![]() |
"النجاح "عباس محمود العقاد(1)
النجاح
عباس محمود العقاد ماكس نوردو اسم عرفه قراء هذه المجلة بما نشرته لهم ملخصاً عن كتابه الأكاذيب المقررة في المدينة الحاضرة ولهذه النقادة غير كتاب الأكاذيب كتب عدة نبحث في موضوعات شتى، فمنها كتاب الانحطاط والاضمحلال ومنها كتاب الفنون وأهل الفنون ومنها كتاب الغرائب وهو الذي نلخص عنه هذا الفصل في موضوع النجاح. والنجاح على كونه طلبة العامل والعاطل، ومنية الكبير والصغير، فقليلاً ما كتب فيه الكاتبون، وقل في هذا القليل من أصاب وأفاد، لأن للنجاح صناعة يموت أكثر الناجحين على سرها. أو يبوحون ببعض السر ويكتمون بعضه خجلاً أو استئثاراً. إلا أن نورد وسلك في هذا الفصل مسلك التعريض بأسباب النجاح في عصرنا هذا، فجر وسائله ولم يأت في جده وهزله بكلمة لا يؤيدها الواقع أو يقوم عليها الشاهد من العيان. ولكنها حقائق لا يقبلها ولا يثق بها إلا رجل أفلح أو رجل أخفق. فأما المفلح فيعلم بم نجح، وأما المخفق فيعلم لمَ لمْ ينجح، وأما الذين هموا بالنجاح ولم يمارسوه، وعشوا إلى ضوء ناره ولم يواقعوه، وحلموا بإدراكه ولم يحققوه، فأولئك يثقون بأحلامهم وأمانيهم أكثر من ثقتهم بهذه الحقائق المؤيدة وإن كانت غير شريفة، والتجارب الصعبة على كونها أسهل من الشرف في إحراز النجاح. وقد أفرغه في قالب الدعابة والسخر ولكن فيه من روح التذمر والنقمة ما يحسده عليه شوبنهور أمام الساخطين. مع أنه استهل هذا الكتاب بفصل مسهب في التيمن والتطير، فكان زبدة كلامه أن التيمن أعمق في الطباع من التطير، وأن النفوس أسكن إلى حسن الظن بالناس والحياة منها إلى سوء الظن بهم. ولما ظهر هذا الفصل حسبه بعض الجهلاء جادوا في قوله، وفهموا أنه يجيز استخدام هذه الوسائل ولم يفهموا أنه ينكرها ويشهر بها، فقرعوه أقبح التقريع وسبوه في أخلاقه ومبادئه، فذيل الفصل في الكتاب بكلمة قال فيها إنه كان يود لو أتيح له نشر صور هؤلاء الكتاب لأنهم ولا ريب من عجائب المخلوقات في هذا القرن العشرين. وكأنهم استغربوا من الرجل مجاهزته بأن النجاح يغتنم أحياناً بالخداع والتلبيس - استغربوا منه ذلك جرياً على مذهب المتشددين في تربية الناس وهم أحوج الناس إلى من يتشدد في تربيتهم، والقائلين بتجاهل مثالب المجتمع وهم من حسور النظر بحيث لا يعلمون مثالب المجتمع أو محامده، وطالما سمعناهم يحتمون على الكاتب إذا كتب في النجاح أن ينبه القراء إلى التعويل على أنفسهم وإلى تمحل أسباب النجاح وابتغاء الوسائل إليه. قلنا إن كان هذا واجباً فأوجب منه أن ننبه الأمة إلى أن المعول في نجاح تلك الوسائل إنما هو عليها. فإن زمناً من الأزمان لم يخل من وسائل للنجاح كائنة ما كانت. وإنما على الأمة أن تحذر لئلا تكون تلك الوسائل مما لا يحذقه إلا أرزالها، ومن لو نجحوا الأضر نجاحهم بها، وكان تقدمهم وبالاً عليها، ولئن كان من واجب الفرد أن يسعى ليستحق النجاح فلا نزاع في أن واجب الأمة أن تسعى لينال النجاح من يستحقه، إذ ليس كل من ينال النجاح ويستحقه، ولا كل من يستحق النجاح يناله. ولو كان العامل وحده هو المؤثر في عمله للزمته وحده تبعة النجاح أو الخيبة، ولكن للنجاح أركاناً هي العمل والعامل ووقت العمل ومكانه. فربما كان العامل واحداً في البلدين فينجح هنا ويحبط هناك وربما كان العامل بعينه والبلد بعينه ولكنه ينجح في وقت ويحبط