![]() |
هل يجوز حذف الموصول الاسمي مع بقاء صلته؟
هل يجوز حذف الموصول الاسمي مع بقاء صلته؟ د. مصطفى شعبان الحذف وارد في لغة العرب بكثرة حتى جعله أبو الفتح بن جني في ((الخصائص))(1 ) من شجاعة العربية، وأرجع معظم هذه الشجاعة إلى الحذف والزيادة والتقديم والتأخير ، والحمل على المعنى .. ثم يقول عن الحذف: ((قد حذفت العرب الجملة، والمفرد، والحرف، والحركة ، وليس شيء من ذلك إلا عن دليل عليه ، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته)) . ومن أضرب الحذف الواردة في لسان العرب ((حذف الموصول الاسمي)) عند العلم به ، ووجود ما يدل عليه مع بقاء صلته. وإنما قلنا ((حذف الموصول الاسمي)) لا الحرفي ، لأن الحرفي لا يجوز حذفه إلا (أنْ) فيجوز حذفها باطراد إجماعًا نحو : ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[النساء: 26](2). وقد وقع الخلاف في حذف الاسمي عند العلم به بين مدرستي النحاة البصرية والكوفية : فالكوفيون والبغداديون وتبعهم الأخفش وابن مالك يجيزون حذف الاسمي غير (أل)(3 ) . واشترط ابن مالك في جواز الحذف أن يكون هناك قرينة في السياق تدل على هذا الموصول المحذوف ، هذه القرينة قد تكون لفظية : ككونه معطوفًا على موصول آخر ، أو معنوية : كقصد الإبهام(4 ) . وقد استدل المجوِّزون على مذهبهم بالسماع والقياس : أما أدلتهم من السماع : فمن النظم القرآني : قوله تعالى :(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)[العنكبوت:22] قال الفراء : ((يقول القائل : وكيف وصفهم أنهم لا يعجزون في الأرض ولا في السماء وليسوا من أهل السماء؟ فالمعنى – والله أعلم - : ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا مَنْ في السماء بمعجزٍ ، وهو من غامض العربية للضمير الذي لم يظهر في الثاني..)( 5). وقوله تعالى : (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت:46] أي: وبالذي أنزل إليكم . قال ابن مالك : ((وهو أقوى الحجج))( 6) . ومن شواهد الشعر : قول حسان بن ثابت( 7) [من الوافر] : فمَنْ يهجُو رسول الله منكم *** ويمدحُهُ وينصره سواءُ قال الفراء : ((أراد : ومن ينصره ويمدحه ، فأضمر (مَنْ) وقد يقع في وهم السامع أن المدح والنصر لـ (مَنْ) هذه الظاهرة ، ومثله في الكلام : أكرم من أتاك وأتى أباك ، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدًا، تريد: ومن لم يأت زيدًا))(8 ). قال ثعلب في ((مجالسه))(9 ): ((اختصم عندي من يقوم ويقعد ، قال : أجازه الفراء في الاستواء ، وهو مثله في الحذف والإقرار)). ومنه قول بعض الطائيين(10 ) : [من الخفيف]: ما الذي دأبه احتياطٌ وحزمٌ *** وَهواه أطاعَ يستـــويــَانِ والتقدير : أي : والذي هواه أطاعَ . ومنه قول عبد الله بن رواحة(11 ): [من الطويل] فوالله ما نِلْتُم وما نِيْلَ مِنكمُ *** بمعتدلٍ وَفْقٍ ولا مُتَقَارب والتقدير: أي : ما الذي نلتم وما نيل منكم ، وفيه تجويز حذف الموصول وإن لم يعطف على موصول آخر ، ولعل القرينة هنا في التجويز قصد الإبهام كما ذهب ابن مالك، يقول الشيخ الدسوقي في ((حاشيته على مغني اللبيب))( 12) : ((والداعي للتقدير في الآية – أي قوله تعالى:(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت:46] أن القرآن المنزل إلينا مغاير لما أنزل لليهود من التوراة ؛ والداعي للتقدير في البيتين – أي الأول والثاني - : الإخبار عن المبتدأ بمادة التسوية ، وهي إنما تكون بين متعدد )) . وهذا يؤيد مذهب مجوزي الحذف عند توفر القرينة المعنوية – أو دلالة السياق- . وقال الأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة : ((وقد خرَّج أبو حيان آيات كثيرة على حذف الموصول الاسمي))( 13) . أما احتجاجهم بالقياس : فيقول ابن مالك : ((وإذا كان الموصول اسمًا أجاز الكوفيون حذفه إذا عُلم، وبقولهم في ذلك أقول ، وإن كان خلاف قول البصريين إلا الأخفش؛ لأن ذلك ثابت بالقياس والسماع . فالقياس على (أنْ) – أي الموصول