منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مقالات مختارة (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=42)
-   -   العقلاء والفتن.. (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=20897)

أبو أريج الهلالي 03-15-2017 04:55 PM

العقلاء والفتن..
 
مما رضعتُ لبانه عدم التزيد في الكلام وزخرفته وتنميقه؛ وأن لا أكون كذاك الذي يَسمعُ بالخبر التافه فلا يزال ينَمّيه ويصله بشتى الُوُصَل حتى يصير أخبارا.
والقصد(والله من ورائه) من هذا المكتوب تبيان ما تموج به الأمة من عظيم الفتن ومدلَهِمِّها وأزعم أنني أقدم لخلاني بعض البصائر فيها فأقول:
إذا صح منك العزم يا محمديُّ على أن تكون من المستبصرين في ظلمات الفتن الكالحة الناجين منها فدونك تاريخ الأمة نقب في دواوينه (وسيدُها سير الذهبي وتاريخه وتاريخ الطبري وابن عساكر وغيرها) عن مذاهب العقلاء عند نزول كروب الفتن تجدْهم على جادة الامتثال لسيدنا أبي القاسم في اعتزال أوارها وتجَنُّب تقَحّم نيرانها اللافحة..
منذ مقتل ذي النورين رضي الله عنه بتدبير من طفيليات ذاك المجتمع وصعاليكه وأجناد إبليس وعبيده فُتِح باب من الفتن على الأمة كبيرٌ على مصراعيه ما تزال تذوق ويلاته وتُقرَعُ بمقارعه وكان من غِبِّهِ أن نُقلت من عهد التمكين إلى الذل والخزي والهوان؛ وهذه سنة الله فيمن تعرض لغضبه واستحل دماء أوليائه.
كانت مذاهب العقلاء في مقابلة تلك الفتن اعتزالَها والإقبالَ على الله ولزوم بابه. وكانوا بين عالم يرشد الناس ويبث فيهم ما علمه الله من نور الحكمة من غير خوض في باطل ودون ميل إلى ظالم، وبين عابد حِلسِ محرابه يتعبد ويدعو ويناجي لدفع الكَرب والسلامة من الفتنة، كان منهم حبر الأمة ابن عباس وابن عمر وأبو ذر وغيرهم من أفذاذ التوحيد؛ وحفظ تلك السنة من أصحاب الديانة المتينة كثير في كل عصر ومصر.
وإني مرشدك يا رفيق الدرب أن تفتح كتاب الجامح الصحيح لصاحب العقل الرجيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عليه شآبيب الرحمة، وتنظر نظر المتأمل في كتاب الإيمان -باب من الدين الفرار من الفتن- تجْد حديثا عمدة في الباب يرويه المصنف عن أبي سعيد الخذري أَنَّهُ قَالَ قَالَ : (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن).
وإن زمننا هذا لأولى الأزمان ببصائر هذا الحديث العظيم؛ ولستُ آمرك باعتزال حياة الناس والهروب إلى الجبال -لأن هذا مقام عظيم لا يستطيعه إلا أهل الله وأحسبني جامحَ الرغبة في تسنمه لفساد الأحوال- ولكن حسبك أن تنظر فيما مر من عمرك وما زرعت فيه لآخرتك فإن خيرٌ تزدْ وتُرقِّعْ يسير الخلل، وإن شرٌ فندمٌ تقدمه وباب الأوبة لا يزال مفتوحا عَلَّكَ تستدرك به ما فات من الحسنات وتهدم به صروح السيئات.
فاللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين وعلى الحق ثابتين غير مبدلين.


الساعة الآن 11:08 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by