):
فأقسم أن لو التقينا وأنتم


لكان لكم يوم من الشر مظلمُ



ومن ذلك حذف الخبر من جملة الاسمية نحو لعمرك، فالخبر محذوف تخفيفاً، وكذلك أيمن وتصرفهم فيها، وأن همزتها همة قطع تحولت إلى همزة وصل بسبب كثرة الاستعمال، وهذا الرأي كما يقول ابن يعيش لابن كيسان وابن درستويه، ولكنه يرى أنها همزة وصل كهمزة لام التعريف([25]). وقال السيوطي: يجوز حذف حرف القسم في اسم الله من غير عوض، ولا يجوز في غيره، لأن الشيء إذا كثر كان حذفه كذكره([26]).

ومما حذف لكثرة الاستعمال ياء المتكلم عند الإضافة، وقولهم: (ايش هذا) وحذف الاسم في: لا عليك، أي لا بأس عليك، والتخفيف في (قد) و(قط) إذ أصلهما التثقيل لاشتقاقهما من قددت الشيء وقططت، وقولهم: الله لأفعلن بإضمار حرف الجر، أما (ايش)، فإن الأصل: (أي شيء)، فخففت الهمزة وألقيت حركتها على الياء، فتحركت الياء بالكسرة فكرهت الكسرة فيها فأسكنت فلحقها التنوين فحذفت لإلتقاء الساكنين([27]).

في قوله تعالى:

?خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم?([28]).

كان الاختلاف بين القراء في كلمة (صلاتك)، فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم ـ برواية أبي بكر ـ (صلواتك) بالجمع، وقرأ عاصم ابن أبي النجود برواية حفص: (صلاتك) على التوحيد، وكذلك قرأها حمزة والكسائي([29]).

وأجمع القراء على قراءة (صلاتك) بالإفراد في سورة (الأنعام 22)، ومن قرأ بالإفراد في هذه الآية (التوبة 103) احتج بقراءة الإفراد في (الأنعام 22)، ومن قرأ بالإفراد احتج بقراءة الإفراد في الإنعام المجمع عليها، واختار الفراء قراءة (صلاتك) وذلك لعلة كثرة الاستعمال([30]).

فقراءة (الصلاة) أكثر استعمالاً من قراءة (الصلوات).

ونص النسفى في تفسيره على ما قال الفراء، من أن علة القراءة بالإفراد هي الكثرة، قال([31]) «والصلاة أكثر من الصلوات لأنها جنس» هذا وقد تتبعت([32]) الآيات القرآنية التي ذكرت (الصلاة) و(الصلوات) فوجدت أن (الصلاة) بـ بالإفراد ـ أكثر من (الصلوات) بالجمع، فقد بلغت الآيات التي أفردت (الصلاة) سبعاً وسبعين آية، في حين بلغت الآيات التي (جمعت) (الصلوات) خمساً فقط.

وفي قوله تعالى: ?لمن أراد أن يتم الرضاعة? (البقرة 233).

اختلف القراء في فتح الراء وكسرها في كلمة (الرضاعة) * والقراء السبعة جميعهم قرؤوا (الرّضاعة) أما قراءة (الرِّضاعة) فكانت لأبي رجاء، وهي من القراءات الشاذة. فقراءة الفتح هي قراءة الجمهور، قال الفراء: القراء تقرأ بفتح الراء، وقال الأخفش: إن قراءة (الرضاعة) في كل شيء مفتوحة، وقال أبو حيان: هي قراءة الجمهور([33]).

ذهب الأخفش إلى أن قراءة (الرِّضاعة) ـ بالكسر ـ لهجة تميم، إذ كانت من الارتضاع، والرَّضاعة والرِّضاع واحد، ولا يعرفهما البصريون إلا بهذا الضبط، أما الكوفيون فيقولون: الرضاعة والرضاع([34]).

من هذا يبدو أن قراءة (الرَّضاعة) ـ بالفتح ـ هي المشهورة إذ قرأ بها القراء السبعة، أما (الرِّضاعة) ـ بالكسر ـ فهي قراءة شاذة وهي لغة، ولكنها لم تشتهر لقلتها، قال أبو حيّان الأندلسيّ([35]): (وهي لغة كالحَضَارة والحِضَارة).

وفي قوله تعالى: ?فاتخذتموهم سِخْريّا?([36]).

اختلف القراء في ضم السين وكسرها (سخريا)، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (سِخْريّا) ـ بالكسر. و(سُخرّيا) قراءة نافع وحمزة والكسائي([37]). ذكر الفراء أن (سخريا) ـ بالضم ـ هو من السخرة، وسخريا ـ بالكسر ـ من الهزؤ، وإلى هذا ابن خالويه ومكي ابن أبي طالب([38]) وفضل الفراء قراءة الضم لكثرة الاستعمال، ونسب هذه اللغة إلى الحجاز([39]) وذكر أبو زرعة حجة من قرأ (سُخريّا) ـ بالضم ـ وهي إجماع القراء على الضم في قوله تعالى: (ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريا)([40]) فالإجماع أولى من الاختلاف في الإتباع، فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه أولى([41]).

