![]() |
مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=7
مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=7
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ 1 الْمَوْتُ ضَحِكًا " حَدَّثَني شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ ، قالَ : كانَتْ بِالْمَدينَةِ عَجوزٌ شَديدَةُ الْعَيْنِ ، لا تَنْظُرُ إِلى شَيْءٍ تَسْتَحْسِنُه إِلّا عانَتْهُ ، فَدَخَلَتْ عَلى أَشْعَبَ وَهُوَ في الْمَوْتِ ، وَهُوَ يَقولُ لِبِنْتِه : يا بُنَيَّةُ ، إِذا مِتُّ فَلا تَنْدُبيني وَالنّاسُ يَسْمَعونَكِ ؛ فَتَقولينَ : وا أَبَتاهْ ! أَنْدُبُكَ لِلصَّوْمِ وَالصَّلَواتِ ، وا أَبَتاهْ ! أَنْدُبُكَ لِلْفِقْهِ وَالْقِراءَةِ - فَيُكَذِّبَكِ النّاسُ ، وَيَلْعَنوني ! وَالْتَفَتَ أَشْعَبُ ، فَرَأى الْمَرْأَةَ ، فَغَطّى وَجْهَه بِكُمِّه ، وَقالَ لَها : يا فُلانَةُ ، بِاللّهِ ، إِنْ كُنْتِ اسْتَحْسَنْتِ شَيْئًا مِمّا أَنا فيهِ ، فَصَلّي عَلى النَّبيِّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - لا تُهْلِكيني ! فَغَضِبَتِ الْمَرْأَةُ ، وَقالَتْ : سَخِنَتْ عَيْنُكَ ! في أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ مِمّا يُسْتَحْسَنُ ! أَنْتَ في آخِرِ رَمَقٍ ! قالَ : قَدْ عَلِمْتُ ، وَلكِنْ قُلْتُ لِئَلّا تَكوني قَدِ اسْتَحْسَنْتِ خِفَّةَ الْمَوْتِ عَلَيَّ وَسُهولَةَ النَّزْعِ ؛ فَيَشْتَدَّ ما أَنَا فيهِ ! وَخَرَجَتْ مِنْ عِنْدِه وَهِيَ تَشْتُمُه ، وَضَحِكَ كُلُّ مَنْ كانَ حَوْلَه مِنْ كَلامِه ، ثُمَّ مات" . عن الأصفهاني في " الأغاني " 2 هَوانُ الْمُتَواقِرِ " كانَ لَنا بِالْبَصْرَةِ قاضٍ يُقالُ لَه عَبْدُ اللّـهِ بْنُ سَوّارٍ ، لَمْ يَرَ النّاسُ حاكِمًا قَطُّ وَلا زِمّيتًا وَلا رَكينًا وَلا وَقورًا حَليمًا ، ضَبَطَ مِنْ نَفْسِه ، وَمَلَكَ مِنْ حَرَكَتِه مِثْلَ الَّذي ضَبَطَ وَمَلَكَ ! كانَ يُصَلّي الْغَداةَ في مَنْزِلِه وَهُوَ قَريبُ الدّارِ مِنْ مَسْجِدِه ، فَيَأْتي مَجْلِسَه ، فَيَحْتَبي ، وَلا يَتَّكِئُ ، فَلا يَزالُ مُنْتَصِبًا ، وَلا يَتَحَرَّكُ لَه عُضْوٌ ، وَلا يَلْتَفِتُ ، وَلا يَحُلُّ حُبْوَتَه ، وَلا يُحَوِّلُ رِجْلًا عَنْ رِجْلٍ ، وَلا يَعْتَمِدُ عَلى أَحَدِ شِقَّيْهِ - حَتّى كَأَنَّه بِناءٌ مَبْنيٌّ ، أَوْ صَخْرَةٌ مَنْصوبَةٌ ! - فَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتّى يَقومَ إِلى صَلاةِ الظُّهْرِ ، ثُمَّ يَعودُ إِلى مَجْلِسِه ، فَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتّى يَقومَ إِلى الْعَصْرِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ لِمَجْلِسِه ، فَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتّى يَقومَ لِصلاةِ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ رُبَّما عادَ إِلى مَحَلِّه - بَلْ كَثيرًا ما كانَ يَكونُ ذلِكَ إِذا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ قِراءَةِ الْعُهودِ وَالشُّروطِ وَالْوَثائِقِ - ثُمَّ يُصَلّي الْعِشاءَ الْأَخيرَةَ ، وَيَنْصَرِفُ ! فَالْحَقُّ يُقالُ : لَمْ يَقُمْ في طولِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَالْوِلايَةِ مَرَّةً واحِدَةً إِلى الْوُضوءِ ، وَلا احْتاجَ إِلَيْهِ ، وَلا شَرِبَ ماءً وَلا غَيْرَه مِنَ الشَّرابِ ! كَذلِكَ كانَ شَأْنُه في طِوالِ الْأَيّامِ وَفي