منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   دراسات وبحوث لغوية (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=7)
-   -   تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (قراءة تاريخية) - أ.د أحمد يحيى علي (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=17914)

إدارة المجمع 10-03-2016 07:05 PM

تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (قراءة تاريخية) - أ.د أحمد يحيى علي
 


http://www.m-a-arabia.com/site/wp-co...-1_Page_01.jpg

تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
قراءة تاريخية

أ.د أحمد يحيى علي
أستاذ الأدب والنقد المشارك بكلية الألسن جامعة عين شمس، مصر (لتحميل المقال: اضغط هنا)

مدخل:
إن الإنسان مكرمة الله في أرضه؛ ولهذا التكريم الذي حظي به أمارات دالة عليه، تكمن في أمور منها: العقل، والقدرة على النطق والإبانة، فقد خلقه ربه وعلمه البيان؛ أي التفكير الذي تحمله أوعية تنقله إلى غيره، تتمثل في اللغة؛ فهو كائن حي ناطق، يعتمد في نشاطه الأرضي على الحركة والتفاعل، الذي جعله موصوفًا بأنه اجتماعي بطبعه؛ ومن ثم يصير لهذه الأداة التواصلية (اللغة) دور حيوي لا غنى عنه في الكشف عن مناطق الإدراك في داخل هذا الكائن؛ ألا وهي العقل والقلب التي تعمل وفق أدوات تخدمها، تتجلى في حواس الإنسان الخمسة (الشم، اللمس، التذوق، الإبصار، السمع). وقد جاء في كتاب ربنا قوله: "وعلَّم آدم الأسماء كلها"(1)، ولفظة أسماء تحيلنا – في وجه من وجوه التفسير – إلى اللغات؛ إن ما في العالم من أشياء بحاجة إلى بطاقات تعريف لغوية تحدد هويتها بالنسبة إلى العقول، وذاك دور اللغة وما تحمله من ألفاظ وتراكيب.
ولا شك في أن هذه الكلمة (اللغة) إذا ما نظرنا إلى لفظة أسماء ووضعيتها الجمعية تعني أننا بصدد تعددية، تستحيل معها الجماعة البشرية المنحدرة من آدم على اتساعها وتمددها الزماني والمكاني إلى جماعات، لكل واحدة منها لغة تتعامل بها مع العالم من حولها على ما فيه من بشر وأشياء؛ ولأن التواصل بين بني آدم حتمية تنسجم وفطرة الإنسان عمومًا يصير هذا المختلف لغة مدعاة إلى تعارف/ تقارب، عبر عنه ربنا بقوله: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا"( 2)؛ إننا بصدد فلسفة تسكن وراء المختلف؛ ألا وهي تدعيم وشائج القربى بين المشتركين في صفة الإنسانية من خلال استثارة الرغبة في المعرفة وتحفيز فضيلة المشي في مناكب الأرض، التي تجعل للرحلة في بعدها المباشر القائم على الانتقال المادي من مكان إلى آخر وفي بعدها المؤسس على الحركة المعرفية عبر فعل التعلم والقراءة وجاهتها في لعبة التفاعل الإنساني وما يصحبها من دفع يعزز فرص التوازن على كوكب الأرض، هذا الدفع الذي عبر عنه ربنا بقوله: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"(3).