مصطفى شعبان 04-08-2017 07:33 AM

أما النسفي فقد عَدَّ (سخريا) ـ بضم السين وكسرها ـ مصدر (ساخر) أي اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين([42]). وذكر ابن حسنون بإسناده عن ابن عباس أن (سخريا) ـ بالضم ـ لغة تميم، وبالكسر لغة قريش([43])، وأكد ذلك أبو حيان الأندلسي بوضوح، فقال نقلا عن يونس: «إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد الهزؤ فالضم والكسر([44]) فيونس يبين أن القراءتين أريد بهما الهزؤ، وهذا يصح على قوله تعالى في الزخرف» ليتخذ بعضهم بعضاً (سُخريا)([45]) ، فالضم معناه الاستخدام، وأجمع السبعة على الضم (في الزخرف). ولأن القراءتين متواترتان وجاءتا على لغات العرب فأنا أميل مع المذهب الذي يجوز القراءتين.

مما تقدم يتبين أن كثرة استعمال القراءة وشيوعها دفع العلماء لاختيارها؛ لأن القاعدة عندهم: اتباع المجمع عليه. ولا سيما في القرآن الكريم، فقد قرئ بقراءات عدة اختار العلماء منها القراءات السبع، والعشر والأربع عشرة([46]) واليوم قراءة حفص عن عاصم هي المشهورة في كثير من البلدان في المشرق.

(حذف الخبر بعد لولا): «لولا» من الحروف التي تدخل على جملتين، إحداهما مبتدأ وخبر والأخرى فعل وفاعل، فتعلق إحداهما بالأخرى. وتربطها بها، فتصيران كالجملة الواحدة، تقول: لولا الماء لمات الأحياء، نلاحظ أن الجملة الثانية (لمات الأحياء) ارتبطت بالجملة الأولى، فصارتا كالجملة الواحدة، إلا أنه حذف خبر المبتدأ من الجملة الأولى وهو كون عام لكثرة الاستعمال، وقد وضح ابن يعيش هذا فذكر أنك إذا قلت: لولا زيد لخرج محمد كان تقديره: لولا زيد حاضر أو مانع، ومعناه أن الثاني امتنع لوجود الأول، وليست الجملة الثانية خبراً عن المبتدأ إنما اللام وما بعدها كلام يتعلق بلولا وجواب لها، وتقول: زيد قائم خرج محمد، فهاتان جملتان إحداهما مبتدأ وخبر والأخرى فعل وفاعل، فإذا أتيت بلولا وقلت: لولا زيد قائم لخرج محمد، ارتبطت الجملة الثانية بالأولى، فصارتا كالجملة الواحدة، لا أنه حذف خبر المبتدأ من الجملة الأولى لكثرة الاستعمال حتى رفض ظهوره ولم يجز استعماله([47]).

بناء «أين وثم، إن وأخواتها على الفتح»:

قال ابن يعيش: «أين وجب أن تبنى على السكون لوقوعها موقع همزة الاستفهام إلا أنه التقى في آخره ساكنان فحركت النون لاجتماعهما، وفتحت طلبا للخفة واستثقالا للكسرة بعد الياء فآثروا تخفيفها لكثرة دورها وسعة استعمالها»([48]).

ونقل السيوطي عن ابن عصفور قوله: إنما بنيت «أين وثم، وإن وأخواتها» على الفتح لكثرة الاستعمال، إذ لو حركت بالكسر على أصل التقاء الساكنين لانضاف ثقل الكسرة إلى ثقل الياء في (أين)، وإلى ثقل التضعيف في (ثم)، وإلى ثقل التضعيف في «إن وأخواتها» وإلى الياء في (ليت)، وبذلك يؤدي إلى استعمال الثقيل بكثرة([49])، وهذا لا يتناسب مع منطق اللغة.

وقاسوا على (أين) بالبناء على الفتح (لَهيَ) في (لهي أبوك) ولزوم حال واحدة في (أمسٍ)، قال سيبويه([50]): (وقال بعضهم: لهي أبوك.. وتركوا آخر الاسم مفتوحاً كما تركوا آخر (أين) مفتوحاً، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروه)، وقال عن (أمسٍ)([51]): (وسألته (أي الخليل) عن أمسٍ اسم رجل؟ فقال: مصروف لأن أمس ليس ها هنا على الحد ولكنه لما كثر في كلامهم وكان من الظروف تركوه على حال واحدة كما فعلوا ذلك بأين.

(حذف الفعل في باب التحذير)

المنصوب على التحذير ينصب بفعل مضمر لدلالة الحال عليه، وظهور معناه، وكثر ذلك محذوفاً حتى لزم الحذف، وصار ظهور الفعل في من الأصول المرفوضة، فمن ذلك قولهم: إياك والأسد([52]). قال السيوطي نقلاً عن النحاس: إنما لزم إضمار الفعل في باب التحذير لكثرته في كلامهم، ونقل عن الرماني أيضاً أن التحذير مما يخاف منه وقوع المخوف فهو موضع إعجال لا يحتمل تطويل الكلام لئلا يقع المخوف بالمخاطب قبل تمام الكلام([53]).

