منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   الاستشهاد بالقرآن الكريم في علم النحو (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=15240)

مصطفى شعبان 04-22-2016 04:23 AM

الاستشهاد بالقرآن الكريم في علم النحو
 
الاستشهاد بالقرآن الكريم في علم النحو
د. سعد الدين إبراهيم المصطفى
اتصل الدين الإسلامي باللغة العربية اتصالًا وثيقًا في العصور الإسلامية جميعًا، وكان الباعث على اهتمام علماء اللغة بجمع الشواهد، وتقعيد القواعد النحوية، باعثًا دينيًا، وهو ضبط نصوص القرآن الكريم، وتعليم الطلاب لغة العرب لغة القرآن، " وكانت مناهج التعليم تمزج بين المعارف الدينية واللغوية، في الكتاتيب وحلقات المساجد، والمجتمعات، ثم في المدارس المنتظمة، وغالبًا ما يكون اللغوي رجل دين، وما عهدنا عالمًا من علماء اللغة القدامى، إلا كان مقرئًا، أو مفسرًا، أو أصوليًا، أو محدثًا، أو متمكنًا، أو فقيهًا "[1].

وكان هذا الأمر واضحًا في نظر المستشرقين فقد رأى نولدكه مثلًا: " أن العربية لم تصر لغةً عالمية حقًا، إلا بسبب القرآن والإسلام، إذ تحت قيادة قريش، فتح البدو سكان الصحراء نصف العالم لهم وللإيمان، وبهذا صارت العربية لغةً مقدسةً كذلك"[2].فأجهد العلماء أنفسهم في دراستها، واستكناه أسرارها، ليقفوا على مواطن الإعجاز في كتاب الله العظيم.

وقد شعر علماء العربية منذ القرن الهجري الأول بحاجتهم إلى تعلم العربية ومعرفة قواعدها، فاستعانوا بالشعر، في فتح مغاليق الألفاظ، والأساليب الغريبة الواردة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، فأكبوا عليه يروونه، ويحفظونه، ويدرسون أساليبه ومعانيه، وما يدور فيه من ذكر لأيام العرب ووقائعهم.

وكانت دراسة القرآن الكريم من دواعي العناية بالشعر واللغة، كما كانت أحد الأسباب التي أسهمت في نشأة المعاجم العربية، والنحو الذي بني على شواهد القرآن ومسائله، ومن هنا نجد أن الغيرة على القرآن الكريم، وصونه من التحريف على ألسنة الأعاجم، كانت السبب في وضع قواعده، وتروي لنا الأخبار أن أبا الأسود الدؤلي (ت69هـ)كان أول من وضع النحو، والسبب في ذلك أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [3]، بكسر اللام من " رسوله "، فغضب لذلك، وكان هذا حافزًا له على وضع مبادئ النحو[4].

وهكذا نرى أن القرآن الكريم كان محورًا لجميع الدراسات العربية التي قامت على هذا الأساس لخدمته، ومن بينها الدراسات النحوية، ولولاه لاندثرت العربية الفصحى، ولأضحت كاللاتينية والسنسكريتية، ولقد بين العلامة ابن خلدون (ت808هـ) ذلك بقوله: "تختلف لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر، إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلنا يحمل على الاستنباط والاستقراء، وليس عندنا لهذا العهد، ما يحملنا على مثل ذلك، ويدعونا إليه"[5].

ومعلوم أن الهدف الأساس من الاستشهاد في النحو هو بناء القواعد، وتأصيل المسائل النحوية، وبيان أصلها اللغوي، وهذا ما أكثر منه سيبويه (ت180هـ)، سالكًا منهج الأخذ بالأكثر، والقياس عليه، فقد ذهب يحلل الآيات، ويبين معانيها، ويحملها على أشرف المعاني، وأرفع الأساليب، وسآتي على موضعين فقط من مواضع استشهاده بالقرآن الكريم.

ففي قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ [6]يتكلم عن الحذف عند العرب، فقد حذف فيها شيء للعلم به، وهو مفهوم من السياق، وقد عده اتساعًا، ثم قال: " ومثله في الاتساع قوله عز وجل: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ فلم يشبهوا بما ينعق، وإنما شبهوا بالمنعوق به. وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى"[7].

وفي موضع آخر قال سيبويه: " ومثل الرفع: ﴿ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ [8]، يدلك على رفعها، رفع " حسن مآب ". وأما قوله تعالى جده: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ [9]و(﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [10]، فإنه ينبغي أن نقول: إنه دعاء ها هنا، لأن الكلام بذلك، واللفظ به قبيح، ولكن العباد كلموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وما يعنون، فكأنه -والله أعلم- قيل لهم: (ويل يومئذ للمكذبين) و(ويل يومئذ للمطففين)، أي: هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة، ووجب لهم هذا "[11].

فهذان نموذجان من النص القرآني جاء بهما سيبويه، وفيهما حمل كلام الله-سبحانه- على مقتضى كلام العرب ولغتهم، ومعرفة أسلوب الكتاب العزيز، فهو يخاطب العرب بطريقتهم في التعبير، فجمع بين عمق التحليل، وسعة الرواية، فحمل إلينا البذرة الأولى لتفسير النص القرآني وفهمه، بناءً على قواعد النحو التي أخذت منه مادتها.

وما من شك أن القواعد النحوية أخذت شواهدها من القرآن الكريم، كما كانت لخدمته، لأنه أعلى النصوص فصاحةً وبيانًا وبلاغةً وإعجازًا، كيف لا وهو كتاب الله المحكم آياته، وقد قال أبو البقاء العكبري (ت616هـ): " فأول مبدوء به من ذلك تلقف ألفاظه عن حفظه، ثم تلقي معانيه ممن يعانيه، وأقوم طريق يسلك في الوقوف على معناه، ويتوصل به إلى تبين أغراضه ومغزاه، معرفة إعرابه واشتقاق مقاصده من أنحاء خطابه، والنظر في وجوه القراءات المنقولة عن الأئمة الأثبات"[12].
______________
[1] المدخل إلى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية: عبدالمجيد عابدين، القاهرة، 1951م، ص102.
[2] اللغات السامية: نولدكه، ترجمة د. رمضان عبدالتواب، القاهرة، 1963م، ص79.
[3] الآية 3 من سورة التوبة.
[4] أخبار النحويين البصريين: لأبي سعيد السيرافي (386هـ)، تحقيق د. محمد إبراهيم البنا، دار الاعتصام، القاهرة، 1405هـ، ص12.
[5] المقدمة: لابن خلدون ص615.
[6] الآية171 من سورة البقرة.
[7] الكتاب: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت180هـ)، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط4، 1425هـ-2004م، 1: 212.
[8] الآية 29 من سورة الرعد.
[9] الآية 15 من سورة المرسلات.
[10] الآية 1 من سورة المطففين.
[11] الكتاب 1: 331.
[12] التبيان في إعراب القرآن: لأبي البقاء عبدالله بن الحسين العكبري (ت616هـ)، تحقيق: محمد علي البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1976، 1: 1.

عبدالله بنعلي 04-22-2016 03:40 PM

شبكة الألوكة

(منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن) عرض رسالة علمية
أبو مالك العوضي



تاريخ الإضافة: 6/4/2009 ميلادي - 10/4/1430 هجري


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/5424/#ixzz46YhAW2Jr

(منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن)
عرض رسالة علمية



صدر حديثًا عن مكتبة الرشد كتابُ "منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن" للباحث د. سليمان يوسف خاطر، وهو رسالة دكتوراه.