الحرفي – فإن حذفها مكتفى بصلتها جائز بإجماع مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه؛ لأن صلة الاسم مشتملة على عائد يعود عليه ، ويميل المذهب إليه، وفي ذلك مزيد على ما يحصل بالصلة ، وصلة الحرف لا مزيد فيها على ما يحصل بها ، فكان الموصول الاسمي أولى بجواز الحذف من الموصول الحرفي ، وأيضًا : فإن الموصول الاسمي كالمضاف ، وصلته كالمضاف إليه ، وحذف المضاف إذا علم جائز ، فكذلك ما أشبهه))(14 ). ومن الاستدلال بالقياس أيضًا على مذهب المجوِّزين : يقول الرضي الاسترآباذي : ((وأجاز الكوفيون حذف غير الألف واللام من الموصولات الاسمية خلافًا للبصريين .. ولا وجه لمنع البصريين من ذلك من حيث القياس ؛ إذ قد يحذف بعض حرف الكلمة وإن كانت فاءً وعينًا كشية، وسه، وليس الموصول بألزق منهما ..))(15) . وذهب البصريون ما خلا الأخفش إلى المنع من حذف الموصول الاسمي مطلقًا، وأولوا الآيات التي احتج بها الكوفيون ، وحملوا الأبيات على الضرورة(16 ). قال أبو العباس المبرِّد:((وفي كتاب الله عزَّ وجلَّ:(يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29] فالقول عندنا أن (مَنْ) مشتملة على الجميع؛ لأنها تقع للجميع على لفظ واحد ، وقد ذهب هؤلاء القوم – يعني الكوفيين- إلى أن المعنى: ومَنْ في الأرض ، وليس المعنى عندي كما قالوا – في بيت حسان : فَمَنْ يَهْجو رَسولَ الله منكم *** ويمدحُهُ وينصره سواءُ إنما المعنى : ومَنْ يمدحه وينصره ، وليس الأمر عند أهل النظر كذلك، ولكنه جعل (مَنْ) نكرة ، وجعل الفعل وصفًا لها ، ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف، فكأنه قال : وواحد يمدحه وينصره ، لأن الوصف يقع في موضع الموصوف ، إذا كان دالًّا عليه))( 17) . قال أبو إسحاق الزجَّاج – ردًّا على الكوفيين ويخصُّ الفراء تعريضًا – عند توجيه إعراب قوله تعالى :(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [النساء: 46]: ((وقال بعض النحويين المعنى : مِنَ الذين هادوا مَنْ يحرفون ، فجعل (يحرفون) صلة (مَنْ) ، وهذا لا يجوز ؛ لأنه لا يحذف الموصول وتبقى صلته))( 18). وفي تفسير البيضاوي خَرَّج الإمام قوله تعالى :(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) [العنكبوت: 22] على حذف الموصول الاسمي وفاقًا للكوفيين والمجـوزين، فقال : ((وقيل: ولا مَنْ في السماء ، كقول حسان .. – وذكر قول حسان..))(19 ). وهو عين ما ارتضاه الإمام الزمخشري في ((الكشاف))( 20). ولكن الخفاجي تعقب هذا التخريج قائلاً : ((قوله: ((وقيل: ولا مَنْ في السماء، يعني : أنه حذف منه اسم موصول ، هو مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: ولا من في السماء بمعجِزِه ، والجملة معطوفة على جملة ((أنتم بمعجزين في الأرض)) ووجه ضعفه ظاهر ؛ لما فيه من حذف الموصول مع بقاء صلته، وهو ضعيف ..))(21 ) . ثم يقول الشهاب في تأويل قول حسان : ((والحذف فيه ظاهر ؛ لأنه لو عطف على صلة (مَنْ) الأولى كان الهاجي والمادح شخصًا واحدًا ، ولا يصح الإخبار عنه بسواء لما فيه من مساواة الشيء لنفسه، إلا أن يجعل الموصول عبارة عن اثنين أو فريقين وهو خلاف الظاهر أيضًا، وقد قيل إنه ضرورة فلا يقاس عليه مع أن ابن مالك اشترط في جوازه عطفه على موصول آخر كما في البيت ))( 22). فالشهاب سلك مسلك المانعين – البصريين – في ردِّه على تخريج البيضاوي مضعفًا إياه لما فيه من حذف الموصول مع بقاء صلته ، ولكنه عند تأويل بيت حسان يرى أن حذف الموصول الثاني فيه ظاهر ، وأراه يميل إلى عدم اعتبار الحذف فيه من قبيل الضرائر الشعرية ، خاصة أن في السياق ما يدل عليه وهو عطفه على موصول آخر كما هو شرط ابن مالك . وقد يقتضي المعنى تقدير أسماء موصولة محذوفة ولولا هذا التقدير لفسد المعنى، نحو قولك : ((ينبغي أن يفرق العاقل بين من يحبه ويكره ، ويبغضه ويعاديه، ويناصره ويفاديه))، وذلك لأن المتحدَّثَ عنهم في المثال طوائف متعددة، ولن يظهر التعدد