الذي

الذي اسم موصول وما بعده جملة الصلة، وقد جرى حذف في هذا الاسم لكثرة الاستعمال، ووصف السيوطي هذه العلة بالعلة المركبة([54])، وفصل الزمخشري هذا فذكر أن العرب لاستطالتهم هذا الاسم بصلة مع كثرة الاستعمال خففوه من غير وجه فقالوا: اللذ بحذف الياء ثم اللذ بحذف الحركة (بتسكين الذال)، ثم حذفوه رأساً واجترؤوا بلام التعريف في أوله، وقد فعلوا مثل ذلك في (التي) فقالوا: اللتِ واللت، والضاربته هند، أي التي ضربته هند، وقد حذفوا النون من مثناه ومجموعه قال الأخطل:
أبني كليبٍ إنّ عَمَّيَّ اللذا

قتلا المُلوكَ وفَكّكا الأغلالا([55])

ـ والبيت في ديوانه (ص82) من نقيضة يهجونها جريراً.

تقديم الظرف

العرب تتصرف في الظرف كثيراً فتخصه بالتقديم، بسبب كثرة استعماله، قال السيوطي نقلاً عن ابن يعيش: توسعوا ـ أي العرب ـ في الظروف بالتقديم والفصل، وخصوها بذلك لكثرة الاستعمال، والكلمة إذا كثر استعمالها جاز فيها من التخفيف ما لم يجز في غيرها([56]).

(السين وسوف)

سوف حرف تنفيس يختص بالفعل المضارع، يخلصه للاستقبال كالسين([57])، وروى السيوطي أن بعض النحويين يقول: إن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع، ولكن المازني رد هذا القول بالاستدلال بعدم النظير فلا يوجد عامل في الفعل يدخل عليه اللام، وقد قال تعالى: ?ولسوف يعطيك ربك فترضى?([58]).

وفي (سوف) لغات كما حكى الكوفيون، وهي: سف، وسو، سي. أما (السين) فهو حرف برأسه، أو منقطع من (سوف) وفي ذلك خلاف بين البصريين فهو حرف برأسه، أو منقطع من (سوف) وفي ذلك خلاف بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يقولون: إنها أصل برأسه، والكوفيون يقولون: إنها منقطعة من (سوف)، ولكل حججه وأدلته([59]).

وكما اختلفوا في بنيتها اختلفوا في دلالتها، فالبصريون يقولون إن «سوف» أبلغ من «السين». لأنها تخلص الفعل المضارع إلى الاستقبال المنفسح، والكوفيون يقولون: إنهما متساويان في الدلالة على المستقبل([60]). ولا بد من الإشارة إلى مذهب الكوفيين الذي يعد (السين) متطورة عن (سوف) فقد جرى على (سوف) تطور صوتي بسبب كثرة الاستعمال حتى أصبحت تنطق: (سو)، و(سف)، و(سا) و(س)([61]).

وقال ثعلب: سوف يكون ذاك، وسف يكون ذاك، وسيكون وسو يفعل، وسوف يفعل([62]).

وجاء في لسان العرب أن سوف كلمة معناها التنفيس والتأخير، ونقل ابن منظور عن سيبويه: لا يفصل بينها وبين أفعل في (سوف أفعل)، لأنها بمنزلة السين من (سيفعل)، وقد قالوا: (سو يكون) فحذفوا اللام، و(سا يكون) فحذفوا اللام وأبدلوا العين طلب الخفة، و(سف يكون) فحذفوا العين كما حذفوا اللام([63]).

أما ابن مالك فيرى أن التراخي في (سوف) ممنوع، وذكر أن الماضي والمضارع متقابلان، وإذا كان الماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي، فكذلك المستقبل، ليجري المتقابلان على سنن واحد، ويرى أن التفاوت بين السين وسوف في الاستقبال مردود وعلل ذلك بتعبير العرب عن المعنى الواحد الواقع في الوقت الواحد بـ (سيفعل)، و(سوف يفعل)، ويورد ابن مالك ما جاء عن العرب من أن (سف، وسو، وسي) فروع مأخوذة من (سوف)، وذكر بأنهم ـ أي العرب ـ زعموا أن السين أصل برأسها، غير مفرعة عن (سوف)، ولكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون التوكيد الثقيلة، ويرى أن هذا تكلف ودعوى مجردة من الدليل، والأفضل أن تكون (السين) جزءاً من (سوف)، كسف، وسو، وسي ـ عند من أثبتها ـ، ويكون هذا التصرف في (سوف بالحذف شبيهاً بما فعل بـ (أيمن الله) في القسم حين قيل: أيمُ الله، وأم الله، ومن الله، م الله، وقريباً من قولهم في حاشا: حاش، وحشا.. وأورد ابن مالك قول بعضهم: لو كانت السين بعض سوف لكانت مدة التسويف بهما سواء، وليس كذلك بل هي بسوف أطول فكانت كل واحدة منهما أصلاً برأسها. ويرد ابن مالك هذا القول أيضاً بالقياس والسماع، فالقياس: أن الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي، دون تعرض لقرب الزمان وبعده، ليجري المتقابلان على سنن واحد، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل تصحيح لذلك فصار المصير إليه أولى. أما السماع فعبر بسوف يفعل وسيفعل عن المعنى الواحد في وقت واحد فصح في ذلك توافقهما وعدم تخالفهما، فمن ذلك قوله تعالى: ?وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً?، وقوله تعالى: ?فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل? وقوله تعالى ?كلا سيعلمون? و?كلا سوف يعلمون? ومنه قول الشاعر:
وما حالة إلا سيصرف حالها

إلى حالة أخرى وسوف تزول

فهذا كله صريح في توافق: سيفعل وسوف يفعل، في الدلالة على مطلق الاستقبال دون تفاوت في قرب وبعد([64]).

