![]() |
تأصيل الجذور اللغويّة للمعجم ـ الحلقة (1)
تأصيل الجذور اللغويّة للمعجم في سبيل معجم تاريخي للعربيّة هذه محاولة استئنافية لمتابعة جهود سابقة أن نشرتها**, في مجال تأصيل الجذور المعجميّة، وهي تسعى إلى رد هذه الجذور إلى أصلها المشترك، والمنهجيّة المتّبعة في ذلك تقوم على ركيزتين: - إحداهما التفسير الشكلي، وذلك بالبحث عن تفسير صوتيّ مقنع أدى إلى تباين التلفّظ بالكلمات، في رحلتها الطويلة عبر الزمان، والمكان، واختلاف القبائل، والقدرات الفرديّة المتفاوتة في النطق . مما أسفر في نهاية المطاف عن اختلاف في نطق الكلمة الواحدة، وهو اختلاف سمح بمعالجته تحت أكثر من جذر، مع احتفاظها، على اختلاف الجذور، بمعنى واحد. - والثانية التفسير المضموني، فالكلمات التي استطاعت أن تقف على "رجل" واحدة من التفسير الشكلي، تحتاج إلى رجل أخرى، وهي المضمون، فإن كانت الألفاظ التي اختلفت في نطقها اختلافاً نطقياً مسوّغاً، تلتقي على معنى واحد، فهذا مرجّح آخر من مرجحات عودتها إلى أصل واحد، وإلا ، فإن التقاءها نطقاً، أو تقاربها في ذلك، لا يترتب عليه بالضرورة، عودتها إلى أصل واحد. فالمادة اللغوية قد ترتبط بمعنى مركزي ، وهو ارتباط طبيعي كما يحدث في ألفاظ المحاكاة (كالنقنقة والزلزلة و الفحيح )التي قد تتشابه على اختلاف الطبائع البشرية و اللغات، أو اعتباطي ، وهو لا يدخل فيما أسماه ابن جني "مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث". (ابن جني : الخصائص 2/157) وفيه تختلف اللغات وتتمايز أكثر من تمايزها في الصنف الأول . ولنمثل للمعنى المركزي بمفهوم التدفق (تدفق السائل )قال ابن جني "النضح للماء ونحوه. والنضخ أقوى من النضح .قال الله سبحانه :"فيهما عينان نضاختان "فجعلوا الحاء ـ لرقتها ـ للماء الضعيف ، والخاء ـ لغلظها ـ لما هو أقوى منه ".(ابن جني :الخصائص 2/158)إنه إذن معنى مركزي واحد، وتعدد في الأداء النطقي لمادة واحدة بصوتين متقاربين : الحاء والخاء . ومهمة الباحث هنا ، أن يكشف عن مركزية الأصل المعنوي الواحد والأصل النطقي الأول ، ثم ما تفرع عن كل منهما من أنواع المعنى وأشكال النطق .وبهذا يلتقي هذا البحث في جانب مهم منه ، بعلم اللسان ، من حيث هو علم يدرس الخصائص اللغوية والصوتية للغة، بوصفها وسيلة إبلاغ عادية، وبالأسلوبية بوصفها علما يتجاوز البحث في الأداء العادي للغة ، إلى البحث في الإيقاعات الفنية للفظة في محيطها الاستعمالي ، وما تتضمنه من أبعاد حقيقية أو مجازية أو رمزية ... وباللسانيات التاريخية ، بوصفها علما يبحث في أصول الظواهر وتطورها معنى ومبنى . وقد قدمت هذه الدراسة طائفة جديدة من الجذور المعجمية المعالجة التي سعي بها في ضوء المنهج التاريخي المقارن، إلى إماطة تراكمات متعدّدة، أوهمت ،وما تزال توهّم بأن هذه المواد اللغوية لا تعود إلى أصل واحد، وإنما إلى أصول شتى. لقد أفادت هذه الدراسة من معجمات التراث اللغوي، ممثلة في: لسان العرب، لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي. كما أفادت من معجمات اللغات شقيقة العربيّة، كالعبريّة، ومن أهم معجماتها : Gesenius, Wilhelm: Hebraisches und Aramaisches Handworterbuch uber des Alte Testament. 