يتعرض الباحثُ في هذه الرسالة للمطاعن التي وجهها المعاصرون لكتاب سيبويه بالرد والإبطال، وهذه الرسالة امتداد لرسالته في الماجستير عن (منهج التأويل النحوي عند سيبويه).



إن كتاب سيبويه يكاد يكون هو عمود الدراسات النحوية إلى وقتنا هذا، وهذه الطعون على كتاب سيبويه فيها فائدة من جهة أخرى، وهي تعريف الناس بالمقام الحقيقي لصاحب هذا الكتاب الذي عرف المتقدمون له حقه، وغفل عنه كثيرٌ من المتأخرين.


وإذا أراد الله نشرَ فضيلةٍ
طُويت أتاح لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النار فيما جاورَتْ
ما كان يُعرف طِيبُ عَرْفِ العودِ



يذكر الباحثُ أن اسمَ سيبويه أصبح في النحو وعلوم العربية مثل حاتم الطائي في الجود، وقس في الفصاحة، وإياس في الذكاء، وعمرو في الإقدام، وأحنف في الحلم، وابن الخطاب في العدل، ولذلك صاروا يقولون إذا أرادوا مدح إنسان: هو سيبويه زمانه.



وينقل الباحث ما ذكره صاعد بن أحمد الجياني أنه لا يعرف كتابًا ألف في علم من العلوم فاشتمل على جميع ذلك العلم غير ثلاثة كتب أحدها كتاب سيبويه.



حصر الباحثُ الانتقادات الجديدة الموجهة إلى سيبويه فيما يأتي:

1- التشكيك في القراءات وأسانيدها، بنسبتها إلى غير الله عز وجل.

2- التعصب للقراء البصريين ضد القراء الكوفيين، فلا يوثق إلا ما قرأ به الأولون.

3- تجويز القراءة بغير الوارد في الرواية إذا كان يوافق وجوه العربية.

4- تفضيل القراءات التي انفرد بها أحد القراء على قراءة الجمهور أحيانا.

5- عدم الاحتجاج برسم المصحف أو عدم الاعتداد به على حد تعبير بعضهم.

6- الطعن في القراءات وتضعيف القراء بنسبتهم إلى الوهم والخطأ.

7- تجاهل شعر المعلقات في الاستشهاد وإيراده على روايات غير صحيحة.



تعرض الباحث أولا لنشأة النحو ونموه وتطوره في رحاب القرآن الكريم وقراءاته، حتى نضجه في كتاب سيبويه، وأشار إلى أن اللحن في القرآن هو السبب القوي والعامل البارز الداعي إلى استنباط قوانين النحو، وأكد أن وضع النحو العربي كان عربيًّا خالصًا على يد أبي الأسود الدؤلي، وانتهى إلى استبعاد أن يكون وضع النحو العربي غير عربي محض، وأن يكون له أية صلة بأي نحو أجنبي.



ثم تكلم عن بداية التأليف اللغوي ودواعيه وتطوره في كتب معاني القرآن وإعرابه.



ثم تكلم عن ثبات النحو في وجه دعوات التجديد والتطوير وما إلى ذلك، مما اشتد أوارُه، وارتفع صوتُه، وكثر أصحابُه في العصر الحديث، وقد رأى الباحثُ أن تلك الدعوات في غالبها تريد شرًّا بالنحو والنحاة.



ثم تحدث الباحث عن صلة النحو بالقراءات والتفسير، وختم الباب بفصل موجز عن عصر سيبويه وحياته وكتابه، وذكر إجماعَ النحويين على الاستشهاد بقراءات القرآن، وبين أن سيبويه وضح منهجه فقال: (القراءةُ لا تُخالَف؛ لأن القراءة سنة)، وغفل المعاصرون عن هذا المنهج الذي بينه سيبويه، فراحوا يطعنون فيه بغير وجه حق.



وجعل الباب الثاني عن القرآن وقراءاته وقرائه تعريفًا وتاريخًا.



درس الباحث المواضع التي أخذها الباحثون المعاصرون على سيبويه دراسةً واسعة شاملة متأنية بنقد وتحليل ومناقشة وتفصيل، على ضوء مدارك العلماء من النحاة والمفسرين ومواقفهم من تلك المسائل والقضايا، وقسمها إلى بابين:

أحدهما: في النحو وبه سبعة فصول.

والثاني: للصرف وبه خمسة فصول.



وكان منهج الباحث في كل فصل من تلك الفصول الاثني عشر أن يبدأ بتلخيص المسألة النحوية أو الصرفية التي وضع سيبويه قاعدتها في الكتاب، ثم توضيح موضع النزاع في الآية أو القراءة من قراءاتها التي حرَص الباحث على ذكرها وتوضيحها ونسبتها إلى قرائها في كل موضع، ثم ذكر آراء النحاة والمفسرين في المسألة إذا كانت من مسائل الخلاف وقضاياه كل ذلك باختصار وتركيز، ثم شرح عبارة سيبويه التي بنى المحدثون مآخذهم عليها وتحليلها ببيان مكوناتها ومضامينها وسياقها الذي وردت فيه من الكتاب والباب، اعتمادًا على نص الكتاب وكلام شراحه، ثم مواقف العلماء من النحاة والمفسرين وغيرهم في العصور التاريخية المختلفة حول قاعدة سيبويه في المسألة وفي مجمل القضية موضع النزاع، ثم مناقشة صاحب الدعوى في دعواه اعتمادًا على نصوص كلامهم في كتبهم وبحوثهم، مراعيًا في ذلك كله التسلسل التاريخي في عرض الآراء والأقوال والمواقف ما أمكن ذلك؛ لأن اللاحق يبني موقفه على ما قاله السابق غالبًا.



ومن أهم ما انتهى إليه الباحثُ من نتائج أن العلماء من النحاة والمفسرين وغيرهم قد فرغوا من مناقشة تلك المسائل والقضايا، وقتلوها بحثًا، وانتهوا في أغلب الأحوال إلى ما يشبه الإجماع، واستقرَّ الفكرُ النحوي على ذلك عند المتأخرين بعد أن عرفت آراء النحاة ومذاهبهم ومحاورتهم ومجادلاتهم ردحًا من الزمن في هذه المسائل.



ولهذا لم يجد الباحث ما يدعو إلى إعادة طرحها للمناقشة من جديد على النحو الذي حاوله بعضُ الباحثين المحدثين ممن اتهم سيبويه بالطعن في القراءات والقراء، ثم تمادوا في ذلك فوصفوا جمهور النحاة القائلين بآراء سيبويه بأنهم اتبعوه تقليدًا أعمى بلا تبصر في دعاوى عريضة لا تقوم على أساس من دليل، فرفعوا كثيرًا من الشعارات البراقة في مظهرها الفارغة في مخبرها إذ وزعوا بها كثيرًا من التهم الباطلة على النحاة عموما وعلى البصريين منهم خصوصًا، وعلى رأسهم إمام النحاة سيبويه.