تباين لغات بني آدم: ضرورة معرفية
من هذا الطرح يتبين أن الحاجة إلى الإدراك اللغوي بمعرفة لغة المغاير تمتد بجذورها في تاريخ الإنسانية، وأن هذه الحاجة تمثل نقطة ارتكاز أولى ينطلق منها المتعلم إلى ما شاع بعد ذلك وصار محفورًا في رصيد المعرفة؛ ألا وهو كلمة (ثقافة)، التي تعني في معنى مجرد جامع: طريقة فرد بعينه وطريقة جماعة بعينها في التفكير في إطار علاقة لا ينفك طرفاها اسمها (الإنسان والعالم).
إذًا فإن الحديث عن قضية تعليم لغة بعينها لغير الناطقين بها ترتكز على مسار، يقوم عماده على مفردات محورية ثلاثة: اللغةâ†گالتعليمâ†گالثقافة، هذه الأبجدية تعكس الغاية العميقة وراء نشاط آلاف المراكز التي خصصت نفسها في هذه العملية التي تتسق تمامًا وقوله تعالى في سورة الحجرات: "لتعارفوا".
إن (علم) التي منها (تعليم) و(عرف) التي منها (معرفة) تقتضي دخولاً في جنبات هذه العملية من داخلها؛ فاللغة ذاك المخلوق الإلهي تتأسس تبعًا لعمد أربعة رئيسة:
- الصوت.
- المفردة/اللفظة.
- التركيب/الجملة/العبارة.
- المعنى: المرتبط بالكلمة، والمعنى المرتبط بالجملة، والمعنى المتصل بالنص ذاك البنيان اللغوي المشكل من عدد من الجمل (4).
إن المسار الذي يسير فيه المعلم والمتعلم للغة من اللغات يخضع في تشكيله وفي إجراءاته المنهجية لهذا التدرج الذي يستهل بالصوت وصولاً إلى المعنى الذي على المتدرب/المتعلم الوصول إليه في نهاية تعبيره، في ظل ثنائية حاكمة هي ثنائية (الشكل اللغوي الظاهر المعبر والمضمون الذي يسكنه) فيما عُرف في الدرس اللساني الحديث ورائده السويسري فردينان دي سوسير بعلم العلامات الذي يجعل من الصيغة اللغوية ذات وجهين، ظاهر: اسمه الدال، وخفي يكمن وراءه اسمه المدلول.
من هذا الطرح تبدو لهذه العملية (تعليم اللغة لغير الناطقين بها) مشكلات تحيط بها؛ فلكل لغة بنيتها الصوتية التي يتلقاها أهلها بالسليقة؛ وإذا نظرنا إلى من يتصدون للغة العربية بالتعلم من أبناء اللغات الأخرى فإنهم يواجهون صعوبات تأتي في مقدمتها حالة التغاير بين لغتهم الأم واللغة المكتسبة، فعلى سبيل المثال مسألة القدرة على نطق أصوات لا مكان لها في لغتهم؛ إن مكونات الجهاز النطقي لدى الإنسان واحدة، لكن مخارج أصوات محددة لا تبدو قريبة المأخذ لدى شرائح تنطق بلغات أخرى تتصدى للغة كالعربية بالتعلم، ولعل – على سبيل المثال لا الحصر – في صوت كصوت العين مثالاً على ذلك..
وتأخذنا مشكلة كهذه إلى هذه الرباعية في تعلم اللغات عمومًا التي تنضوي في النهاية تحت محورين رئيسين، هما الشفاهي والكتابي، هذه الرباعية هي:
- القراءة.
- الكتابة.
- الاستماع.
- المحادثة.

