منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   هل يسوغ مجيء عطف البيان من غير الجوامد؟ وهل يتعدد عطف البيان؟ (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=17948)

مصطفى شعبان 10-05-2016 07:32 AM

هل يسوغ مجيء عطف البيان من غير الجوامد؟ وهل يتعدد عطف البيان؟
 
هل يسوغ مجيء عطف البيان من غير الجوامد؟ وهل يتعدد عطف البيان؟
د. مصطفى شعبان

اصطلحت الجمهرة من النحاة على أن عطف البيان : هو تابع ، جامد مُشْبهٌ للصفة في إيضاح متبوعه إن كان معرفة ، وتخصيصه إن كان نكرة يكشف عن حقيقة متبوعه بنفسه (1 ).
يفهم من هذا التعريف أن عطف البيان يفارق النعت من حيث إنه – أي البيان- لا يكون إلا جامدًا ، والنعت لا يكون إلا مشتقًّا أو مؤولًا به، فالأصل في عطف البيان أن يكون من الجوامد.
وسوَّغ بعض مفسري النحاة مجيء البيان مشتقًّا وخرَّج عليه قول الحق جل وعلا:(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) )[ الناس: 1 : 3]
قال الزمخشري : (( فإن قلت : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)) ما هُما من ربِّ الناس ؟ قلت : هما عطف بيان ، كقولك : سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بُين بملك الناس ثم زيد بيانًا بإله الناس ؛ لأنه قد يقال لغيره ربُّ الناس ، كقوله :(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وقد يقال : (( ملك الناس)) وأما ((إله الناس)) فخاص لا شركة فيه ، فجعل غاية للبيان ..)) ( 2) .
والمتأخرون يتعقبون هذا القول تبعًا لأبي حيان(3 )، فيقول بعضهم: (( المشهور أن عطف البيان يكون في الجوامد، والمعطوف عليه واحد ..))(4 ).
وما ذكره أنصار هذا القول لا يتمشى إلا على أحد مذهبين :
المذهب الأول : مذهب ابن مالك : إذ عطف البيان عنده قد يكون جامدًا أو منزلًا منزلة الجامد بأن كان صفة، فصار علمًا بالغلبة كالصعق والرحمن والرحيم .
قال في (( شرح التسهيل )) (5 ) : (( وذكرت : (( جامدًا أو بمنزلته )) توكيدًا لإخراج النعت ، فإنه من جهة المعنى أشبه شيء بعطف البيان ، وذلك أنك تقول لمن له ابنان طويل وقصير ، واسم الطويل محمد : مررت بابنك الطويل، فيحصل التخصيص بالنعت، ولو ذكرت (محمدًا) موضع النعت لتبين به ما تبين بالنعت ،لكن النعت مشتق، أو منزل منزلته كالصعق ، ونحوه من الأعلام الصادقة بها العلمية بالغلبة ، وهي من الصفات لكن وصفيتها بعد الغلبة غير مقصودة ، وإنما المقصود بها ما يقصد بالأعلام المرتجلة من تعيين المسمى )).
فعلى مذهب ابن مالك ، الصفة التي صارت علمًا بالغلبة وخرجت من الوصفية إلى العلمية صارت جارية مجرى الجامد، فيسوغ مجيء عطف البيان منها، وعليه قد يخرج كلام الزمخشري، فكلمتا (ملك ) و(إله) في الأصل وصفان، صارتا بالغلبة علمين يقصد بهما تعيين المسمى، فيسوغ مجيئهما عطف بيان .
ويؤيد ذلك ما قاله ابن هشام في ((المغني))(6 ): (( ومن الوهم قول الزمخشري في
 (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) ): إنهما عطفا بيان ، والصواب أنهما نعتان وقد يجاب – أي للزمخشري – بأنهما أجريا مجرى الجوامد ، إذ يستعملان غير جاريين على موصوف وتجرى عليهما الصفات ، نحو قولنا : (( إله واحدٌ وملك عظيم ))، يقصد ابن هشام بقوله : (( مجرى الجوامد ))، أي : في كونهما قد لا يقعان نعتًا لشيء ، وفي أنهما يوصفان ، ويصيران علمين بالغلبة ، وهذا شأن الجوامد ، وحينئذ صحَّ جعلهما بيانًا .
وأما المذهب الثاني : فهو مذهب الرضي الإسترآباذي ؛ الذي رأى أنه ليس ثمَّ فرق بين البدل وعطف البيان ، وعليه قد يفسر مذهب الزمخشري بأن يكون مقصوده بعطف البيان هنا : (البدل) ، ونعني بدل الكل من الكل تحديدًا .
قال الرضي: (( أقول : وأنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان، بل لا أرى عطف البيان إلا البدل كما هو ظاهر كلام سيبويه..))( 7).
ولكن ظاهر مذهب الزمخشري في (( المفصل)) (8 ) أن البدل لا يكون بيانًا إلا إذا كان جامدًا ، وجعل الشارح ذلك من أوجه الشبه بين البدل ( أي بدل الكل من الكل – وليس مطلق بدل كما ذهب الرضي) وبين عطف البيان .
قال ابن يعيش : (( عطف البيان له شبه ببدل الشيء من الشيء ، وهو هو من حيث إن كل واحد منهما تابع ، وأن الثاني هو الأول في الحقيقة ، فلذلك تعرض – أي الزمخشري- للفصل بينهما ، وجملة الأمر أن عطف البيان يشبه البدل من أربعة أوجه ، أحدها : أن فيه بيانًا كما في البدل ، الثاني : أنه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل ..)) (9 ).
إذًا فالزمخشري يفرق بين البدل وعطف البيان ، وليس الاثنان عنده من قبيل المترادفات كما هو مذهب الرضي .
فلم يبق إلا تخريج مذهبه في الآيات السالفات على مذهب ابن مالك.