وذكر الباحث أن النحو لم يكن ميتًا حتى يحتاج إلى الإحياء، ولا فاسدًا حتى يحتاج إلى الإصلاح، ولا ناقصًا حتى يحتاج إلى من يجعله وافيًا، ولا مخلوطًا حتى يحتاج إلى تهذيب.



وقد انتهى الباحثُ إلى أن أكثر دعوات التجديد في النحو وتطويره وتهذيبه وإصلاحه وتيسيره في العصر الحديث؛ هي في حقيقتها دعواتُ إلغاء ومحو للنحو من أساسه، بل إن من المستشرقين من وصفَ النحو العربي بالنضج والكمال والشمول بحيث لم يبق فيه مجالٌ للزيادة.



قال المستشرق الألماني يوهان فك: لقد تكفلت القواعدُ العربية التي وضعها النحاةُ العرب، في جهد لا يعرف الكلل وتضحية جديرة بالإعجاب، بعرض اللغة الفصيحة وتصويرها في جميع مظاهرها؛ من ناحية الأصوات، والصيغ، وتراكيب الجمل، ومعاني المفردات على صورة شاملة، حتى بلغت كتبُ القواعد الأساسية عندهم مستوى من الكمال لا يسمح بزيادة لمستزيد.



يقول الباحث: إن الدعوة إلى (جعل القواعد النحوية مشتملة على كل الوارد من الشواهد على ظاهرها دون اللجوء إلى التأويل) -كما يرى الدكتور أحمد مكي الأنصاري- لا يمكن أن تتحقق إلا بإلغاء النحو الموجود بين أيدينا جملة وبناء نحو جديد، وهذا ما يدعون إليه فيما يسمونه تيسيرًا ويظنونه تسهيلا؛ فمثلا يدعو الدكتور أحمد مكي الأنصاري إلى تعديل ما يزيد على أربعين قاعدة من قواعد العربية التي وضعها سيبويه ومن قبله فيما يسميه الدكتور بنظرية النحو القرآني، وكأن النحو قبله لم يكن قرآنيًّا، بل كان توراتيًّا أو إغريقيًّا أو لاتينيًّا، وهذا ما صرح به في مقدمة كتابه؛ إذ جعل القواعد العربية الموجودة الآن كالقوانين الوضعية في تشريعات الدول العلمانية. ويبدو للباحث أن هذه الدعوة لا تبعد كثيرًا عن أختٍ لها ظهرت في العصر الحديث تدعو إلى الاقتصار على ما في القرآن وإهمال ما عدا ذلك.



ويخلص الباحث إلى أن الرد على دعاوى بعض الباحثين المحدثين وتشكيكهم في قدرة النحو على صون العربية والحفاظ عليها وتطاولهم على النحاة هو جوهر هذا البحث وهدفه الأكبر، فالرد على ذلك كله من خلال بحث علمي متأنٍّ يقرر الحقائق من خلال النصوص وتفهم كلام العلماء هو بيت القصيد ومربط الفرس.



وبين الباحث أن ردود المعاصرين على سيبويه لا تخرج عن ثلاثة احتمالات:

• الأول: أن يظن أن سيبويه أحاط بجميع القراءات وأحصاها عددًا.

• الثاني: أن يظن أن سيبويه أحاط علمًا بجميع اللهجات العربية فلم تفته شاردة من لغات قبائل العرب.

• الثالث: أن يكون قد فهم كلام سيبويه في الكتاب على غير وجهه، وهذا هو الكثير الغالب.



وهذه بعض المقتطفات المهمة من الرسالة:

• من المعروف أن كتاب سيبويه لما ظهر تعرض لحملة عنيفة من الانتقادات كان أول من وجهها إليه نحاة البصرة أمثال الأخفش والمازني والجرمي، ومع هذا تجد بعض الباحثين المحدثين يعيبون على النحاة القدامى أنهم كانوا يقدسون أسلافهم ويتابعونهم في كل ما ذهبوا إليه بلا تبصر.



• لاحظت أن هذه الاتهامات جديدة في حق سيبويه وكتابه، ولا صلة لها بنقد القدماء للكتاب؛ فقد نقد كثير من القدماء الكتاب في جوانب منه؛ مثل ما فعل المبرد الذي رد على سيبويه في خمس وثلاثين ومائة مسألة، وكالزبيدي وابن تيمية، وإن لم نقف على رده، وابن الطراوة وغيرهم، إلا أن هذه الملاحظات على الكتاب وجدت قديمًا من ناقشها ورد على أصحابها، حتى تميزت الآراء وعرفت المذاهب.



• ينقل عن الدكتور شوقي ضيف قوله: ينبغي أن يستقر في الأذهان أن المدرسة الكوفية لا تباين المدرسة البصرية في الأركان العامة للنحو، فقد بنت نحوها على ما أحكمته البصرة من تلك الأركان التي ظلت راسخة إلى اليوم في النحو العربي.



• ينقل عن الدكتور صبحي عبد الحميد قوله: وكل المسائل التي ادعى فيها الدكتور الأنصاري في كتابه سيبويه والقراءات أن سيبويه يهاجم القراءات ويضعفها كلها من باب ما فهم على غير وجهه من كتاب سيبويه.



• ينقل عن عبد السلام هارون قوله: التمرس بأسلوب الكتاب وتعرف مصطلحاته يجعل من قراءة كتاب سيبويه متعة نافعة ونفعًا ممتعًا، ويضع أساسًا سليمًا للدراسات النحوية المعاصرة التي كثيرًا ما انحرفت بغرورها عن جادة السبيل؛ لأنها لم تقف وقفة خشوع إزاء الجهد العبقري الجبار لتزن ما صنع الأسلاف وزن الحق وتقدر صدقهم وذكاءهم في عدل وإنصاف.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/5424/#ixzz46Yh0a36m

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:00 PM

ا

القراءات الشاذة : ضوابطها والاحتجاج بها في الفقه والعربية
المؤلف: المسؤول، عبد العالي
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: كلية الآداب
عنوان الناشر: فاس- المغرب / ظهر المهراز - المغرب
سنة النشر: 1992
المؤهل العلمي: دبلوم الدراسات العليا
المشرف: محمد مفتاح
من موقع مركز تفسير للدراسات القرانيّة :
القراءات الشاذة المخالفة للقواعد النحوية والصرفية - جمعاً ودراسة وتوجيهاً
المؤلف: مبارك، الأمين بن يوسف آل الشيخ
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: كلية اللغة العربية/ قسم اللغويات/ الجامعة الإسلامية
عنوان الناشر: المدينة المنورة/ السعودية
سنة النشر: 1418
المؤهل العلمي: دكتوراه
المشرف: عبد الرحيم

القراءات الشاذة آلة من آلات التفسير
المؤلف: الزباخ، عبد الواحد
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: كلية الآداب
عنوان الناشر: الرباط - المغرب
سنة النشر: 1999
المؤهل العلمي: دبلوم الدراسات العليا
المشرف: التهامي الراجي

القراءات الشاذة بين الرواية والتفسير وآثارها في التفسير والأحكام
المؤلف: عبد الشّكور، سامي محمد
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: كلية القرآن الكريم/ قسم القراءات/ الجامعة الإسلامية
عنوان الناشر: المدينة المنورة/ السعودية
سنة النشر: 1419
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: أحمد بن محمد صبري