اللغة العربية وثقافتها بين عالم ومتعلم: مقاربة تاريخية

وتأتي معالجة قضايا مثل: من يعلِّم اللغة؟ هل واحد من أبنائها؟ أم واحد من أبناء لغة أخرى تعلموها اكتسابًا ويقومون بتعليمها لبني جلدتهم؟ وما مستوى الشريحة المستهدفة من عملية التعليم؟ هل وصلت إلى مستوى متقدم في تعلم اللغة المقصودة؟ أم دون ذلك؟ وما عقيدة المعلم؟ وما عقيدة المتعلم؟ إن هذه القضية تحديدًا تبدو ذات تأثير في اختيار المحتوى المقدَّم للمتعلم؛ خصوصًا ونحن نتحدث عن لغة يتعلمها الأجنبي عنها كاللغة العربية، وبالعودة إلى سابقتها؛ أي مشكلة مستوى المتعلم فإن مناقشتها ضرورية في محتوى يتم انتقاؤه كمحتوى الأدب شعرًا ونثرًا؛ فالمعالجة الكمية من حيث الطول والقصر للنص الأدبي والكيفية المتصلة بالنبية اللغوية للنص ومدى اقتراب مفرداته وجمله من الحصيلة اللغوية التي يحوزها المتعلم هي بمثابة عمدة في مخطط تعليم اللغة لغير الناطقين بها، في إطار دراية القائم بالتخطيط وبالتعليم بمستويات الدرس اللغوي الأثيرة:
- المستوى الصوتي.
- المستوى اللفظي (الصرف).
- المستوى التركيبي (النحو).
- المستوى المعجمي.
- المستوى الدلالي.
ولا شك في أن هذه المنظومة الاتصالية القائمة على مرسل معلم، ومرسل إليه متعلم ورسالة رابطة هي اللغة منهجًا ومحتوًى وخطةً تدريس، في إطار تفعيل لواحدة من وظائف اللغة عمومًا؛ ألا وهي الوظيفة الشارحة ترتبط برؤية تاريخية تسافر بالعين المتابعة إلى تراكم خبرات عبر مراحل زمنية متعاقبة حظيت فيه اللغة العربية باهتمام طرفي منظومة الاتصال معًا، ولعل منطلقنا في ذلك يكون فيما ورد في القرآن الكريم: "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين"؛ إن اللغة التي تعني من بين ما تعني اللسان، في إشارة إلى حال الاتصال الوثيقة بين العضو المعنيِّ بعملية النطق/الكلام والعملية نفسها وما يعلق بها من قوانين (اللغة) تقترب بنا من ثنائية أثيرة هي (العربي والأعجمي)؛ فنحن بصدد نقيضين، لكل منهما معنى على الضد من الآخر، والأعجمي هو الناطق بغير العربية، والأعجم هو غير القادر على البيان والإفصاح بما يفهمه المستمع (5)، وتستفز هذه الثنائية الحركة في التاريخ بحثًا عن محطات تعكس هذه الحالة التفاعلية بين العربية ومن يقصدونها بالتعلم، وفي هذه الحركة يستوقفنا أصل التسمية (عرب وعربية)؛ هل تشير إلى عرابة بمعنى الجفاف أو الصحراء في لغة بعض الساميين بشمال الجزيرة؟ هل تشير إلى يعرب بن قحطان أبي العرب العاربة الذين هاجروا من جنوب شبه الجزيرة إلى وسطها ثم شمالها إبان انهيار سد مأرب؟ هل تشير إلى أرض تهامة وقد حمل من يسكنها اسمها؟
وعلى خلاف المنتسبين الذين أُطلق عليهم لفظة عربي يأتي النبطي ممن يسكن أرض شبه الجزيرة أو تهامة ولا ينطق لسانه بلغة أهلها (6).