وهذه ظاهرة شائعة في كل اللغات السامية وسماها الدكتور رمضان عبد التواب بـ بلى الألفاظ([65]).

وهذه الظاهرة (بلى الألفاظ) انسحبت على كثير من الألفاظ ولا سيما الأدوات المستعملة كثيراً في اللغة، وكذلك عبارات التحية مثل: عم صباحاً، والتي تطورت عن أنعم صباحاً و«مُ الله» التي تطورت عن «أيمن الله»([66]).

في (هلمّ)

(هلم) اسم فعل بمعنى: ائت، وتعال، وهو مركب من حرف التنبيه مع (لمّ) أي، لمّ بنا حذف من (ها) ألفها عند البصريين، والحذف بسبب كثرة الاستعمال، قال الخليل: «هي مركبة وأصلها عنده (ها) للتنبيه، ثم قال (لمّ) أي لمّ بنا، ثم كثير استعمالها فحذفت الألف تخفيفاً». وعند الكوفيين مكونة من (هل) مع (أمّ) حذف من (أمّ) همزتها قال الفراء: «أصلها (هل) زجر وحث، دخلت على أم كأنها كانت (هل أمّ) أي، اعجل واقصد»، ثم قال: «فألزمت الهمزة في (أمّ) التخفيف فقيل: هلمّ»([67]).

(الأمثال):

مما يكثر في كلام العرب الأمثال، فنتيجة لهذه الكثرة يحذف جزء من المثل وسأذكر بعض الأمثال: قال سيبويه عن المثل (كليهما وتمرا)([68]). «فذا» مثل قد كثر في كلامهم واستعمل و«ترك ذكر الفعل لما كان قبل ذلك من الكلام، كأنه قال: أعطني كليهما وتمراً»، أي لدلالة الحال عليه.

في القراءات:

في قوله تعالى: ?هذا يوم لا ينطقون?([69]).

اختلف القراء في إعراب كلمة (يوم)، فقرأ الجمهور بالرفع وقرأ عاصم برواية أبي بكر (يوم) ـ بالنصب ـ واختار الفراء الرفع في (يوم) وعلل اختياره بكثرة الاستعمال، قال([70]): «والرفع أكثر في كلام العرب» و(اليوم) من أسماء الأزمنة لذا في إعرابه خلاف، إذا أضيف إلى الجملة الفعلية المصدرة بفعل معرب أو مبني ، فإذا أضيف إلى جملة فعلية ـ سواء أكانت مبدوءة بفعل معرب أو فعل مبني ـ فإنه يبني على الفتح، قال سيبويه([71]) «وجاز هذا في الأزمنة واطّرد فيها، وتوسعوا بذلك في الدهر لكثرته في كلامهم»، وهذه بالإضافة، أي إضافة اسم الزمان إلى الفعل المعرب والمبني، وبناؤه في الحالين على الفتح وهو مذهب الكوفيين، أما مذهب البصريين فيقوم على بناء اسم الزمان إذا أضيف إلى مبني، وإعرابه إذا أضيف إلى معرب، قال المبرّد: في حديثه عن قول الشاعر([72]):
على حين ألهى الناس جلُّ أمورهم

فندلاً زريق المال ندل الثعالب

قال: يجوز نصب (حين) وخفضه، لأنه مضاف إلى فعل مبني، وضرب مثالاً على الإضافة إلى معرف بقوله: عجبت من يوم عبد الله، وذكر أنه لا يجوز إلا جر (يوم)، لأنه مضاف إلى معرب([73]).

مصطفى شعبان 04-08-2017 07:34 AM

قضايا دلالية:

كثرة الاستعمال تؤدي إلى تغيير في دلالة الألفاظ التي يكثر دورانها على الألسنة عبر العصور، فأصل الكلمة يدل على معنى معين، ولكن هذه الكلمة تكتسب معنى جديداً في عصر آخر، ومظهر التطور هذا الذي يختص بالدلالة له مظاهر ثلاثة: تخصيص وتعميم وتغيير مجال.

أولاً: تخصيص الدلالة:

معنى تخصيص الدلالة: أن معنى الكلمة يحدث له تضييق وتخصيص فمثلاً كلمة (دابة) كانت في الأصل تطلق على كل ما يدب على الأرض، فأصبحت لنوع خاص من الدواب.

وكذلك في كلمة (اللحن) التي تعني صرف الكلام عن جهته، تطور مدلولها إلى أن أصبحت اسماً لازماً لمخالفة الإعراب([74]).

ثانياً: تعميم الدلالة:

وهو أن ينتقل اللفظ من مدلول خاص إلى مدلول عام، فمثلاً كلمة (بَحَثَ) التي كانت أصلاً للتراب، انتقلت دلالتها إلى البحث عن أي شيء، تشبيهاً بمن يبحث التراب، وظاهرة، توسيع المعنى أقل استعمالاً من ظاهرة تضييق المعنى([75]).