القراءات القرآنية الشاذة في البحر المحيط
المؤلف: بلحسن, محسن بن عبد السلام
التصنيف: القرآن - تفاسير ومناهج
الناشر: جامعة بغداد - التربية ابن رشد
عنوان الناشر: العراق
سنة النشر: 1996
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات القرآنية الشاذة في دراسات المستشرقين
المؤلف: دبوبة، صالح
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية
عنوان الناشر: الجزائر
سنة النشر: 2002
المؤهل العلمي: دكتوراة
المشرف: اسعيد عليوان

القراءات القرآنية أثرها في الدراسات النحوية والصرفية من خلال سورة الفاتحة والزهراوين والبقرة وآل عمران
المؤلف: الهتاري، عبده بن علي
التصنيف: القرآن - لغة
الناشر: جامعة الجزيرة
عنوان الناشر: السودان
سنة النشر: 1998
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات القرآنية حتى عصر ابن مجاهد
المؤلف: ابراهيم, عراك اسماعيل
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: جامعة بغداد - العلوم الاسلامية
عنوان الناشر: العراق
سنة النشر: 1994
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات القرآنية في المعجمات اللغوية حتى نهاية القرن السابع الهجري
المؤلف: وادي, عبد الرحمن مطلك
التصنيف: القرآن - لغة
الناشر: جامعة بغداد - الاداب
عنوان الناشر: العراق
سنة النشر: 1990
المؤهل العلمي: دكتوراة

القراءات القرآنية وتوجيهها في تفسير الرازي
المؤلف: خليل، سفيان موسى ابراهيم
التصنيف: القرآن - تفاسير ومناهج
الناشر: الجامعة الاردنية
عنوان الناشر: الأردن
سنة النشر: 2003
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: احمد خالد شكري

القراءات القرآنية وقواعد العربية من خلال تفسير ابي حيان النحوي لسورة البقرة
المؤلف: المحمودي، محمد
التصنيف: القرآن - لغة
الناشر: كلية الآداب/ جامعة محمد الخامس
عنوان الناشر: فاس- المغرب
سنة النشر: 1990
المؤهل العلمي: دكتوراه
المشرف: عبد الوهاب التازي سعود

القراءات المتواترة التي أنكرها ابن جرير الطبري والرد عليه من الفاتحة إلى آخر التوبة
المؤلف: موسى، محمد عارف عثمان
التصنيف: القرآن - تفاسير ومناهج
الناشر: كلية القرآن الكريم/ قسم القراءات/ الجامعة الإسلامية
عنوان الناشر: المدينة المنورة/ السعودية
سنة النشر: 1405
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: عبد القادر شيبة الحمد

القراءات المفسرة : جمع ودراسة
المؤلف: دحاني، عبدالهادي
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: جامعة محمد الخامس /كلية الآداب الجديدة
عنوان الناشر: المغرب
سنة النشر: 2002
المؤهل العلمي: دكتوراه
المشرف: محمد الديباجي

القراءات بين المصحف العثماني والرواية
المؤلف: قده، كمال
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية
عنوان الناشر: الجزائر
سنة النشر: 2000
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: عامر لعرابي

القراءات في ابن جرير الطبري في ضوء اللغة والنحو كما وردت في كتاب جامع - البيان في تأويل القرآن
المؤلف: بابكر، أحمد خالد
التصنيف: القرآن - تفاسير ومناهج
الناشر: كلية اللغة العربية/ جامعة أم القرى/ اللغة العربية وآدابها / اللغة والنحو والصرف
عنوان الناشر: مكة المكرمة/ السعودية
سنة النشر: 1403
المؤهل العلمي: دكتوراه
المشرف: عبدالعزيز برهام

القراءات في تفسير البحر المحيط لأبي حيّان من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الأنفال
المؤلف: شكري، أحمد خالد يوسف
التصنيف: القرآن - تفاسير ومناهج
الناشر: كلية القرآن الكريم/ قسم القراءات/ الجامعة الإسلامية
عنوان الناشر: المدينة المنورة/ السعودية
سنة النشر: 1408
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: محمد محمد سالم محيسن

القراءات في تفسير الطبري واثرها في المعنى والاعراب والحكم
المؤلف: الدليمي,احمد عيد مطر
التصنيف: القرآن - لغة
الناشر: جامعة صدام للعلوم الاسلامية
عنوان الناشر: العراق
سنة النشر: 1997
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات في تفسير القرطبي وأثرها في توجيه الأحكام الفقهية
المؤلف: لزغد، نعيمة
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية
عنوان الناشر: الجزائر
سنة النشر: 2000
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: رمضان يخلف

القراءات في معاني القرآن للفراء
المؤلف: محمد خير، علي محمود أحمد
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: الخرطوم
عنوان الناشر: السودان
سنة النشر: 1997
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات والتجويد والرسم والضبط بين القرن العاشر والثالث عشر الهجري
المؤلف: عبدالله، علي العوض
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: أم درمان الإسلامية ( كلية أصول الدين)
عنوان الناشر: السودان
سنة النشر: 1989
المؤهل العلمي: دكتوراه

القراءات والتقديم والتأخير في القرآن الكريم
المؤلف: أبو مدين، باب ولد
التصنيف: القرآن - بلاغة
الناشر: كلية الآداب
عنوان الناشر: الرباط - المغرب
سنة النشر: 1990
المؤهل العلمي: دبلوم الدراسات العليا
المشرف: التهامي الراجي

القراءات والتقديم والتأخير في القرآن الكريم
المؤلف: الشانجي، رحمة
التصنيف: القرآن - بلاغة
الناشر: الآداب والعلوم الإنسانية / الدراسات الإسلامية
عنوان الناشر: جامعة محمد الخامس
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات وأثرها في التفسير
المؤلف: الشعبي، عبد المجيد موسى
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: جامعة الجزيرة
عنوان الناشر: السودان
سنة النشر: 1998
المؤهل العلمي: ماجستير

القراءات وأثرها في تقرير الاحكام
المؤلف: غيث، رجب محمد عبد السلام
التصنيف: القرآن - قراءات وتجويد
الناشر: كلية الآداب
عنوان الناشر: الدار البيضاء / بنمسيك - المغرب
سنة النشر: 1993
المؤهل العلمي: دكتوراه
المشرف: عقى النماري

القراءات وآثارها في التفسير والأحكام
المؤلف: بازمول، محمد عمر بن سالم
التصنيف: القرآن - تشريع وأحكام
الناشر: جامعة أم القرى/ الدعوة وأصول الدين / الكتاب والسنة
عنوان الناشر: مكة المكرمة/ السعودية
سنة النشر: 1413
المؤهل العلمي: دكتوراه
المشرف: عبد الستار فتح الله سعيد

القراءات وعلل النحويين فيها المسمى علل القراءات لأبي منصور الأزهري : - الجزء الأول
المؤلف: الحلوة، نوال إبراهيم محمد
التصنيف: القرآن - لغة
الناشر: الآداب للبنات بالرياض / اللغة العربية
عنوان الناشر: الرئاسة العامة لتعليم البنات
سنة النشر: 1408
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: مصطفى أحمد حسن إمام

القراءة الجديدة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير
المؤلف: هرماس، عبد الرزاق
التصنيف: القرآن - تفسير أصول وتاريخ
الناشر: كلية الآدب والعلوم الإنسانية/ شعبة الدراسات الإسلامية
عنوان الناشر: الرباط/ المغرب
سنة النشر: 1988
المؤهل العلمي: دبلوم الدراسات الإسلامية العليا
المشرف: فاروق حمادة

القران الكريم وشبهات كتاب في الشعر الجاهلي
المؤلف: عوجان، وليد هويمل عبدالعزيز
التصنيف: القرآن - مباحث عامة
الناشر: الجامعة الأردنية
عنوان الناشر: الأردن
سنة النشر: 1985
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: فضل حسن عباس

القرآن الكريم في الدرس البلاغي المعاصر
المؤلف: عياش، ثناء نجاتي
التصنيف: القرآن - بلاغة
الناشر: الجامعة الأردنية
عنوان الناشر: الأردن
سنة النشر: 1996
المؤهل العلمي: ماجستير
المشرف: محمد بركات ابوعلي

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:04 PM

مراجع دراسات فى كتاب اللغة : أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال
أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.