إن هذا الطرح الأخير يقود إلى بدايات لا يمكن ضبط أوليتها على وجه الدقة، تشير إلى هذه الحالة التي نحن بصددها (تعليم العربية لغير الناطق بها)، وفي صيغة لغوية أخرى تعليم العربية للناطق بلغة أخرى غيرها؛ إن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام كان محظيًّا بتعلم العربية التي لم يكن ينطق بها أبواه؛ فمع هجرة أمه إلى شبه الجزيرة العربية وسكناها بواد غير ذي زرع وما ألمَّ بها من شدة تلاها فرج ويسر بدأ هذا الوادي الواقع إلى الغرب من شبه الجزيرة وفيه مكة بلد الله الحرام يشهد تدفقًا لهجرات أتت من الجنوب، من اليمن تحديدًا فيها قبائل سُمِّيت تاريخيًّا بالقحطانيين نسبة إلى القحط/الجوع الذي أصاب بلادهم بعد انهيار سد مأرب الذي كانوا يعوِّلون عليه في معاشهم، فكان الماء الموجود في مكة (بئر زمزم) بغيتهم ومستقرهم؛ إننا بصدد خط زماني ومكاني فاصل شديد الأهمية يلتقي عنده المتغايرون لغة وثقافة؛ فهاجر وولدها إسماعيل من جانب، وقبيلة جرهم العربية من جانب ثان، وفي هذا المنعطف خرجت أشهر عملية تعليم للغة العربية لغير ناطق بها هو إسماعيل عليه السلام، وقد تم ذلك في زمن كان مهيمنًا على العالم المعروف لغات رئيسة أشهرها – على سبيل المثال - مما رصده المؤرخون: العربية، العبرانية، اليونانية، اللغة المصرية القديمة.
في ظل هذا التفعيل لمخطط: اللغةâ†گالتعليمâ†گالثقافة بدأ يتشكل تاريخيًّا ما عُرف بالعرب العاربة (القحطانيون) والعرب المستعربة (العدنانيون)، وكانت شبه الجزيرة العربية موطن الاثنين معًا، ومع الاثنين معًا بدأت تتبلور ملامح اللغة العربية لتأخذ مسارها في التشكل والنضج ويصير لها بناؤها اللفظي والتركيبي الذي خرجت منه لهجاتها حتى وصلت إلى ذروة النضج على مستوى الأداء في النص القرآني، وقد قارب هذه الذروة ممارسات قولية أخرى تمثلت في أدب اللغة العربية ونصوصها شعرًا ونثرًا منذ زمن ما قبل الإسلام (الجاهلي) الذي يُؤرَّخ له على الراجح بمئة وخمسين سنة تسبق ظهور الإسلام.
ودراية الأمم الناطقة بغير العربية بأصحاب هذه اللغة وأهلها مسألة متأصِّلة في التاريخ. وقد اكتسب حضور العرب زخمًا مع دعوة الإسلام التي يتبين توجهها في الانتشار عبر العالم دون الاقتصار على محيط محلي أو إقليمي محدود من خلال قوله تعالى: "وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا لتنذر أم القرى ومن حولها" (7) في إشارة إلى النزعة العالمية لهذه الدعوة؛ لذا فقد أخذ انتشار العربية مع الإسلام يرتدي لباسًا دينيًّا، بعد أن كان مقصورًا فقط على الرداء الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ كان للعرب منذ القدم صلات بأمم محيطة، مثل الحبشة، والفرس، وأهل الشام وأهل مصر، ومن هذه الصلات بدأ يحدث ما يمكن تسميته بتلاقح ثقافي من خلال الروابط اللغوية التي كانت تنشأ وتتقوى تدريجيًّا؛ بحكم هذه العلاقات. (8)
وبالنظر إلى النص القرآني يتضح اشتماله على مفردات توشي بهذه الصلة التي كانت تربط بعض الناطقين بغير العربية (الأعاجم) باللسان العربي ربطًا يصل إلى حد الاندماج الذي جعل منهم مواطنين عَرَبِيَّ اللسان، يكشف عن ذلك ما أدخلوه من مفردات أجنبية إلى العربية، حتى أضحت مع تواتر الاستخدام وطول الزمن جزءًا من معجم هذه اللغة؛ فبدت كأنها عربية أصيلة؛ فألفاظ مثل: إستبرق وسندس، وجهنم فارسية المنشأ، ولفظ مثل: حطب حبشي الأصل، ولفظة مثل: الرقيم رومية الوفود.