ثالثاً: انتقال الدلالة:

وهو تغيير مجال الاستعمال للألفاظ، ويدخل في مجال هذا النوع المجاز المرسل بأنواعه التي يتساوى فيها الطرفان، والاستعارة، وإطلاق البعض على الكل([76]). فمثلاً كلمة (الغائط) التي كانت تعني المطمئن من الأرض تحولت دلالتها عرفاً لقضاء الحاجة، قال أبو هلال العسكري ـ بعد أن تحدث عن هذا اللفظ (الغائط)([77]): «وليس يعقل على الإطلاق سواه».

وهناك ألفاظ في اللغة العربية طرأ عليها تطور دلالي بتغيير الدلالة وهي الألفاظ الإسلامية، مثل (الصلاة، والزكاة، والتحري، والفجور، والفسق، والنفاق) فلكل كلمة من هذه الكلمات معنى في اللغة، وهو المعنى الأصل، ومعنى في الاصطلاح وهو المعنى الجديد.

وذكر المحدثون هذه الظاهرة، وقالوا: إن المعنى الجديد يفرض نفسه شيئاً فشيئاً حتى يتغلب بموجب الأمر الواقع([78]).

من هذا يتبين أن التغير في دلالة الألفاظ تضييقاً وتوسيعاً وانتقالاً لا يتم إلا بسبب كثرة الاستعمال، فالمعنى الجديد يفرض نفسه بالممارسة حتى ينسى المعنى الأصل أو يكاد.

كثرة الاستعمال والقياس:

كثرة الاستعمال علة قوية في تعليل الظواهر اللغوية حتى إنها تقدم على القياس، قال ابن جني([79]): «وإن شذ الشيء في الاستعمال وقوي في القياس، كان استعمال ما كثر استعماله أولى، وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله».

وقال أيضاً: «واعلم أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدع ما كنت عليه، إلى ما هم عليه، فإن سمعت آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير: تستعمل أيهما شئت. فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت، كنت على ما أجمعوا عليه البتة» أما إذا تساوت العلتان: كثرة الاستعمال والقياس، في الشيوع، فهذا هو الجيد الذي لا غاية وراءه، مثل النصب بحروف النصب، والجر بحروف الجر، والجزم بحروف الجزم.

ومما ورد كثيراً في الاستعمال وقوياً في القياس لغة الحجاز وتميم، فقد قدمت الحجازية على التميمية، لأن الأولى أكثر استعمالاً وبها نزل القرآن الكريم. وقد يتكلم فصحاء العرب بلغة غيرها أقوى في القياس منها([80])، وروى ابن جني عن ابن السراج والمبرد، أن عمارة بن عقيل كان يقرأ: «ولا الليل سابقُ النهارَ» بالنصب، فقال له المبرد: ما أردت؟ فقال: أردت سابقٌ النهارَ) فقال له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن، فقوله: أوزن، يدل على أنه أقوى وأمكن في النفس، فهو بذلك قد جنح إلى لغة غيرها أقوى في نفسه منها([81]).

أما ضعف الشيء في القياس وقلته في الاستعمال فمرذول مطّرح، وهذا النوع من الألفاظ اللغوية قد يجيء إلا أنه قليل جداً، فمن ذلك ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر([82]):
اضربَ عنك الهموم طارقها

ضربك بالسيف قونس الفرس

قالوا أراد «اضربن» محذوف نون التوكيد، وهذا من الشذوذ في الاستعمال، وأما ضعفه في القياس فيأتي من أن الغرض منه هو التحقيق والتشديد، فإذا كان السماع والقياس يدفعان هذا التأويل وجب إلغاؤه وإطراحه والدول عنه إلى غيره مما قد كثر استعماله. ويليق بهذا، (أي التوكيد) الإسهاب والإطناب وينتفي عنه الإيجاز والاختصار، ففي حذف هذه النون نقض للغرض، فجرى هذا مجرى استقباح العرب إدغام الملحق نحو: مهدد، وقردد، وجلبب، وشملل، فقد ترك الادغام لتوالي الأمثال المتحركة. ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعاً قول الشاعر([83]):
له زَجلٌ كأنّهُ صَوْتُ حادٍ

إذا طلب الوسيقة أو زميرُ

فقوله: (كأنه) بحذف الواو وتبقية الضمة في القياس قليل في الاستعمال، ووجه ضعفه في القياس أنه ليس على حد الوصل ولا على حد الوقف، فالوصل يجب أن تتمكن فيه واوه فتكون (كأنّهو)، وفي الوقف يجب أن تحذف الواو والضمة جميعاً وتسكن الهاء فتكون (كأنّه)، فضم الهاء بغير واو منزلة بين منزلتي الوصل والوقف، وهذا ضعيف في القياس([84]).

ومهما يكن من أمر فإن كثرة الاستعمال والقياس علتان تعلل بهما الظواهر اللغوية، فإن كانت الظاهرة كثيرة الاستعمال قوية في القياس فهذه هي الغاية، وأما إذا كانت الظاهرة اللغوية قليلة الاستعمال ضعيفة في القياس فإنها مرذولة متروكة يجب طرحها.