الدرس الثالث

منهج القراء في النقل
2- أمثلة تؤيد أن نشأة القراءات أساسها اللهجات أو اللغات التي نزل بها القرآن الكريم:
(أ) قراءات بلغة هذيل:
1- {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ}.
قال السيوطي في موضع اتباع العين لحركة الفاء: "فإن كان حرف العلة غير مجانس للحركة- نحو: جوزة، وبيضة، فجمهور العرب على التسكين ولغة هذيل الإتباع، قرأ بعضهم: "ثَلاثُ عَوَرَاتٍ لَكُمْ" بالتحريك.
2- {فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}.
قال أبو حيان: "وذكر سيبويه أن كسر الهمزة من "أم" بعد الياء والكسر لغة. وذكر الكسائي والفراء أنها لغة هوازن وهذيل".
3- {يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ}.
قال أبو حيان: "قرأ أبو الطفيل والحسن بن أبي إسحاق والجحدري "يا بشريّ" بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء الإضافة وهي لغة هذيل ولناس غيرهم.
4- {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}.
قال أبو حيان: "قرأ الأعمش، وأبو حيوة: "يَعْرِجُونَ" بكسر الراء، وهي لغة هذيل".
5- {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
قال أبو حيان: "وقرأ عاصم الجحدري، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر: "هديّ" بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم إذا لم يمكن كسر ما قبل الياء، لأنه حرف لا يقبل الحركة وهي لغة هذيل، يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم. وقال شاعرهم:
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا، ولكل جنب مصرع
6- {يَوْمَ يَأْتِي}.
قال الزمخشري في الكشاف: يوم يأت، بغير ياء، ونحو قولهم: لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه، وحذف الياء، والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل.
ب- قراءات وردت بلغة تميم:
1- "الحمدِ لله" بكسر الدال بدلًا من ضمها، بشهادة النحوي المصري النحاس المتوفى 338هـ كانت صيغة الحمد لله على هذا النحو خاصة بلهجة تميم.
2- في الضمير أن:
قال في الهمع: "وفي الألف لغات -يقصد ألف أنا- إثباتها وصلًا ووقفًا، وهي لغة تميم، وبها قرأ نافع".
ج- قراءات وردت بلغة قيس وأسد:
قال السيوطي في الهمع: "وقد تسكن هاء هو وهي بعد الواو والفاء وثم واللام، وقرئ بذلك في السبع، "وَهْوَ مَعَكُمْ"، "فَهْوَ وَلِيُّهُمُ" ثم قال السيوطي: بعد ذلك: وتسكين الواو والياء لغة قيس وأسد".
د- لغات قبائل أخرى:
{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}.
قال الجاربردي: "ذكر الواحدي في الوسيط في تفسير قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} أنه قال ابن عباس: هي لغة بلحارث بن كعب ثم قال: إجماع النحويين على أن هذه لغة حارثية، وذلك أن بلحارث بن كعب وخثعمًا وزبيدًا وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد".
وقال ابن جماعة: "نسبها إلى بني الحارث من النحويين الكسائي ونسبها أيضًا إلى خثعم، وزبيد، وهمدان، ونسبها أبو الخطاب لكنانة وبعضهم لبني العنبر وعذرة، ومراد، وغيرهم.
هـ- لغات متداخلة:
{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}.
قال العكبري: "يقرأ برفع الكاف أي وهو يهلك، ويقرأ بفتح الياء واللام، ورفع الحرث وهي لغة ضعيفة، لأن الماضي هلك بفتح اللام، فيكون المستقبل مكسور اللام.
ومن فتح اللام في المستقبل جاز أن يكون هلك بكسر اللام، وهي لغة مجهولة أو يكون لغتين من قبيلتين تداخنا".
و- لغات غير منسوبة:
1- {حِجْرًا مَحْجُورً}.
قال ابن السكيت: "حجرة الإنسان وحجره، ويقرأ، {حِجْرًا مَحْجُورً} و"حَجرًا محجورًا".
2- {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
قال ابن السكيت: "الهدي لغتان بالتشديد والتخفيف، وقرأ بهما جميعًا القراء: حتى يبلغ الهدي محله، والهدى محله".
3- "حرج، وحرج": قال ابن السكيت: "وبكلٍ قرأت القراء {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}، وحِرجًا".
4- {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بفتح القاف وضمها، فالحجة لمن فتح أنه أراد الجراح بأعيانها، والحجة لمن ضم أنه أراد ألم الجراح، وقيل: هما لغتان فضيحتان كالجَهد والجُهد".
5- "الرعب".
قال ابن خالويه: "يقرأ بإسكان العين وضمها، فالحجة لمن أسكن أن الأصل الضم، فنقل عليه الجمع بين ضمتين متواليتين، فأسكن، والحجة لمن ضم أن الأصل عنده الإسكان فأتبع الضم ليكون اللفظ في موضع واحد، كما قرأ عيسى بن عمر: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلُك" بضمتين وكيف كان الأصل، فهما لغتان".
6- {وَلا يَحْزُنْكَ}.
قال ابن خالويه: "ويقرأ بفتح الياء، وضم الزاي، وبضم الياء، وكسر الزاي، فالحجة لمن فتح الياء أنه أخذه من حزن يحزن حزنًا، والحجة لمن ضم الياء أنه أخذه من أحزن يحزن وحزنًا، ولم يسمع إحزانًا، وإن كان القياس يوجبه.