من هذه الأمثلة يبدو أن ما يُسمى بالمعرب والدخيل من مصطلحات اللسانيين القدامى يوشي بنشاط تم إنجازه في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، عزَّزها وشجَّع عليها وجعلها ضرورة انتشار الإسلام الأفقي من خلال الغزوات والفتوحات في بلدان تتحدث بألسنة أخرى؛ فصار مع هذا التوسع تعلم الأجنبي للعربية ينتقل من الشكل الفردي ليتخذ أشكالاً وأبعادًا جماعية تقتضيها حتمية ممارسة شعائر الدين الجديد باللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن الكريم؛ ومن ثم يمكن رصد هذه الحالة الحضارية من خلال هذه الثنائيات اللغوية التي تبدو فيها العربية بطلاً يتكرر:
(العربية والفارسية)
(العربية والحبشية)
(العربية والرومية)
(العربية والسريانية)
(العربية واللغة القبطية)
(العربية والبربرية)
(العربية واللغة القشتالية/ شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا والبرتغال)
(العربية والتركية)
(العربية والكردية)
إن القرآن الذي لا يُتعبَّد بتلاوته في الصلاة وفي غير الصلاة إلا بالعربية كان بمثابة المنطلق الحتمي الذي منه تحركت أنشطة تعليم اللغة العربية لهؤلاء العجم، وكان هذا المنطلق بمثابة فتح لنشاط لم يقتصر فقط على القرآن والحديث النبوي وحدهما، بل كان بابًا فتح على أدب أهل العربية شعره ونثره.
إذًا فإن انتقال العربية من حال المحلية قبل ظهور الإسلام إلى حال العالمية بعد ظهوره وانتشاره قد منح هذه اللغة فاعلية جعل من حضورها ذا مسارين: أفقي بالنظر إلى الجغرافيا وتمدد هذا الدين من الصين والهند في أقصى الشرق مرورًا بشمال إفريقيا والشرق الأوروبي وصولاً إلى بلاد الأندلس وحدود فرنسا الجنوبية الغربية، ومسار رأسي يمكن الوقوف على ملامحه إذا ما توقفنا عند حضارة العرب المسلمين في القرن الرابع الهجري تحديدا، فقد بلغت ذروة نضجها في عصر بني العباس، ويعد القرن الرابع الهجري تحديدًا خير شاهد على ذلك؛ إنها في ذلك الزمن بدأت تعطي في مجالات معرفية شتى بأيدي العرب وغير العرب ممن ينطقون بألسنة أخرى لكن انتماءهم الحضاري جعلهم يمارسون أنشطتهم الثقافية في مجال التأليف باللغة العربية(9)، نلمس ذلك على سبيل المثال في أصحاب كتب الحديث: البخاري، مسلم، أبو داوود، الترمذي، ابن ماجة، النسائي. وبالعودة إلى الوراء في العصر ذاته نجد واحدًا مثل ابن المقفع وهو فارسي الأصل يمارس لعبة الكتابة بالعربية مفيدًا مما تعلمه من أستاذه عبد الحميد الكاتب الذي علَّمه إياها وأعطاه مفاتيح العمل بها؛ فرأينا ثمرة ذلك في إنتاج ابن المقفع الثقافي الذي احتضنته العربية وبلغ بشهرته الآفاق، ككليلة ودمنة ورسالة الصحابة على سبيل المثال (10).