الخاتمة ونتائج البحث:

وبعد هذه الجولة مع ظاهرة كثرة الاستعمال أخلص إلى الملحوظات والنتائج الآتية:

1 ـ كثرة الاستعمال عللت فيها كثير من الظواهر اللغوية والصرفية والنحوية والدلالية وذلك للتخفيف، واللفظ إذا كثر على ألسنة العرب واستعمالهم آثروا تخفيفه، وعلى حسب تفاوت الكثرة يتفاوت التخفيف.

2 ـ إذا تعارضت كثرة الاستعمال مع القياس قدمت كثرة الاستعمال على القياس وهذا ما نص عليه العلماء.

3 ـ حكمت كثرة الاستعمال كثيراً من الظواهر اللغوية التي ذكرت جزءاً يسيراً منها ومن هذه الظواهر ظاهرة الحذف بأنواعها المختلفة.

4 ـ سيادة لهجة معينة على غيرها بسبب كثرة استعمالها ومن ذلك سيادة لهجة قريش قبيل نزول القرآن لذا نزل بها القرآن الكريم بالرغم من أن لهجة تميم أقيس منها.

5 ـ في القراءات القرآنية كان هناك اختيار في القراءات المتواترة الصحيحة والذين اختاروا القراءات حكمتهم كثرة قراء القراءة المختارة.

6 ـ كثرة الاستعمال التي تعلل بها الظواهر اللغوية مقيدة بزمن عصور الاحتجاج ولا يجوز انسحابها على عصور ما بعد ذاك العصر فلا نقبل التعليل بها في لهجاتنا العامية الحديثة.

7 ـ قانون السهولة والتيسير يسير جنباً إلى جنب مع كثرة الاستعمال فالتغيير الذي حصل بسبب الاستعمال يكون من أجل التسهيل.

8 ـ ليس كل ما قل استعماله يعد خطأ بل هو صحيح ولكنه غير مستعمل.

9ـ إذا قل الاستعمال لظاهرة معينة وضعفت في القياس فإن ذلك أمارة على ترك هذه الظاهرة فهي من المرذول الذي لا يجوز استعماله.

مصطفى شعبان 04-08-2017 07:39 AM

المصادر والمراجع:

1 ـ الأشباه والنظائر للسيوطي دار الكتب العلمية ط 14051 هـ 1984م بيروت ـ لبنان.

2 ـ أصول النحو العربي للدكتور محمد خير حلواني جامعة تشرين 1979 اللاذقية ـ سوريا.

3 ـ إعراب القرآن للنحّاس ـ تحقيق ، زهير غازي زاهد مطبعة العاني 1977م بغداد.

4 ـ الاقتراح في علم أصول النحو للسيوطي ـ تحقيق أحمد محمد قاسم مطبعة السعادة ط1، 1396هـ /1976م ـ القاهرة.

5 ـ الانصاف في مسائل الخلاف للأنباري أبو البركات (577هـ) دار الفكر.

6 ـ البحر المحيجط (تفسير) ـ لأبي حيان الأندلسي (754هـ) مطابع النصر الحديثة ـ الرياض ـ السعودية.

7 ـ تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي (1205هـ) تحقيق عبد السلام أحمد فراج. مطبعة حكومة الكويت 1385هـ /1965م.

8 ـ التطور اللغوي ـ للدكتور رمضان عبد التواب ـ ط2، مكتبة الخانجي ـ 1410 /1990م القاهرة ـ مصر.

9 ـ تفسير المشكل من غريب القرآن ـ لمكي بن أبي طالب (437هـ) تحقيق: الدكتور محي الدين رمضان دار الفرقان، ط1، 1405هـ 1985م عمان ـ الأردن.

10 ـ تفسير النسفي (710هـ) دار الكتاب العربي 1402هـ 1982م ـ بيروت.

11 ـ التلخيص في معرفة أسماء الأشياء ـ لأبي هلال العسكري (بعد 400هـ) تحقيق: عزة حسين 1389هـ 1969م دمشق.

12 ـ تهذيب اللغة للأزهري (370هـ) ـ تحقيق عبد السلام هارون الدار العربية القومية للطباعة والنشر 1384هـ ـ 1964م مصر.

13 ـ الجنى الداني في حروف المعاني ـ للمرادي (749هـ) تحقيق: فخر الدين قباوة وآخر، دار الاتفاق الجديدة ط2 ـ 14003هـ /1983م بيروت.

14ـ جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري (بعد 395هـ). ضبط د. أحمد عبد السلام وآخر، دار الكتب العلمية، ط1 ـ 1988/بيروت ـ لبنان.

15 ـ حجة القراءات ـ لأبي زرعة ـ تحقيق: سعيد الأفغاني ـ مؤسسة الرسالة ط3 ـ بيروت.

16 ـ الحجة في القراءات السبع. لابن خالويه (370هـ) تحقيق: عبد العال سالم مكرم، ط3، دار الشروق 1399هـ /1979م. بيروت.

17 ـ الخصائص لابن جني (392هـ). تحقيق: محمد علي النجار ـ دار الهدى ط2 ـ بيروت.

18 ـ ديوان الأخطل ـ تحقيق فخر الدين قباوة ـ دار الفكر ـ 1996ـ دمشق.