7- {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بالإدغام والفتح، وبالإظهار، والجزم، فالحجة لمن أدغم أنه لغة أهل الحجاز، لأنهم يدغمون الأفعال لثقلها كقوله تعالى: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}، ويظهرون الأسماء لخفتها كقوله: {عَدَدَ سِنِينَ} ليفرقوا بذلك الاسم والفعل، والحجة لمن أظهر أنه أتى بالكلام على أهله، ورغب لمع مواففقة اللغة في الثواب، إذ كان له بكل حرف عشر حسنات.
8- {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما: وقيل هما لغتان كقولهم: السقم والسقم".
9- {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بضم الضاد وفتحها، وهما لغتان".
10- غمض يغمض لغة في أغمض، وقرأ البراء بن عازب -رضي الله عنه- والحسن: "إِلَّا أَنْ تَغْمِضُوا فِيهِ".
11- وقال الصاغاني: "البُخل لغة في البَخْل، والبُخْل، والبَخَل، وقرأ أبو رجاء: "بالبَخَل".
12- طِيبَى لغة في طُوبى: وقرأ مكسورة الأعرابي"طِيبَى لهم".
13- "الرعاء لغة في الرعاء وقرأ الخليل" حتى يصدر الرُّعاء" بضم الراء مع التشديد.
4- رسم المصحف العثماني، والأحرف السبعة:
تؤكد لنا الروايات العديدة أنه بجانب المصحف العثماني كان لأكابر الصحابة مصاحف أخرى كمصحف عليّ، ومصحف عائشة، ومصحف أبيّ، ومصحف ابن مسعود.
وليس هناك أدنى شك في أن هذه المصاحف المتعددة لم تكن على قراءة واحدة، ذلك لأن الصحابي قد يسمع قراءة بلهجة تميم مثلًا فيكتبها على حين يسمع غيره قراءة بلهجة قريش أو هذيل فيكتبها أيضًا، ومن هنا تعددت القراءات وكثرت.
ولما انتشر الإسلام في أصقاع الأرض، وسار ركبه في أجزاء المعمورة كان الصحابة يقرءون القرآن في هذه البلاد التي فتحت، على حسب ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم:
فمن الطبيعي إذًا أن ينشأ خلاف بين القراء، ومن الطبيعي أيضًا أن تتسع هوة الخلاف بين الصحابة في القراءات، فينكر بعضهم قراءة بعض. يدل على ذلك فزع حذيفة بن اليمان إلى عثمان، ليقول له:
"يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، كما اختلف اليهود والنصارى، فبعث عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها عليك، فأرسلتها إليه، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوا الصحف في المصاحف".
فلما تم النقل، وكمل النسخ "بعث عثمان إلى كل أفق مصحفًا من تلك المصاحف التي نسخوها، وأمر بما سواه من القرآن، في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
وهنا يرد إلى أذهاننا هذا السؤال: هل كتب عثمان -رضي الله عنه- المصاحف بلغات العرب التي أنزل بها؟
بعض الروايات التي سجلتها كتب التاريخ، لا تثبت هذا، بل تنفيه، وتؤكد أن القرآن الكريم كتب بلهجة قريش، وتستند هذه الروايات إلى قول عثمان -رضي الله عنه- للرهط القرشيين الذين وكل إليهم مع زيد بن ثابت كتابة المصحف: "إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أُنزل بلسانهم ففعلوا".
فإذا كان مؤدى نص عثمان -رضي الله عنه- أن القرآن الكريم كتب جميعه بلهجة قريش، وغض النظر عن اللهجات الأخرى التي نزل بها، والتي يشير إليها حديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) فإننا نقع في مشكلة تحتاج إلى حل، وتتمثل هذه المشكلة في نشأة القراءات مع هذا المصحف العثماني.
أريد أن أقول: إذا كان القرآن كتب بلهجة واحدة هي لهجة قريش فكيف إذًا نفسر نشأة القراءات مع هذا المصحف؟ في رأيي أن المصحف لم يكتب بلهجة قريش وحدها، فالنفر الذين كتبوا المصحف نسخوه من الصحف التي أحضرها عثمان -رضي الله عنه- من حفصة ولم يترك للكتاب الحرية في أن يسجلوا من حفظهم شيئًا -مع أنهم كانوا حفظة- مخافة أن تفتح أبواب القيل والقال، فيقال مثلًا: إن عثمان كتب في مصحفه ما لم يكن في صحف أبي بكر أو مصحفه، فلقتل هذه الشبهة في مهدها، والقضاء عليها اعتمد على مصحف أبي بكر، ومصحف أبي بكر جمع قراءات النبي -صلى الله عليه وسلم- في العرضة الأخيرة، وكان زيد بن ثابت كاتبًا لهذه العرضة.
من أجل ذلك يصح لي أن أقول: إن مصحف عثمان -رضي الله عنه- مشتمل على الأحرف السبعة.
أما أمر عثمان بالكتابة بلغة قريش فلم يكن المقصود منه كتابة المصحف جميعًا بهذه اللهجة، لأن نص عثمان لا يساعد على هذا الفهم، فهو يقول: إذا اختلفتم فاكتبوه بلغة قريش. ومواضع الاختلاف كانت قليلة كاختلافهم في التابوت.
فقال زيد: هو التابوه. وقال النفر القرشيون: هو التابوت. فرفع الأمر إلى عثمان فقال: اكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم.
وواضح أنهم إذا لم يختلفوا ينسخونه كما هو دون زيادة أو نقصان هذا هو مفهوم كلمة عثمان رضي الله عنه.
من هذا العرض نخرج بهذه الحقيقة، وهي أن المصاحف العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة.
وأقصد بالأحرف السبعة القراءات التي قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- في العرضة الأخيرة، والتي استقرت بها قراءات القرآن.
أما حرف أبي، وابن مسعود، وغيرهم من أصحاب المصاحف، فلم يشتمل على مصحف عثمان، ومن هنا كانت القراءات من هذه المصاحف شاذة كما سنبين بعد إن شاء الله.
وقد قال صاحب "الطراز": "إن الحرف الواحد كلما كان أكثر استفاضة كان أحق بالقبول، ولأجل ذلك اتفقوا على حرف زيد".