وعلى الرغم من شيوع ظاهرة اجتماعية سلبية كان لها جذورها المسببة لها منذ عصر بني أمية وتعصبهم الشديد وانحيازهم للعنصر العربي؛ ألا وهي الشعوبية في عصر بني العباس التي كنت بمثابة رد فعل لذاك السلوك المعيب، وتجلَّت أماراتها في تمجيد عنصر فاعل في كيان الدولة المسلمة ألا وهو العنصر الفارسي للغته وحضارته وثقافته؛ فإن ذلك لم يمنع أبناء هذا العنصر من الإقبال على تعلم العربية، بوصفها لغة المعتقد الذي يدينون به وممارسة أدوار مؤثِّرة بها داخل السياق الحضاري الواحد الذي ينضوي تحته الجميع عرب وغير عرب؛ فها هو ذا الإمام أبو حنيفة النعمان (ت 150هـ) يؤدي دوره الإرشادي الأثير في مجال الفقه والدعوة بلسان عربي، على الرغم من أصوله التي تعود به إلى الفارسية على قول روايات تميل إلى ذلك. وما من شك إن الأسس السليمة التي رسَّخ لها الإسلام في تأثيره وانتشاره بين الناس قد ألقت بظلال إيجابية لا تزال تؤتي أكلها في رحلة الزمن؛ فالإسلام قد منح أفضلية ومكانة لسابقين أولين قدموا جهدهم في نصرته والدفاع عنه وهم ليسوا من أهل لغة القرآن؛ فبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي يقدمون نماذج واضحة لهؤلاء الذين أقبلوا على العربية وازداد ارتباطهم القلبي والعقلي بها مع اعتناقهم للإسلام وقد تبوأوا مكانة علت كثيرًا فوق مكانات أصحاب العصبيات القبلية من العرب منتسبي هذا الدين؛ بحكم نظرة سمحة لا تحتفي بالقبيلة وبالنسب؛ إنما تقدم التقوى مع التضحية والسبق على غيرها من معايير التقييم، نلمس ذلك في قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(11)، وقوله: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا"(12)، كل ذلك أسَّس لنظرة بات أثرها واضحًا فيما تلا من قرون.
ولا غرابة في أن معيار التصنيف والتقييم هذا يُعد أحد أسباب فاعلية العربية ورغبة الناطقين بغيرها في تعلمها؛ لما ينطوي عليه من سماحة وعدل ومساواة؛ فحضور الإسلام في مناطق من جنوب شرق آسيا في العصور الوسطى، كماليزيا وإندونيسيا وبقاع من بلاد الأفغان وباكستان والهند وجزر المالديف وبروناي، إضافة إلى مناطق شاسعة مما عُرف بجمهوريات آسيا الوسطى التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي منذ مطلع التسعينيات كان معتمدًا على نشاط الرحَّالة والمسافرين من المسلمين العرب لأغراض عدة في مقدمتها التجارة، التي كانت بمثابة فرصة سمحت للعربية بالتمدد بين أبناء هذه البلاد (13)، مع ما رآه أهلها من قيم سلوكية مثالية مردها عقيدة هؤلاء التجار، وعلى جانب قاري آخر نلمح الحال نفسها مع انتشار الإسلام والعربية بين الأفارقة جنوب الصحراء عبر أدوار مماثلة كانت التجارة أحد السبل المؤدية إليها؛ فالإسلام والعربية في بقاع مثل مالي وتشاد والنيجر، وفي بقاع مثل تنزانيا، وجيبوتي والصومال وأجزاء من أثيوبيا - التي أُتيح لها فرصة معرفة الإسلام منذ أن خرج غضًّا طريًّا يتحسس طريقه في التقوي والانتشار - ونيجيريا كان وثيق الصلة بأسفار غير عسكرية أدت إلى حالة من التفاعل المركَّب من جوانب اجتماعية واقتصادية ودينية، كانت محصِّلتها أن وجدت العربية لنفسها مواطئ أقدام في هذه البقاع من أرض الله، وليس بخفي ما لأسرة آل بوسعيد التي تحكم الآن سلطنة عمان من دور سياسي واجتماعي في هذا الحضور الفاعل للعربية وللإسلام في مناطق الشرق الإفريقي وما جاورها منذ القرن الثامن عشر الميلادي (14).