19 ـ السبعة في القراءات ـ لابن مجاهد (324هـ) ـ تحقيق: شوقي ضيف ـ دار المعارف. القاهرة.

20 ـ سر صناعة الإعراب، لابن جنّي (392هـ) ـ د. حسن هنداوي، ط 1 1985 دار القلم ـ دمشق.

21 ـ شرح ابن عقيل (769هـ) ـ تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط 14 مطبعة السعادة 1343هـ /1964م. مصر.

22 ـ شرح قطر الندى وبل الصدى ـ لابن هشام (761هـ) تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد ط11 ن مطبعة السعادة 1383هـ /1963. مصر.

23 ـ شرح الكافية ـ لرضي الدين الاستراباذي (676هـ). ط2، دار الكتب العلمية 1399هـ /1979م. بيروت.

24 ـ شرح المفصّل ـ لابن يعيش (643هـ) إدارة الطباعة المنيرية، مصر (دار صادر).

25 ـ علم الدلالة ـ لبيير جيرد. ترجمة الدكتور منذر عيّاش. ط1 دار طلاس 1988م. دمشق.

26 ـ علم اللغة ـ لعلي عبد الواحد وافي ـ ط2 ن دار نهضة مصر. القاهرة.

27 ـ الفروق اللغوية ـ لأبي هلال العسكري (بعد 395هـ). تحقيق الدكتور مازن جرادات (مخطوط) دار الآفاق الجديد. ط5. 1403هـ /1983م. بيروت.

28 ـ الكامل ـ للمبرد ـ (285هـ) تحقيق: محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة 1406هـ /1986م. بيروت.

29 ـ الكتاب ـ لسيبويه (180هـ). تحقيق: عبد السلام هارون ـ عالم الكتب بيروت.

30 ـ اللغة ـ لفندريس. تعريب: عبد الحميد الدواخلي وآخر. مكتبة الأنجلو المصرية.

31 ـ اللغات في القرآن ـ لابن حسنون. تحقيق: صلاح الدين المنجد. ط3 دار الكتاب الجديد 1987م. بيروت.

32 ـ مجمع الأمثال ـ للميداني (518هـ). تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار القلم. بيروت.

33 ـ مختار الصحاح ـ للرازي (66هـ). دار الكتاب العربي ط1 ـ 1967ك. بيروت.

34 ـ مختصر في شواد القرآن ـ لابن خالويه ن نشره بيرجستراسر. دار الهجرة.

35 ـ معاني القرآن ـ للفراء (207هـ). عالم الكتب ط2 /1980م. بيروت.

36 ـ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ـ لمحمد فؤاد عبد الباقي. دار القلم. بيروت.

37 ـ مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ـ لابن هشام. تحقيق: مازن المبارك وآخر. ط5 ـ دار الفكر 1979م. بيروت.

38 ـ المكتفي في الوقف والابتداء، لأبي عمرو الداني، تحقيق: جايد زيدان مخلف، 1983 وزارة الأوقاف، العراق.

39 ـ همع الهوامع شرح جمع الجوامع ـ للسيوطي. دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت.




([1]) مختار الصحاح للرازي (ع م ل: 455) وتاج العروس للزبيدي (ع م ل 8: 34).

([2]) تهذيب اللغة 2: 422.

([3]) الخصائص 1:124، 125.

([4]) الخصائص 1: 124 ـ 125. وانظر الاقتراح للسيوطي 189.

([5]) سورة يوسف: 35.

([6]) سورة المجادلة: 2.

([7]) الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري: 19، وانظر الأشباه والنظائر للسّيوطي 1:143.

([8]) الأشباه والنظائر 1: 243.

([9]) الاقتراح: 112.

([10]) الخصائص 1: 48، 51، 53، 144، وانظر الاقتراح: 113.

([11]) الكتاب: 163.

([12]) أصول النحو العربي ـ محمد خير الحلواني: 115.

([13]) بعملية إحصائية لظاهرة كثرة الاستعمال في كتاب سيبويه كانت أكثر من ثلاثين موصفاً.

([14]) الكتاب2: 163، 165؛ 3: 498.

([15]) الكتاب 1: 295.

([16]) سورة طه: 94.

([17]) الكتاب 2: 214.

([18]) شرح المفصل 7: 90.

([19]) شرح الكافية لرضيّ الدين الإستر آبادي 300:2.

([20]) شرح ابن عقيل: 1: 299.

([21]) همع الهوامع للسيوطي 108:2.

([22]) المفصل للزمخشري 344.

([23]) سورة لقمان: 13؛ والآية: ?يا بني إنّ الشرك لظلمٌ عظيم?.

ذكر ابن يعيش هذا الوجه: الوقف على (لا تشرك)، و(بالله) قسم.

ولم يعقب عليه. وهذا الوقف فيه تكلف، ولم يذكره أبو عمرو الداني في كتابه: المكتفي في الوقف والابتداء؛ في وقوف سورة لقمان: 289.

وذكر النيسابوري هذا الوقف. قال: «وقد يوقف على (تشرك) على جعل الباء للقسم وهو تكلّف عظيم».

حاشية تفسير الطبري 21/51.

([24]) البيت للمسيّب بن علس (اللسان ظ ل م)؛ وشرح المفصّل لابن يعيش 9:94 (الحاشية).