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:05 PM

تجريد مصاحف عثمان من النقط والشكل:
ويبين ابن الجزري أن المصاحف التي أرسلها عثمان -رضي الله عنه- إلى الأمصار "جردت جميعها من النقط والشكل، ليحتملها ما صح نقله وثبتت تلاوته"، ومعنى ذلك أن قراء الأمصار يقرءون بما سمعوا، وبما رووا، متخذين مصحف عثمان مصدرًا يرجعون إليه عند الاختلاف، ولا بد أن تكون قراءاتهم متفقة مع رسم المصحف، ونعني بهذا أن رسم المصحف العثماني شرط في صحة هذه القراءات.
وبهذا الشرط أسقطت القراءات التي تخالف الرسم العثماني.
ونحن إذا نظرنا إلى هذا العمل الضخم الذي قام به عثمان -رضي الله عنه- نجد أنه صان القرآن الكريم من تحريفٍ كان من الممكن أن يستبد به، ومن تغيير كان من الممكن أن يتسرب إلى بنائه، ولكن تصديقًا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} جُند عثمان لهذا العمل ليظل القرآن الكريم، في مأمن من عبث العابثين، وعجمة المستعربين.
وظل عثمان على موقفه من هذا الرسم إلى أن لحق بربه.
مشكلة تحتاج إلى حل:
خلاصة هذه المشكلة: أن ابن أبي داود في كتابه "المصاحف" أشار إلى أن عثمان -رضي الله عنه- تخلى عن تمسكه برسمه، وأطلق القراءة، وهذا يختلف مع الحقيقة القائلة أن الرسم العثماني ظل ماثلًا إلى اليوم لا يُمس، وأن القراءات التي لا يحتملها رسمه قراءات شاذة، ولما رجعت إلى كتاب "المصاحف" رأيت ابن أبي داود يعنْوِن لهذه الفكرة بهذا العنوان "إطلاق عثمان -رضي الله عنه- القراءة على غير مصحفه" وتحت هذا العنوان قال ما نصه: "لما نزل أهل مصر الجحفة يعاتبون عثمان -رضي الله عنه- صعد عثمان المنبر، فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عني شرًّا، أذعتم السيئة، وكتمتم الحسنة، وأغريتم بي سفهاء الناس، أيكم يأتي هؤلاء القوم فيسألهم ما الذي نقموا؟ وما الذي يريدون؟ ثلاث مرات، لا يجيبه أحد، فقام علي -رضي الله عنه- فقال: أنا. قال عثمان: أنت أقربهم رحمًا، وأحقهم بذلك. فأتاهم، فرحبوا به وقالوا: ما كان يأتينا أحد أحب إلينا منك. فقال: ما الذي نقمتم؟ قالوا: نقمنا أنه محا كتاب الله -عز وجل- وحمى الحمى، واستعمل أقرباءه وأعطى مروان مائتي ألف، وتناول أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فرد عليهم عثمان -رضي الله عنه- أما القرآن فمن عند الله، إنما نهيتكم لأني خفت عليكم الاختلاف، فاقرؤوا على أي حرف شئتم".
فهذا النص يدل ظاهره على أن عثمان -رضي الله عنه- أطلق القراءة، ولإزالة التناقض بين هذه الرواية، وبين الروايات الأخرى التي تثبت أن عثمان جمع الناس على مصحفه، وحذر من مخالفته، وحرق ما يوجد من المصاحف الأخرى.
أقول لإزالة هذا التناقض: أردت أن أتحقق من رواية ابن أبي داود فرأيت أن بعض كتب التاريخ تختلف في هذه الرواية مع رواية ابن أبي داود، فقد نقل المرحوم الشيخ الخضري عن المراجع التاريخية أن عثمان -رضي الله عنه- قال للثائرين ما نصه: وقالوا: حميت حمى، وإني والله ما حميت حمى قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد، ما حموا إلّا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحدًا ... إلى أن قال: وما لي من بعير غير راحلتين، وما لي من ثاغية، ولا راعبة، وإني قد وليت، وإني أكثر العرب بعيرًا أو شاة فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجّي، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم. وقالوا: كان القرآن كتبًا فتركتها إلا واحدًا، ألا وإن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك هو؟ قالوا: نعم.
ففي هذه الرواية بيّن عثمان -رضي الله عنه- أنه لم يحدث في المصحف شيئًا جديدًا وإنما سار على سنة أبي بكر وعمر في الحيطة له، وفي صيانته من الاختلاف الذي قد يؤدي إلى النزاع بين المسلمين، فيكون مصيرهم مصير اليهود والنصارى حينما اختلفوا في كتبهم، وليس في هذه الرواية ما يدل على أنه أطلق القراءة، هذا ليل.
ودليل آخر، يتضح في أنه لو صحت رواية ابن أبي داود لما كان هناك تنافٍ بين ما قررته من تمسك عثمان برسمه، وبين هذه الرواية، وبيان ذلك أن رواية ابن أبي داود لا تنص على إطلاق القراءة بما يخالف الرسم، فأطلق لهم حرية القراءة بما رووا، ولكن على شريطة أن تخضع لرسم المصحف، هذا هو مفهوم كلمة عثمان في هذا المقام وكأنه يريد أن يقول لهم: اقرءوا ما شئتم كما رويتم وسمعتم، فادعاؤكم أني ألغيت القراءات، ادعاء لم يصح، لأني وضعت للقراءات ميزانًا لا يسمح للقراءات الدخيلة أن تتسرب إلى كتاب الله، وهو الرسم الذي تحتمله القراءات المروية.
ودليل ثالث: يتجلى في أن عثمان -رضي الله عنه- كتب المصحف في سنة خمس وعشرين في السنة الثالثة أو الثانية من خلافته وأترك المقام لابن حجر ليحقق لنا متى كُتب المصحف العثماني؟ لأنه على ضوء هذا التحقيق نستطيع أن نزيل إبهام رواية ابن أبي داود أو نحل إشكالها.
قال ابن حجر: خطب عثمان فقال: يا أيها الناس، إنما قبض نبيكم منذ خمسة عشرة سنة، وقد اختلفتم في القراءة... (حديث جمع القرآن في المصحف العثماني)، ثم قال ابن حجر: وكانت خلافة عثمان -رضي الله عنه- بعد مقتل عمر، وكان قتل عمر في أواخر ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين من الهجرة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بثلاث عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر، فإن كان قوله خمس عشرة سنة أي كاملة، فيكون ذلك بعد مضي سنتين وثلاثة أشهر من خلافته....
ثم قال ابن حجر: وغفل بعض من أدركناه فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر له مسندًا.
فكتابة عثمان -رضي الله عنه- للمصحف كانت سنة ثلاث وعشرين من الهجرة تقريبًا وثورة الأمصار على عثمان -رضي الله عنه- كانت قبيل قتله، ومن المعلوم أنه قتل -رضي الله عنه- في ذي الحجة سنة 35 هـ، فبين كتابة المصحف وقتله عشر سنوات تقريبًا، وهي مدة ليست قصيرة في توطيد الرسم العثماني في نفوس القراء، وعلى ألسنتهم، مما يعز على هذه الألسنة أن تنحرف عن نهجه، أو تميل إلى غيره، أو تركن إلى سواه، فلما علم عثمان -رضي الله عنه- أن الأمور استقرت، وأن الرسم العثماني أصبح حقيقة واقعة خضع لسلطانها القراء جميعًا لم يبال بعد ذلك أن يقرءوا بأي حرف شاءوا ما دامت علة الخلاف قد زالت، وشهوة الجدال قد انتهت، ومن أجل هذا صح له أن يقول: "إنما نهيتكم لأني خفت عليكم الاختلاف" أمَا وقد زال هذا الاختلاف، وأصبح المصحف العثماني مصدرًا للقراءات جميعًا التي يحتملها رسمه، فلا مبرر إذًا للخوف، ومن هنا قال: اقرءوا على أي حرف شئتم.
5- الأحرف السبعة والقراءات السبع:
ليست القراءات السبع التي دونها علماء القراءات، وأجمعوا عليها هي الأحرف السبعة التي أشار إليها الحديث، وإنما هي بعض هذه الأحرف.
وقد أجمعوا على هذه القراءات السبع؛ لأن أصحاب الأهواء كثروا، وأخذوا يقرءون بما لا تحل تلاوته، تاركين المصحف الإمام، مما يؤدي إلى اضطراب في قراءات القرآن، وخوفًا من أن يتسع الخرق على الراقع، وتمتد يد البدعة إلى كتاب الله لتحرف فيه، أو تزيد، أو تنقص تجرد قوم "للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا في كل مصر -وجه إليها مصحف- أئمة مشهورين بالثقة والأمانة في النقل، وحسن الدراية، وكمال العلم، أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصر على عدالتهم، ولم تخرج قراءاتهم عن خط مصحفهم.
ومن هؤلاء الأئمة القراء السبع وهم:
"أبو عمرو بن العلاء. م 154هـ، وعبد الله بن كثير م120 هـ، ونافع بن نعيم م169هـ، وعبد الله بن عامر اليحصبي م118هـ، وعاصم بن بهدلة الأسدي م128هـ، وحمزة بن حبيب الزيات العجلي م156هـ، وعلي بن حمزة الكسائي إمام النحاة وإمام الكوفيين م189هـ.
وقراءات هؤلاء السبع هي المتفق عليها إجماعًا، ولكل منهم سند في روايته، وطريق في الرواية عنه، وكل ذلك محفوظ مثبت في كتب هذا العلم.
وهذه القراءات السبع التي نُسبت إلى هؤلاء القراء غَيض من فيض، وإنما جمعها ابن مجاهد لاختياره الخاص، فاشتهرت حتى ظن بعض العوام أن المراد بالأحرف السبع القراءات السبع.
قال ابن الجزري: "لا يجوز أن يكون المراد -من الأحرف السبعة- هؤلاء السبعة القراء المشهورين، وإن كان يظن بعض العوام لأن هؤلاء السبعة لم يكونوا خلقوا، ولا وجدوا.
وقد اعتقد بعض الناس خطأ أن هذه القراءات السبع هي المعتبرة وما عداها شاذ، ولست أدري كيف وصلوا إلى هذا الحكم مع أن أبا عبيد القاسم بن سلام "جعلهم خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة224هـ".
وقد لمح هذا الخطأ ابن الجزري فقال: "وكثير منهم يطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذًّا، وربما كان كثير مما لم يكن في "الشاطبية والتيسير" وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير ما فيهما، وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، وسمعوا قراءات السبعة، فظنوا أن هؤلاء السبعة هي تلك المشار إليها، ولذلك، كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء وخطّئُوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصر على دون هذا العدد، أو زاده، أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة".