يتبع..


إدارة المجمع 10-03-2016 07:06 PM



وفي ثنايا هذا المسرد التاريخي تجدر الإشارة إلى أن الدافع الاعتقادي وأثره في الاقتراب من العربية تعلمًا يقود إلى نوايا أخرى تتصل بالعقيدة أيضًا، لكن ليس على سبيل الاعتناق المبني على الإيمان الصادق، ولكن على سبيل المواجهة المصحوبة بمفردات الصراع بغية الإضعاف، والحديث من هذه الزاوية يقود إلى ظاهرة عُرفت بعد ذلك بظاهرة الاستشراق، ويُطلق على المَعْنيِّ بها أفردًا وجماعات لفظة مستشرق، والمقصود بها الشخص أو الجهة التي خصَّصت نفسها في عمل دراسات عن الشرق. ولا شك في أن مثل هذه الدراسات تعود بجذورها إلى عصر بني العباس وانتقال جانب كبير من المادة المعرفية المكتوبة بالعربية إلى أوروبا في العصور الوسطى؛ بغرض الترجمة والاتكاء على هذا المنجز في محاولات النهوض. إن هذه العملية مثَّلت نقاط تأسيس لعمليات بدأت تأخذ شكلاً أكثر تنظيمًا ووعيًا ترعاها نظم رسمية ومؤسسات ترى في إنشاء مراكز بحثية تضم إليها متخصصين ضرورة في مسائل الفهم والكشف والإدراك للغة والثقافة والمعتقد الديني، التي تشكل جميعها هوية الأمة ووجهها المميز بين غيرها. وقد أخذت هذه الدراسات الاستشراقية في الصعود الكمي والكيفي منذ القرن التاسع عشر، يعززها بالطبع نشاط لافت في حقل الترجمة، الذي يقودنا إلى عصر بني العباس كذلك وخزانة بيت الحكمة منذ أواخر القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الهجريين؛ فمن اللسان الرومي والسرياني والعبراني إلى العربية، تولدت في المقابل على الجانب الآخر عمليات نقل من العربية إلى هذه الألسنة وغيرها بالطبع.
إذًا فإن قضية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تفتح على مفردات وثيقة الصلة بها، من الصعب فصلها عنها عند التصدي لها بالبحث:
- المعتقد الديني.
- الاستشراق.
- الترجمة.

وإذا جئنا إلى القرن العشرين نجد أنفسنا أمام حالة تتخذ من العمل الجمعي منطلقًا لها، يمكن تحديده في مفردات، كهذه: مراكز تعليمية أهلية متخصصة، ومراكز تعليمية متخصصة ذات صفة حكومية، ومراكز بحثية تابعة لجامعات، وأقسام علمية في جامعات، وبعثات للتعلم تأتي من دول غير ناطقة بالعربية إلى بلدان العالم العربي المختلفة، ووفود متخصصة وأفراد يخرجون من بلدان العالم العربي إلى بلدان غير ناطقة باللسان العربي؛ فإذا ما نظرنا إلى بلد مثل ألمانيا وتركيا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا نجد أن أنشطة تعليم اللغة العربية تحظى باهتمام كبير في هذه البلدان، وفي المقابل نجد دولاً مثل: مصر، سوريا قبل أزمتها، اليمن قبل أزمته، العراق قبل أزمته تمثل مراكز استقبال لوافدين من آسيا وإفريقيا وأوربا لتعلم العربية، لحقت بها في هذا المجال بلدان خليجية مثل: السعودية، وقطر، والإمارات، في شكل مبادرات واتفاقات فردية وأهلية حينًا، وعبر اتفاقات تعاون ثقافي ثنائي يتخذ الشكل الرسمي بين الدول حينًا آخر، وفي هذا الأخير فإن نشاط تعليم العربية للأجانب يتم من خلال آليتين:

- الأولى: إعداد مراكز تعلميمة متخصصة على شكل أقسام علمية في جامعات، أو تخصيص مراكز استقبال مُعَدَّة لهذا الغرض، ولجامعة الأزهر في مصر نصيب وافر في هذا الشأن تنافسها في ذلك جامعات أخرى مثل القاهرة وعين شمس والإسكندرية، وجُلّ قاصدي هذه المراكز والأقسام من دول مثل: ألبانيا ومقدونيا (بلاد البلقان) في أوربا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، يلي هذه الشرائح جنسيات أخرى كالهند والصين وإندونيسيا وماليزيا، ثم أفارقة من غانا ونيجيريا والنيجر وتشاد ومالي وتنزانيا... ودول إفريقية أخرى.
- الثانية: إنشاء مراكز تعليمية متخصصة في بلدان ناطقة بغير العربية تتم بتعاون مشترك بين أقطار عربية كمصر والسعودية وهذه البلدان، وفي هذا المقام تخرج كوادر متخصصة تقوم بهذا الدور في تلك البلاد، ويحظى عدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا، كأوزبكستان، وطاجيكستان، وكازاخستان، وتركمانستان بنصيب لا بأس به من هذه الآلية ينافسها في ذلك بلدان أوربية مثل: ألبانيا والبوسنة والهرسك، وبلدان إفريقية، مثل: الكاميرون، وبوركينا فاسو، وتنزانيا، والنيجر، والسنغال، وغينيا الاستوائية... وغيرها.