([25]) شرح المفصل لابن يعيش 9: 94،95.

([26]) الأشباه والنظائر للسيوطي: 1: 333.

([27]) السبعة في القراءات لابن مجاهد 317.

([28]) سورة التوبة: 103.

([29]) معاني القرآن للفّراء 451:1.

([30]) المصدر السابق 451:1.

([31]) تفسير النسفي 144:2.

([32]) في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (الصلاة) 413 ـ 414.

([33]) انظر معاني القرآن للفراء 243:1، ومعاني القرآن للأخفش 176:1، والبحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي 213:2، ومختصر شواذ القرآن لابن خالويه: 14.

([34]) إعراب القرآن: للنحاس 267، والبحر المحيط 213:2.

([35]) البحر المحيط 213:2.

([36]) سورة المؤمنون: 110.

([37]) السبعة في القراءات لابن مجاهد: 448، وانظر حجة القراءات لابن خالويه: 258، 259 وتفسير المشكل من غريب القرآن لمكي ابن أبي طالب 79 ـ 80.

([38]) حجة القراءات لابن خالويه 258 ـ 259. وتفسير المشكل لمكّي: 79 ـ 80.

([39]) معاني القرآن للفراء 2:243.

([40]) سورة الزخرف: 32.

([41]) حجة القراءة 492.

([42]) تفسير النسفي 129:3.

([43]) اللغات في القرآن لابن حسنوك: 41.

([44]) البحر المحيط لأبي حيان 6: 423.

([45]) المصدر السابق.

([46]) السبعة لابن مجاهد، والنشر لابن الجزري، وإتحاف فضلاء البشر للبناء الدّمياطي.

([47]) الكتاب 3: 498.

([48]) شرح المفصل 1:95.

([49]) الأشباه والنظائر للسيوطي 333:1، 332.

([50]) الكتاب 2:283.

([51]) الكتاب 2: 283.

([52]) الأشباه والنظائر 1: 333.

([53]) الاقتراحِ: 124.

([54]) الاقتراح: 124.

([55]) المفصل للزمخشري 143، وانظر سرّ صناعة الإعراب لابن جني2: 536.

([56]) الأشباه والنظائر للسيوطي 1:331.

([57]) شرح الكافية 2:223، والجنى الداني للمرادي 431.

([58]) سورة الضحى: 5؛ وانظر الاقتراح للسيوطي 119.

([59]) الإنصاف للأنباري 92، 46.

([60]) المصدر نفسه 64 ـ 72؛ وانظر مغني اللبيب لابن هشام 1: 139.

([61]) التطوّر اللغوي للدكتور رمضان عبد التواب.

([62]) لسان العرب (س و ف).

([63]) المصدر السابق.

([64]) شرح التسهيل لابن مالك 1: 25 ـ 28؛ وانظر مغني اللبيب لابن هشام 139:1، والتطور اللغوي: 141 ـ 142.

([65]) التطور اللغوي: 141 ـ 142.

([66]) المصدر السابق. وإذا نظرنا إلى اللهجات العربية الحديثة نجد أن هذه الظاهرة تكثر فيها كثرة بينة؛ ففي مصر يقولون «سلخير» بدلاً من مساء الخير، وفي منطقة الخليج يقولون: الله بالخير بدلاً من مسّاك الله بالخير، أو: صبحك الله بالخير. وفي كلمة (حتى) جرى تطّور فأصبحت (ت) فقالو تا أحكي لك، وفي: بودّي؛ قالوا: بدّي، ومثل ذلك كثير.

([67]) الخصائص 3: 35 ـ 36، وانظر المفصل للزمخشري: 152.

([68]) الكتاب لسيبويه 1: 280 ـ 281؛ وانظر مجمع الأمثال للميداني 2: 151 وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري 2: 124: وفي رواية أخرى: «كلاهما وتمراً» أي: وأريد تمراً.

([69]) سورة المُرسلات: 35.

([70]) إعراب القرآن للنحاس 2: 296 ـ 297، والبحر المحيط 6: 363.

([71]) الكتّاب..

([72]) يروي البيت لنصيب، ويروى لأعشى همدان، وللأحوص (الكامل للمبّرد 1: 107) والخصائص 1: 120.

([73]) الكامل: 107.

([74]) اللغة لفندريس 256.

([75]) اللغة لفندريس: 256.

([76]) التطور اللغوي لرمضان بن التواب: 194.

([77]) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: 57.

([78]) علم اللغة لعلي عبد الواحد وافي 314، وعلم الدلالة لببير جبير: 71.

([79]) الخصائص 1: 118، 124؛ وانظر: سرّ صناعة الإعراب 1: 82.

([80]) الخصائص: 1: 125، 126، وانظر: سرّ صناعة الإعراب 1: 82.

([81]) الخصائص 1: 125.

([82]) قبل البيت لطرفة، وقيل هو منصوع؛ قال أبو حاتم: أراد النون الخفيفة (انظر الخصائص 1: 126، ولسان العرب (ق ن س).

([83]) القائل هو الشمّاخ بن ضرار يصف حمار وحش هائجاً، والوسيقة أنثاه (الكتاب 1:30، والخصائص 1:127)

([84]) الخصائص: 127 ـ 128.


الساعة الآن 10:52 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by