قِصارِها وَفي صَيْفِها وَفي شِتائِها ! وَكانَ مَعَ ذلِكَ لا يُحَرِّكُ يَدَه ، وَلا يُشيرُ بِرَأْسِه ! وَلَيْسَ إِلّا أَنْ يَتَكَلَّمَ ، ثُمَّ يوجِزَ ، وَيَبْلُغَ بِالْكَلامِ الْيَسيرِ الْمَعانِيَ الْكَثيرَةَ ! فَبَينا هُوَ كَذلِكَ ذاتَ يَوْمٍ وَأَصْحابُه حَوالَيْهِ وَفي السِّماطَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، إِذْ سَقَطَ عَلى أَنْفِه ذُبابٌ ، فَأَطالَ الْمَكْثَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلى مُؤْقِ عَيْنِه ؛ فَرامَ الصَّبْرَ في سُقوطِه عَلى الْمُؤْقِ وَعَلى عَضِّه وَنَفاذِ خُرْطومِه كَما رامَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى سُقوطِه عَلى أَنْفِه ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّكَ أَرْنَبَتَه أَوْ يُغَضِّنَ وَجْهَه أَوْ يَذُبَّ بِإِصْبَعِه ! فَلَمّا طالَ ذلِكَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّبابِ ، وَشَغَلَه ، وَأَوْجَعَه ، وَأَحْرَقَه ، وَقَصَدَ إِلى مَكانٍ لا يَحْتَمِلُ التَّغافُلَ - أَطْبَقَ جَفْنَه الْأَعْلى عَلى جَفْنِه الْأَسْفَلِ ؛ فَلَمْ يَنْهَضْ ؛ فَدَعاهُ ذلِكَ إِلى أَنْ والى بَيْنَ الْإِطْباقِ وَالْفَتْحِ ؛ فَتَنَحّى رَيْثَما سَكَنَ جَفْنُه ، ثُمَّ عادَ إِلى مُؤْقِه بِأَشَدَّ مِنْ مَرَّتِه الْأولى ، فَغَمَسَ خُرْطومَه في مَكانٍ كانَ قَدْ أَوْهاهُ قَبْلَ ذلِكَ ؛ فَكانَ احْتِمالُه لَه أَضْعَفَ وَعَجْزُه عَنِ الصَّبْرِ في الثّانِيَةِ أَقْوى ؛ فَحَرَّكَ أَجْفانَه ، وَزادَ في شِدَّةِ الْحَرَكَةِ وَفي فَتْحِ الْعَيْنِ وَفي تَتابُعِ الْفَتْحِ وَالْإِطْباقِ ؛ فَتَنَحّى عَنْهُ بِقَدْرِ ما سَكَنَتْ حَرَكَتُه ، ثُمَّ عادَ إِلى مَوْضِعِه ، فَما زالَ يُلِحُّ عَلَيْه ، حَتّى اسْتَفْرَغَ صَبْرَه ، وَبَلَغَ مَجْهودَه ؛ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَذُبَّ عَنْ عَيْنَيْهِ بِيَدِه ، فَفَعَلَ وَعُيونُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ تَرْمُقُه وَكَأَنَّهُمْ لا يَرَوْنَه ؛ فَتَنَحّى عَنْهُ بِقَدْرِ ما رَدَّ يَدَه وَسَكَنَتْ حَرَكَتُه ، ثُمَّ عادَ إِلى مَوْضِعِه ، ثُمَّ أَلْجَأَه إِلى أَنْ ذَبَّ عَنْ وَجْهِه بِطَرَفِ كُمِّه ، ثُمَّ أَلْجَأَه إِلى أَنْ تابَعَ بَيْنَ ذلِكَ ! وَعَلِمَ أَنَّ فِعْلَه كَلَّه بِعَيْنِ مَنْ حَضَرَه مِنْ أُمَنائِه وَجُلَسائِه . فَلَمّا نَظَروا إِلَيْه قالَ : أَشْهَدُ أَنَّ الذُّبابَ أَلَحُّ مِنَ الْخُنْفُساءِ ، وَأَزْهى مِنَ الْغُرابِ ! وَأَسْتَغْفِرُ اللّـهَ ؛ فَما أَكْثَرَ مِنْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه ، فَأَرادَ اللّـهُ - عَزَّ ، وَجَلَّ ! - أَنْ يُعَرِّفَه مِنْ ضَعْفِه ما كانَ عَنْه مَسْتورًا ! وَقَدْ عَلِمْتُ أَنّي عِنْدَ النّاسِ مِنْ أَزْمَتِ النّاسِ ؛ فَقَدْ غَلَبَني ، وَفَضَحَني أَضْعَفُ خَلْقِه ! ثُمَّ تَلا قَوْلَه تَعالى : " وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلوبُ " . وَكانَ بَيِّنَ اللِّسانِ ، قَليلَ فُضولِ الْكَلامِ . وَكانَ مَهيبًا في أَصْحابِه . وَكانَ أَحَدَ مَنْ لَمْ يُطْعَنْ عَلَيْهِ في نَفْسِه ، وَلا في تَعْريضِ أَصْحابِه لِلْمَنالَةِ " . عن الجاحظ في " الحيوان " |
نفع الله بكم سعادة أ.د. محمد جمال صقر
|
| الساعة الآن 06:21 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by