تعقيب:
ووفق هذا الطرح فلابد من الوضع في الحسبان ما تتعرض له الهوية العربية من حملات بقصد الإساءة والتشويه ازدادت قوة منذ القرن التاسع عشر تفرض على المعنيين بقضية تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها التزامًا أكبر، يراعي التوسع الأفقي المؤسس للمراكز المهتمة بهذا الشأن، بناء على تضافر الجهود الرسمية وغير الرسمية لتحقيق هذا الغرض، وعلى صعيد المحتوى المقدم للمتعلم خصوصًا الشريحة التي تدين بالإسلام يجب إقامة نوع من التوازن بين ما هو أدبي وبلاغي ونحوي يلبي مقتضيات اللغة ويتوجه إلى جانب المهارة وما هو خاص بأمور العقيدة فقهًا وتشريعًا وعبادة ومعاملة. ولا شك في أن الارتقاء بدور المعلم على المستوى الأخلاقي والسلوكي لينضاف إلى ما يؤديه دور الداعي إلى الله الموجه يمثل عاملاً قويًّا في هذا المقام. إن جامعة الأزهر تدلي بدلوها في هذه الناحية، المطلوب توسعة هذا الدور والإفادة من رصيد الخبرات المتراكم فيه والبناء عليه؛ لتصبح تجربة إعداد متقن للعربية كتابة وحديثًا ملمًّا بقدر لا بأس به من فنونها الأدبية وعلى دراية وإدراك لما يتضمنه دينه الإسلامي من قيم تنطلق من افعل ولا تفعل، وترتكن إلى جانب النص (القرآن والسنة)، بمثابة ناتج لعملية تعلم ناجحة تتأسس على مخطط منهجي تتعاون على إعداده فرق عمل تعي تمامًا طبيعة الشريحة المستهدفة والغاية المطلوب الخروج بها في نهاية المطاف؛ ومن ثم يصير الجانب اللغوي (صوت، صرف، نحو، مداخل بلاغية) وسيلة إلى غاية نصية تتضمن فيما تتضمن (جوانب أدبية شعرية ونثرية ومعها جنبًا إلى جنب ما يتصل بالعقيدة تفسيرًا وفقهًا بما يلائم قدرة المتعلم على الاستيعاب).

____________________________________
1 - سورة البقرة: من الآية 31.
2 - سورة الحجرات: من الآية 13.
3 - سورة البقرة: من الآية 251.
4 - انظر: د. أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب، من ص 80 إلى ص90، الطبعة السادسة، 1988م، عالم الكتب، القاهرة.
5 - انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة: عجم، الموسوعة الشعرية الإلكترونية، ركن المعاجم، إصدار 2003، المجمع الثقافي العربي، الإمارات العربية المتحدة.
6 - انظر: عباس العقاد، اللغة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين، من ص 10 إلى ص13، طبعة 2000م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
7 - سورة الشورى: من الآية 6.
8 - انظر: جوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، من ص131 إلى ص147، طبعة 2000م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
9 - انظر: السابق، من ص181 إلى ص202، ومن ص563 إلى ص579.
10- انظر: سليمان فياض، الوجه الآخر للخلافة الإسلامية، من ص195 إلى ص199، طبعة 2014م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
11 - سورة الحجرات، من الآية 13.
12 - سورة الحديد، من الآية 10.
13 - يمكن الرجوع في هذا الشأن ما ورد في المقدمة والباب الأول من رسالة الدكتوراه التي قدمها الطالب: أحمد هداية الله زركشي الإندونيسي: اللغة العربية في إندونيسيا دراسة وتاريخًا، إشراف: د. ظهور أحمد أظهر، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الدراسات الشرقية جامعة البنجاب، لاهور، باكستان، 1411هـ، 1991م.
14 - انظر: دائرة المعارف العالمية على الإنترنت: www.wikipedia.org.




الساعة الآن 10:28 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by