في وقت آخر. وقد تكون البيئة واحدة والعمل هو هو فيقدم عليه اثنان يظفر أحدهما ويفشل الآخر. فلا يجوز أن يتجه اللوم كله إلى العامل. فربما كان الفشل في بعض البيئات أشرف للرجل وأصون لمروءته وأدل على قدرته الصحيحة من نجاحه. وهؤلاء النشوئيون واضعو قاعدة بقاء الأنسب لا يتخذون النجاح معياراً للأفضلية، ولا يقولون أن بقاء الأنسب معناه بقاء الأرقى والأحسن. بل قد يكون الأمر على نقيض ذلك. قال سبنسر: ليس المراد بقانون بقاء الأحسن أو الأقوى هذا المعنى الذي تنطوي عليه حروف هذه الكلمات في عرفنا. ولكن المراد به بقاء أولئك الذين هم أصلح بتركيب أجسامهم للحياة في البيئة والأحوال التي وضعوا فيها. وكثيراً ما يتفق أن ما هو أحط وأصغر في التقدير الإنساني يسبب البقاء. ونحن بادئون بتلخيص ذلك الفصل. سأل نوردو: ـ أي غاية نتوخاها من هذا التعليم المدرسي ومن عامة أصول التربية والتهذيب؟؟ قال لا لبس في جواب هذا السؤال. إذ لا ينبغي أن تكون الغاية القصوى من ذلك إلا أن نجعل الحياة أوفق لنا بتعميقها، ومضاعفة خيراتها، وتزيين ظاهرها وباطنها. وإذا التمسنا الإيجار فأن تزيدنا وتزيد المجتمع الذي نحن فيه رغداً ورفاهة. وليس لهذه الحقيقة إلا وجه واحد فأما من يخالف في ذلك من علماء التربية فهم يقعون دون المرمى. وربما قال أحدهم أن غاية المدرسة هي تكوين الشخصية. فلعمري ما معنى هذا الكلام إذا نحن أنعمنا في تحليله؟؟ ما كانت الشخصية لتصب في قالبها لجمال محياها أو لتروق نظر الناظرين إليها كما يصب التمثال. ولكنها خلق يرام به شيء من النفع. وما المثابرة على الغرض، والثبات في الأعمال، والإصرار على الرأي والصدق في الرغبة، والإقدام إذا أعوز الأمر إلى الخصام، إلا درع يستلئمها الرجل وسلاح يتقلده في كفاح الحياة وتنازع البقاء. وهم يسلمون بأنها أخلاق تمهد لصاحبها الغلب على أعدائه ومنافسيه. يقولون وإذا شاء الله مرة أن يظهر الذي هو أدنى على الذي هو أعلى ففي هذه الأخلاق سلوة وشفاء لا لم الفشل وعون على الرضى عن النفس، بل وعلى المباهاة بتلك الخصال التي نجم عنها اندحار المهزوم وخيبته. وربما قالوا أيضاً أن الغرض من المدرسة إنماء العقل، وتقوية العزيمة، وتهذيب المشاعر لتحس الطيب والجميل من الأشياء. فقل لي ما هو فحوى كلامهم هذا؟؟ إن العقل ينمو ليتفهم به الرجل أسرار الطبيعة وأمزجة الناس، فيتمتع بما في معرفة طبائع الأشياء وعناصرها من اللذة والغبطة - ذلك إلى حد تنتهي عنده لذة المعرفة وغبطتها. ثم يتذرع بها إلى ذود الضرر عنه وجلب المنفعة إليه، وأما العزيمة أو الإرادة فإنما يستحب أن تقوى ليدرأ بها ما يؤذيه ويثبطه، ولا يقصد بتهذيب الأذواق وإعدادها للإحساس بالجمال والخير إلا أن تكون باباً يلج منه إلى النفس مشاعر لاذة لها، سارة لوجداناتها، فهل لهذا الكلام فحوى إلا أن تصير الحياة أوفق للإنسان؟؟. قال نوردو فإذا نظرنا إلى مدرسة اليوم بأساليبها وبرامجها أترانا نجدها كافلة بهذه الغاية، مفضية إلى هذه الجهة؟؟ قال كلا فإنها لا تخرج إلا تلاميذ يطرحون سلاحهم للصدمة الأولى، وكأن الذين سنوا طرائق التربية طغمة من دهاة الساسة أرادوا أن يستحوذوا على عروض الحياة ويحرموا منها الناس أجمعهم، فاجتمعوا على ابتكار هذه الطرائق يعلمون الناس كيف يعجزون عن تحصيل تلك العروض، وكيف يقنعون من الغنيمة بالإياب. ثم تطرق من هذا إلى دعابة مفعمة بالجسد والحقيقة الدنيوية، قال: بين النظام المدرسي الآن فجوة لا يحسن أن تظل بعد اليوم فارغة. ولقد لهوت حيناً بأحلام كنت أرددها وكنت أمني النفس بإنشاء مدرسة تعلن للملأ جهرة أنها لا تنوي أن تشتغل بغير آلات النجاح وتجهيز تلاميذها له، ولا تأبه للخيالات المجردة أو تعيرها جانباً من همها. وكنت أعلم أن أناساً من عصرينا صعدوا سلم النجاح واقتعدوا كاهله، وما حضروا في مدرسة النجاح درساً ولا فتحوا بين يدي أساتذتها كتاباً، ولكن هذا لا يقدح في سداد الفكرة فقدما نشأ في أزمان الهمجية، وفي أصقاع لا أثر لمعاهد العلم فيها، رجال بذوا قرناءهم بالحذق والمعرفة، معرفة حصلوها بفطنتهم وجمعوها بطول الجد والمراقبة، ولكنها طريقة في التعليم ما أشقها على الرجل المستقل بأبحاثه ودروسه. قال ولو التفت العصامي الذي اخترق في الزحام سمته إلى النجاح بسائق لدنى من نفسه لآسفه أن ينظر إلى ذلك السمت فيرى كم زاوية فيه سلكها ثم تنكبها، وكم عقبة تسنمها ثم انحدر عنها، وفيفاء مرحلة جاس خلالها وكانت له ندحة عنها لو وفق إلى دليل خبير، أو وقف على مداخل تلك الأنحاء ومخارجها. قال ولكني أحجب النساء عن باب مدرستي لأنهن غوان عن نصائحها إذ ليس نجاح المرأة إلا أن تكون حظية في عين الرجل والنساء مدلولات بالفطرة على ما يحبب فيهن الرجال. وما ظلمهن إلا من يعلمهن الرسم والتاريخ وذبح اللغات الغريبة باللحن في نطفها وما شاكل ذلك مما يرعب الرجال منهن. قال: وأن المشارقة بما هدتهم إليه البديهة الموروثة، والحكمة الأصيلة قد تعودوا النظر إلى المسائل بعين أسد وقريحة أصوب من أهل الغرب، فما رأيناهم يعلمون البنت إلا الغناء والرقص والبراعة في الضرب على أداة من أدوات الطرب، ويعلموهن قص القصص، وخضب الأنامل بالحناء، وكحل الدفون بالأمد، وما يلحق بهذه الصناعة التي تتصبى إليهن الرجال وترغبهم فيهن بما تزخرف من محاسنهن وتزين لشركائهن في الحياة فيتعلقون بهن. هذا وبناتنا المسكينات يعوقهن التعليم المدرسي عن مجاراة غرائز المرأة وإن كانت مجاراة هذه الغرائز أنفع لهن وأجدى من جميع ما يلقنه أولئك الأساتذة سيان من يلبس النظارات منهم ومن لا يلبسها. وسرعان ما تستدير إحداهن المدرسة بمصاعبها وتكاليفها حتى تنطلق مع أميالها وتربي نفسها التربية التي خلقت لها ثم تتعلم بوحي من غرائزها كيف تنقش وجهها بالطلاء الأحمر وتدمه بدقيق الأرز ولا تبالي أن تلبس أوقح الحلل وأبعدها عن الحشمة وأن تمشي وتقوم وتجلس على هيئة تكشف لك سر ما أسخطك لأول وهلة من تفصيل ملابسها، وإن تقلب مروحتها برشاقة ذات معان وألغاز، وتعرف كيف تسبل أهدابها وتشيع أجفانها بغمزات تستهوي النفوس إليها، وتغري الأهواء بها. وكيف تتخذ لوجهها أملح الحركات وألطف الإشارات، وتتصنع سذاجة الطفولة في نبرات صوتها، وعبث الشبيبة في غراراتها، إلى أن قال: وماذا يعنيها من نقد الناقدين؟؟. فأما أترابها من النساء فهي لا تؤمل عندهن عطفاً ولا مودة، وهبهن قد عطفن عليها وأزلفن إليها بالمودة فأي ربح لها في ذلك؟؟ وأما الرجال فماذا عليها من أن يعرض عنها أحد العلماء أعراض الإنكار والاستياء إذا كان فتيان النوادي وظرفاء الشبان يرصدونها بمجاهرهم ويلحظونها بعين الإعجاب والاستحسان. |
| الساعة الآن 02:34 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by