منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   قضايا لغوية (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=8)
-   -   الإصلاح والتصليح (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=20835)

مصطفى شعبان 03-13-2017 02:09 PM

الإصلاح والتصليح
 
الإصلاح والتصليح
أ.د هادي حسن حمودي
باحث وجامعي عراقي – لندن

حين كتبت في مقدمة مجمل اللغة لفظة صَلُح بضم اللام، اعتمادا على المخطوطات الخمس التي اعتمدتها ومعجمات أخرى، أنكر أحدهم جواز ضمّ اللام، واستشهد بقوله تعالى (ومن صلَح من آبائهم) بفتح اللام. فأحلته إلى أمهات معجمات اللغة، حيث ورد: صلُح يصلُح، وذكر اللغويون أنه يقال صلَح بفتح اللام. ورواهما يعقوب بن السكيت وغيره فتحا وضما. ودعاني هذا إلى التساؤل: هل هما بمعنى واحد؟ أم ثمة اختلاف دلالي بينهما؟ وما علاقتهما بالإصلاح والتصليح؟
أرى أن لكل منهما دلالة خاصة به، مع الاشتراك في المعنى العام للصلاح الذي هو نقيض الفساد. ولما كان العرب قد ذكروا: صلاح وصُلُوح، فلم لا تكون صلاح من صلَح، بالفتح, وصُلُوح من صَلُح بالضم؟ ولم لا يكون الضّمّ، في اللفظة، من أجل الدلالة على صلاح أكثر عمقا وشمولا؟ فالصلاح درجات، تقول: أخواي صالحان، وأنت تدري أنّ أحدهما أكثر صلاحا من الآخر. وحين تقول هذان منهجان صالحان، فلك أن تزيد فتقول: على أن الأول أكثر فائدة من الثاني، أي أكثر صلاحا وصلاحية.
وقد جاءت لفظة صلَح بفتح اللام في التنزيل العزيز في موضعين متماثلين: أحدهما في الآية 23 من سورة الرعد، وثانيهما في الآية 8 من سورة غافر وفيها: «رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ». فالذي صلَح يدخل الجنة، فما بالك بالذي صلُح، أي كان صلاحه أعمق وأشمل؟
وفي اللغة لفظة مشابهة هي حَسُن، كما في: «وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا» ومَنْ أكثرُ حُسنا من المذكورين في الآية التي تبدأ بالنبيين فالصدّيقين فالشهداء فالصالحين؟ ولكنك قد تتساءل: أليس النبيون والصديقون والشهداء من الصالحين؟ فإن كانوا منهم فلماذا أُفردوا عن الصالحين؟ وأجيبك بأن أبرز ما يمكن تقريره هنا أن النبيين والصديقين والشهداء صالحون بالتأكيد، ولكنهم أرقى في الصلاح من الصالحين المذكورين، فأُفردوا عنهم. وعلى هذا نقول: صلَحت سيرة فلان للاستفادة منها. أمّا إن تحدثنا عن السيرة النبويّة، مثلا، فلنقل: لقد صلُحت سيرة النبي لأن تكون قدوة للناس. أما إن شئت أن تقول: صلَحت، بالفتح، فأرى أنك قد نزلتَ بها عن المنزلة التي تستحقها.
ومن هذا الجذر: الإصلاح والتصليح. لك أن تسأل: أيهما الصحيح: إصلاح الآلة العاطلة أم تصليحها؟ والجواب هو ما سبق أن ذكرته في حلقة التعميم لا الإعمام، من أن صيغة تفعيل أكثر عمقا وشمولا واستطالة من صيغة إفعال، فحين تقول لصاحبك: لقد أكرمتُ فلانا إكراما، فأنت تعني أنك دعوته إلى وليمة عشاء أو سلمته خمسة دولارات أو عشرة دنانير، مثلا. ولا يجدر بك أن تقول: أقمنا حفل إكرام للأدباء والشعراء، بل: حفل تكريم. فإن قلت حفل إكرام، فقد انتقصت من قيمة أولئك الأدباء والشعراء.
ومن التفعيل: التعليم وهو أعمق من دلالة لفظة الإعلام من حيث الشمول والتأثير والإلزام، ومثله التعميم فإنه يتضمن معنى العموم، أي عموم الناس.
القانون ذاته ينطبق هنا. وأرى أن غالب استعمال الإصلاح في القضايا المعنوية، كإصلاح التعليم وأمثاله. غير أنه قد يستعمل، في المجالات المادية، في ما ليس فيه جهد وعناء، كما في جملة: لقد استغرق إصلاح الحائط ساعتين. ولكنْ، يبقى هذا التعبير في المستوى الثاني من الفصاحة. فإذا احتاج الخلل إلى جهد وعناء ننتقل إلى لفظ يعبر عنه، وهو التصليح، لأنه أعمّ دلالة.
فمن الفصيح العالي أن يكون الإصلاح في معنويات الأمور، والتصليح في مادّياتها. ومن شواهد ذلك وصف شخص ما بأنه مُصْلِح، كما في: كان فلان مصلحا اجتماعيّا، مثلا. ومن غير المتعارف عليه أن يوصف بأنه مُصَلّح اجتماعيّ. أما الذي يُصلّح آلة، فهو مصلّح، ويصعب تقبل وصفه بالمُصْلِح.
جعلنا الله وإيّاكم من المصلَحين المصلِحين.


الساعة الآن 06:23 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by