17. Auflage, Germeny, 1962. Furst, J. : Hebraisches und Chaldaisches Handworterbuch uber des Alte Testament. Leipzig 1863. والأكادية في معجم : Von Soden, Wolfram: Akkadisches Handworterbuch. Band I-III, Wiesbaden 1965-1972. والحبشيّة في معجم: Leslau, W. : Compartive Dictionary of Ge’ez (Classical Ethiopic Ge’ez- English / English Ge’ez). Wiesbaden, 1987. والعربيّة الجنوبيّة في معجم : Beeston / Ghul / Muller / Rychmanns : Sabaic Dictionary English- French- Arabic) Beyrouth 1982 . والسريانيّة في معجم : Costaz, L. : Dictionnaire Syriaque- Francaise, Syriac- English- Arabic Dictionary . وبعد، فأرجو أن تكون هذه الدراسة قد وُفِّقت، ولو بعض التوفيق، في الوصول إلى ما ترمي إليه كما أرجو أن تكون نافعة في سبيل معجم تاريخي للعربيّة. وفيما يأتي الجذور اللغويّة المعالجة في هذه الدراسة: (1) ثب – وثب – وتب – شبّ – تبّ جاء في معجم التاج أن ثَبَّ تعني جلس (الزّبيدي: التاج: ثبب 2/82) وجاء في مادة: وثب، ما يدل على الشيء ونقيضه، فهي من ألفاظ التضاد، إذ هي تدل على القُعود. قال الزَّبيدي: "بلغة حِمْيَر خاصّة"(الزبيدي: التاج: وثب 4/329) وتدل على القفز. قال الزبيدي: "وعن ابن الأعرابيّ: المِيْثب: القافز والجالس. وكله مِفْعَل من وثب" (الزبيدي: التاج: وثب 4/330). فهل المادة الثنائية :ثب، أصل للمادة الثلاثية: وثب ؟ وقد ذكر الزبيدي مادة وتب، مشيراً إلى معنى الجلوس، فوَتَبَ يَتِبُ وَتْباً إذا ثبت في المكان، فلم يزل، وقد أشار الزبيدي إلى أن: وتب، قد تكون لُثْغَة في :وثب، وبذا يكون قد أحال المادتين إلى مادة واحدة، هي وثب. (الزبيدي: التاج: وتب 4/328). وقد أحال الزبيدي في (ثبب) إلى أن الثابّة قد تكون لُثْغة في نطق: الشابّة (الزبيدي: التاج: ثبب 2/82). وفي هذا فطنة منه إلى أن الإعاقة النطقيّة قد تكون سبباً في اختلاط معاني المواد المختلفة (ثبب – شبب) أو أن المواد قد اختلفت وتباينت عن أصل واحد، أليست الشابّة والثابّة بمعنى الوثوب؟ ومن ذلك شبّ الفرس بمعنى وثب، أو نزا، ومنه شُبوب النار: ارتفاعها. وللمرء أن يتأمل الحديث "اسْتَشبّوا على أسْوُقِكم في البول" بمعنى استوفزوا عليها (الزبيدي: التاج: شبب 3/99) ومعنى وثب في غير لغة حِْميَر: النهوض والقيام، ومنها فرس وثّابة، أي سريعة الوثْب. وعلى هذا فإن للمرء أن يلمس خيطاً من التطور ينتظم بعض معاني هذه المواد: شبّ وتبّ وثبّ ووثب. وأما وثب بمعنى القعود فقد التقت عليها العربيّة في بعض لهجاتها والعبريّة، إذ هي في العبريّة yasab (انظر Furst I:553 ) بالياء التي تقابل باطرادٍ الواو في العربيّة، والشين التي تقابل الثاء أحياناً، وهي تعني جلس أو قعد، وفي السبئيّة: وثب بمعنى قعد أو جلس (انظر Beeston 165) ، وفي الأكاديّة wasab(um) أو asab(um) بمعنى الجلوس، وهي بالواو والشين، وأما في الآراميّة فهي من الجذر يثب أو يتب، وقد دلت في هذه اللغات على الجلوس وعلى السكن والمُكْث، وفي بعضها على الاستقرار الزوجي أو الزواج (انظر Von Soden III :1480) ولعل في هذه الغلبة – في كل هذه اللغات، ما يرجّح أن يكون أصل المعنى هو الجلوس وليس القيام والقفز. |
جزاكم الله خيرا وأحسن إليكم
موضوع شيق شكر الله لكم هذا الجهد وفي انتظار بقية الحلقات بإذن الله . خالص تقديري |
أثابكم الله وأحسن إليكم
|
فتح الله عليك و نفع
|
موضوع شيق سعاد الأستاذ الدكتور إسماعيل عمايرة
وأتمنى أن تستمر في هذه التحقيقات النافعة. |
الدكتور إسماعيل عمايرة باحث لغوي كبير
لديه قدرة فائقة على استخراج الأحافير اللغوية وكم قلت لطلابنا: إن المعجم العربي كنز لغوي كبير مليء بالموضوعات الصالحة للرسائل العلمية لكن طلابنا هداهم الله يبحثون عن السهل الميسور والمنقول المتاح لهم في المصادر ويعزفون عن مثل هذه الموضوعات الدقيقة. |
تعليقكم في محله يا دكتور عبدالرزاق .. فهذه التأصيلات الجذرية تكشف عن عبقرية اللّغة العربية وتقدم طرقًا مختصرة لطلاب العربية وتيسّر عليهم فقهها .. شكر الله لكم يا دكتور إسماعيل ونفع بك وبعلمك . |
| الساعة الآن 02:38 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by