منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   مع شعراء الأرض المحتلة (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=18175)

شمس 10-15-2016 08:58 AM

مع شعراء الأرض المحتلة
 
مع شعراء الأرض المحتلة


د. نزار نبيل أبو منشار


تدفَّقت الجراح، وزادت المظاهر مأساوية وألمًا.. إنه الدور المرسوم، تسير في تخطيطه المؤسسة الصهيونية العسكرية المجرمة، وتتولى تنفيذه آليات الرعب والدمار، بكل صلف وعنجهية، فالكيان الغاصب لا يُحمى بغير دمار يعمّ، وبلايا تطم، وفناء يستبيح الأخضر واليابس.

قلما تدخل حيًّا فلسطينيًّا في أي بقعة شئت، إلا وترى فيه من الدمار ما يطغى على كل تصور، وإذا أمعنت السير تغذُّ الخطى تلقاء حيّ آخر فستقرأ في عيون الناس وجدران المنازل حجم المعاناة والأسى.

هذا بيت دمره الاحتلال بالكامل، هنا كان بيت، ذاك البيت تركت مجنزرات العدوان عليه قبلة قاتلة، تلك المدرسة هدمت أسوارها، ذاك المتجر هدم جداره وسُرق، تلك الصيدلية هدمت على رأس صاحبها، ذاك الجدار المائل رحمته جرافات العدو فلم تكمل عليه، هؤلاء البشر لا يجدون غير شطر بيتهم ليسكنوا فيه؛ فشطره الآخر مردوم [1]..

هذه هي طبيعة المعركة، إذا سرت في أرض فلا تغادرها قبل أن تترك عليها بصماتك الواضحة التي يقرؤها حتى الأميّ الجاهل، وإن السائر في أرضنا كلما خطا عدة خطوات لا يملك إلا أن يقول: "الصهاينة مروا من هنا"..

لقد طال الدمار البيوت والأحياء، ولم يرحم المدارس والجامعات، وصبّ جامّ غضبه على المساجد والمآذن، ولم يعف أحدًا من إجرامه، حتى حظائر البهائم.

بين كل هذا الركام:

لو تخيلت شاعرًا غريبًا يمر على الزهور الفلسطينية الذابلة، والنرجس الفلسطيني المسحوق، لساقك الخيال إلى إبداع شعري خلاب، فكيف إذًا بمن عايش الحدث، وخامر المأساة، واحتوته دقائق وساعات المشاهدة والمعاينة، لا تلمه إذا ألف ديوانًا في زهرة ديست، أو مئذنة تهوي، أو بيت صار مجمعًا لنقابات العنكبوت بعد أن خرب.

كيف لإنسان موهوب أن يخفي مشاعره ويلجمها بلجام الصمت الخانق؟!

كيف لمَن يستطيع خياطة الكلمات أن يكتم وجوده ويدفنه بين جنبيه، وهو يرى ما يذهل الصخر الأصم ويزلزله؟!

إن ما قاساه شعبنا يفوق الاحتمال البشري، فلقد خاض مراحل الابتلاء الصعبة بتجاوز آلامها، ليعترف بعد كل مرحلة أن الصبر من الله، وأن الإرادة أقوى من سلاح الطاغوت.

هكذا هو الحال أمام الشعراء، وقد تشبثوا بهذه الأرض رغم قساوة العيش فيها بالنواجذ والأظافر، فهم جزء من الشعب، يتقاسمون معه البلاء حصة بحصة، ثم بعد ذلك؛ يصنعون من الجراح منائر، ومن البيوت المدمرة منابر، ومن الحجارة المتطايرة فتائل، ومن حياة البؤس والشقاء دواوين بالشعر تفاخر.

لعل الدمار بمشاهده المؤثرة كان جانبًا مميزًا نال اهتمامًا مميزًا فأقبل عليه الشعراء بنَهَم، فهم حينما يصقلون أقلامهم؛ يغالبون الشوك ليصلوا إلى الصبر الدافق الدافئ، وليس بين جوانحهم إلا قلوب تنبض بالإنسانية والرغبة في الحياة بكرامة، فالهمّ شامل، ولا يجدر بشاعر أن يذكر جانبًا منه ويغفل جانبًا آخر تحت أي ذريعة.

وباستعراض لما دون الشعراء في قصائدهم في هذا الباب، تجد منهم تسليط الضوء على جوانب الدمار، لإبرازها بعد أن غيبتها أجهزة الإعلام المسيّرة والموجّهة، وليحطموا الحواجز المفروضة على الصحافة، كيما تقفز فوق هذه المشاهد الكارثية.

فراح الشعراء يتناولون صور الدمار في حالة توأمة، فكأنهم ينفخون الروح في شعر الأطلال البائد، فذكروا الحنين إلى البيت، والأسى لفقده، وناحوا على المدارس، ورثوا حال الحدائق، ووصفوا كل الآثار المحروقة التي كانت عينًا في يوم من الأيام مضى، وسجلوا الأحداث، وأرشفوا الوقائع، وداسوا على السخط والجزع والخنوع، فبرهنوا على عمق الصمود الأسطوري، واستجلبوا الشواهد الفولاذية من صبر أناس فهموا مقصد العدو، فخالطت مآسي الدمار بشاشة صبرهم وتحديهم فانتصر صبرهم.

صرخة:

أوجّه صرخة حرى إلى مجاميع الأدب العربي، أن لا تغض الطرف عن هذا التدوين، وأن لا تتجاهل إبداع المعذبين المحرومين، فما كانت القصائد إلا ترجمان واقع، ولسان أمة، وصوت واقع، وهدير حادثة، وبإمكان المجامع الأدبية الموزعة على طول البلاد وعرضها أن تتبني هذه المواهب والقدرات، وتسهم في دعمها ونشرها نصرة لشعب مضطهد، وحفاظًا على تراث من العار أن تهلكه السنين، أو يطويه الزمان في إضبارات الغفلة والتناسي.

________________________________

[1] مجلة المنبر، وزارة الأوقاف الفلسطينية، العدد 36، سنة 2001، ص 51- 58.





.


الساعة الآن 04:53 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by