إلا بتقدير ((مَنْ)) ، ولولاها لأوهم الكلام أن تلك الأمور كلها منسوبة لفريق واحد ، وهي نسبة فاسدة ، فيجب مراعاة الموصول المحذوف. ومن تقرير الشهاب السابق نجده يسلك مسلكًا وسطًا بين المانعين والمجوزين فهو يضعف حذف الموصول وبقاء صلته ، ولا يقدر موصولاً محذوفًا إلا إذا عطف على موصول آخر – كما اشترط ابن مالك – وهو مسلك سديد. والبحث يؤيد وجهة نظر المجوِّزين من الكوفيين ومن تبعهم من البغداديين ومن البصريين ، كالأخفش ، وابن مالك ، والرضي ، في أنه لا وجه لمنعه لا سيما أنَّ في السماع والقياس ما يثبته ويقويه ويشهد له؛ شريطة أن يتوفر في السياق مِنَ القرائن اللفظية (كعطفه على موصول آخر) ، أو المعنوية (كقصد الإبهام ونحوه)، فتضعيف الشهاب للجواز ضعيف ، لقوة أدلة المجوِّزين ، والمنع على إطلاقه كما ذهب البصريون غير مقبول . ----------------------- (1 ) ((الخصائص)) لأبي الفتح عثمان بن جني – تحقيق محمد علي النجار – الطبعة الرابعة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999م – /(2/362) . ( 2) ((حاشية الصبان على الأشموني)) للعلامة محمد بن علي الصبان (1/278-279) . (3 ) هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة ، كان مولىً لبني مجاشع بن دارم ، وهو من أكابر أئمة النحويين من البصريين – وكان أعلم من أخذ عن سيبويه ، وهو أشهر الأخافشة ذكرًا في النحو ، فلذا ينصرف إليه الحديث عند ذكر (الأخفش)، توفي سنة 215هـ على خلاف في سنة وفاته ، وللاستزادة من ترجمته يراجع : ((نزهة الألباء)) (ص:107)، ((طبقات النحويين)) للزبيدي (ص:72) ، ((مراتب النحويين)) (ص:111) ، ((بغية الوعاة)) (1/590). (4 ) ((ارتشاف الضرب)) (2/1045)، ((مغني اللبيب)) (2/1286) ، ((همع الهوامع)) (2/343-344). (5 ) ((شرح التسهيل)) (1/235) ، ((سبك المنظوم)) له أيضًا (ص:88). (6 ) ((معاني القرآن)) (2/315) ، وانظر: ((معانيه)) (1/271) . ( 7) ((شرح التسهيل)) (1/235) . (8 ) تخريج البيت : ((ديوان حسان بن ثابت)) (ص:76) ، ((معاني القرآن)) للفراء (2/315)، ((المقتضب)) لأبي العباس المبرد (المتوفى سنة:285هـ) – تحقيق الأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة – طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 1994م (2/135) ، ((مغني اللبيب)) (2/1286) ، ((شرح الأشموني)) رقم (126) ، ((شرح الشواهد)) للعيني (1/279) ، ((همع الهوامع)) (1/344) ، ((ارتشاف الضرب)) (2/1045) ، ((شفاء العليل)) (1/250) . (9 ) ((معاني القرآن)) (2/315). ( 10) ((مجالس ثعلب)): لأبي العباس أحمد بن يحيى ، تحقيق عبد السلام هارون ، دار المعارف – مصر – 1960م (ص: 465) ، وانظر (ص: 379) . (11 ) تخريج البيت: لم يعرف قائلُهُ ، وهو من شواهد ابن مالك في ((شرح التسهيل)) (1/235) ، وابن هشام في ((مغني اللبيب)) (2/1286) . (12 ) وقيل: حسان بن ثابت ،وليس في ديوانهما ، والبيت من شواهد ((شرح التسهيل)) لابن مالك (1/235) ، ((الهمع)) (1/344) ، وانظر : ((الدرر)) (1/68) ، ((شرح شواهد المغني)) (7/346) ، ((مغني اللبيب)) (2/1312) . ( 13) (2/1286). ( ) انظر: ((المقتضب)) (2/135) ، ((خزانة الأدب)) (2/490 و 562) ، ((البحر المحيط)) (1/465-466)، و(2/322، 366، 367) ، و (5/370، 510)، و (7/147، 297) ، و (8/223، 399) . (14 ) ((شرح التسهيل)) (1/235) . ( 15) ((شرح كافية ابن الحاجب)) (2/60-61). ( 16) ((همع الهوامع)) (1/344) . (17 ) ((المقتضب)) (2/135) . (18 ) ((معاني القرآن وإعرابه)) لأبي إسحاق الزجاج – شرح وتحقيق دكتور/ عبد الجليل عبده شلبي – طبعة عالم الكتب – بيروت – 1408هـ - 1988م/(2/58) ، ((معاني الفراء))(1/271) . (19 ) ((أنوار التنزيل)) (4/192) ( 20) ((الكشاف)) (3/482) ، ((البحر المحيط)) (8/350) . (21 ) ((عناية القاضي)) (7/97). (22 ) المصدر السابق (7/97) |
| الساعة الآن 08:10 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by