تعدد عطف البيان
وأما تعدد المعطوف عطف بيان فيبدو أنه نحوٌ زمخشريٌّ صرف ؛ حيث سوغ تعدد عطف البيان في قوله تعالى :  (مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) ) فقال : هما عطفا بيان ، ولم أجد غيره من النحاة سوّغ تعدد عطف البيان ، وذلك لا يتمشى إلا على مذهب من جوَّز تعدد البدل – وأعني بالبدل تحديدًا : (بدل البداء) ؛ إذ يجوز فيه تعدد البدل – عند من أثبته ، خلافًا لبقية أقسام البدل ( 10).
ولكن الأمر على خلاف ذلك ؛ لأن بدل البداء يكون فيه البدل والمبدل منه متباينين من حيث اللفظ والمعنى (11 ) بخلاف عطف البيان .
من أجل ذلك قال أبو حيان : (( وظاهر قوله أنهما عطفا بيان لواحد ، ولا أنقل عن النحاة شيئًا في عطف البيان ، هل يجوز أن يتكرر لمعطوف عليه واحد أم لا يجوز))( 12).
وقد تعقب النحاةُ الزمخشري في هذا القول( 13)، ولكن الزمخشري يفصح عن حيثية تسويغه تعدد البيان لمبيَّن واحد ولكن بصبغة معنوية دلالية ؛ إذ يقول : ((قلت : هما عطفُ بيان ، كقولك : سيرةُ أبي حفص عمرَ الفاروق ، بُيّن بـ ( ملك الناس) ثم زيد بيانًا بـ (إله الناس) ؛ لأنه قد يقال لغيره ربُّ الناس – أي لغير الله تعالى – كقوله :(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وقد يقال ((ملك الناس)) – أي لغير الله أيضًا – وأما (إله الناس) فخاص لا شركة فيه ، فجعل غايةً للبيان ..)) (14 ).
والمدقق في هذه الحيثية التي سلكها جار الله يلحظ بلا ريب أنه تحقيق حقيق بالقبول ، فالشخص مثلًا إذا دخل بيتًا ما فأراد أن يستأذن صاحبه فإنه قد يقول: يا رب الناس- يقصد صاحبَ البيت – وعند دخوله على السلطان فإنه قد يقول : يا ملك الناس- يقصد حاكمهم وسلطانهم – فإذا أراد أن يجمع بين النداءين لتحقق الصفتين معًا في المنادى فإنه ينبغي عليه حينئذ أن يأتي ببيان آخر دفعًا لتشريك غيره ، فيقول: ( ياربَّ الناس ملكَ الناس أبا الحسن) مثلًا، فـ (أبا الحسن ) خاصٌّ لا شركة فيه فجعل آخر البيان وغايته كما نوه الإمام.
من هنا يمكن أن يقرر البحث أن عطف البيان يجوز أن يتعدد بقصد دفع المشاركة والملابسة عن المبيَّن بغيره تأسيسًا على مذهب الزمخشري .

-------------------------
(1 ) انظر: (( شرح المفصل)) لابن يعيش (3/71) ، ((شرح ابن عقيل)) (2/218) ، ((شرح الأشموني على الألفية )) (3/125) ، ((شرح التصريح)) (2/131) ، ((حاشية الخضري على ابن عقيل)) (2/59) ، ((حاشية السيوطي على ابن عقيل)) (132).
( 2) ((الكشاف)) (4/656) ، ((أنوار التنزيل)) (5/350).
(3 ) ((البحر المحيط)) (10/578) .
(4 ) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (8/417)
( 5) (3/325) ، وانظر: ((ارتشاف الضرب)) (4/1943) ، ((همع الهوامع )) (3/159) ، (( حاشية الخضري على ابن عقيل)) (2/59).
( 6) (( مغني اللبيب مع حاشية الدسوقي)) (2/1176)
(7 ) (( شرح كافية ابن الحاجب)) (1/337- 339)
(8) ((شرح المفصل)) لابن يعيش (3/72).
(9 ) ((شرح المفصل )) (3/72)
(10 ) ((شرح التسهيل )) لابن مالك (3/336) ، ((ارتشاف الضرب )) (4/1970) ، ((همع الهوامع )) (3/178) ، (( حاشية العليمي على التصريح )) (2/133)
(11 ) ((ارتشاف الضرب )) (4/1970)
(12 ) ((البحر المحيط )) (10/578).
( 13) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (8/417)
( 14) ((الكشاف )) (4/656) ، وأعرب الأخفش (( إله الناس )) بدلًا من ((ملك الناس )) ، وأعرب أبو حيان ((ملك الناس إله الناس)) صفتين، وجوز النحاس الوجهين فقال : (( إله الناس )) نعت أو بدل ، أما (ملك الناس ) فقال : نعت .
انظر : ((معاني القرآن)) للأخفش (2/ 590) ، (( إعراب القرآن )) للنحاس (5/292) ، (( البحر المحيط )) (10/578)



الساعة الآن 11:23 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by