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:05 PM

أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.



الدرس الثالث

الاحتجاج بالقراءات القرآنية في العربية
آراء العلماء في القراءات السبع:
1- رأي الإمام أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي:
قال: "فأما اقتصار أهل الأمصار في الأغلب على نافع، وابن كثير، وأبي عمرو وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، فذهب إليه بعض المتأخرين اختصارًا، واختيارًا، فجعله عامة للناس كالغرض المحتوم حتى سموا ما يخالف خطأ، أو كفرًا، وربما كان أظهر وأشهر... ثم قال: ولقد فعل مسبع هؤلاء السبعة ما لا ينبغي له أن يفعله، وأشكل على العامة حتى جهلوا ما لا يسعهم جهله، وأوهم كل من قلَّ نظره أن هذه هي المذكورة في الخبر النبوي، لا غير... وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل هذه الشبهة".
2- رأي ابن تيمية:
"لم يتنازع علماء الإسلام المتبعون من السلف والأئمة في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين، بل من ثبتت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة، أو قراءة يعقوب الحضرمي ونحوهما، كما ثبتت عند قراءة حمزة والكسائي، فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين من أهل الإجماع... ثم قال: ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشر، والأحد عشر كثبوت هذه السبعة يجمعون في ذلك الكتب، ويقرءونه في الصلاة، وخارج الصلاة، وذلك متفق عليه بين العلماء، لم ينكره أحد منهم.
3- رأي الكواش:
قال: "كل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق خط المصحف الإمام، فهو من السبعة المنصوصة، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو من الشاذ".
4- رأي السبكي:
قال الشيخ تقي الدين السبكي في شرح المنهاج ما نصه، قال الأصحاب: "تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع، ولا تجوز بالشاذ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ، وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب، وأبي جعفر مع السبع المشهورة، وهذا القول هو الصواب.
5- رأي مكي:
قال مكي بن أبي طالب: "من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا، قال: "ويلزم من هذا أيضًا أن ما خرج عن قراءة السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا وهذا غلط عظيم. فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل القاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء.
6- رأي أبي حيان الأندلسي:
قال: "ليس في كتاب ابن مجاهد، ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا".
تواتر القراءات السبع:
هل القراءات السبع متواترة؟
مذهب الأصوليين وفقهاء المذاهب الأربعة، والمحدثين، والقراء أن التواتر شرط في صحة القراءة، ولا تثبت بالسند الصحيح غير المتواتر ولو وافقت رسم المصاحف العثمانية والعربية.
رأي الزركشي:
ويروي الزركشي "أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ففيه نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبع، موجودة في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد.
رأي ابن الحاجب:
قال في مختصر المنتهي "إن القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبل الأداء كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة ونحوها".
ولم يسلم ابن الحاجب من النقد في هذا الرأي، فقال ابن الجزري: "ليت شعري من الذي تقدم ابن الحاجب بهذا القول، فقص أثره؟ فلو فكر الشيخ فيما قاله لما أقدم عليه، وليت الإمام ابن الحاجب أخلى كتابه من ذكر القراءات وأثرها، كما أخلى غيره كتبهم منهم، بل وليته سكت عن التمثيل.
6- القراءات الشاذة:
يبين ابن الجزري مقياس القراءات الصحيحة فيقول:
"كل قراءات وافقت العربية، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها فهي القراءات الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم.
هذا المقياس الذي نص عليه ابن الجزري يوسع دائرة القراءات الصحيحة، ولا يحصرها في دائرة القراءات السبع، وفي الوقت نفسه لا يسمح للقراءات الشاذة أن تدخل في هذه الدائرة، لأن مقياس القراءة الصحيحة يبعدها عن هذه الدائرة.
ونحن إذا نظرنا إلى القراءات السبع لوجدنا أنها منتخبة من قراءات صحيحة موافقة لخط المصحف، وموافقة أيضًا للعربية، يدل على ذلك ما قاله نافع "قرأت على سبعين من التابعين، فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شك فيه واحد تركته، حتى اتبعت هذه القراءة.
وقال مكي: "قرأ الكسائي على حمزة وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف؛ لأنه قرأ على غيره فاختار من قراءة حمزة، ومن غير قراءة، وترك منها كثيرًا.
وقال أيضًا: "وكذلك أبو عمرو قرأ على ابن كثير، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف، لأنه قرأ على غيره، واختار من قراءته ومن قراءة غيره قراءة.
لهذا، فإننا نقرر أن القراءة الشاذة هي التي فقدت شرطًا من الشروط التي نص عليها ابن الجزري في النص السابق، وليست القراءات الشاذة -كما يدعي بعض العلماء- هي التي لا تخضع للقراءات السبع، أو التي لا تنطبق عليها هذه القراءات السبعة التي اختارها ابن مجاهد باجتهاده الخاص.
أشهر القراء الذين نسبت إليهم القراءات الشاذة:
1- ابن شنبوذ: محمد بن أحمد بن أيوب بن شنبوذ:
من قراءاته الشاذة أنه قرأ: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله" وقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" وقرأ: "فلما خر تبينت الناس أن الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب المهين"... إلخ.
ولا شك أن هذه القراءات كانت مخالفة لخط المصحف، ولذلك أطلق عليها شاذة ويقال: أنه اعترف بذلك كله، ثم استتيب، وأخذ خطة بالتسوية، فكتب يقول: محمد بن أحمد بن أيوب، قد كنت أقرأ حروفًا تخالف مصحف عثمان المجمع عليه، والذي اتفق أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قراءته بان لي أن ذلك خطأ .. وأنا منه تائب، وعنه مقلع، وأن الله جل اسمه منه بريء.
2- ابن مقسم: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن... ابن مقسم أبو بكر العطار المقرئ ولد سنة 265هـ، ومات لثمان خلون من ربيع الأول سنة 354هـ.
حدث أبو بكر الخطيب قال: "ومما طعن به على أبي بكر ابن مقسم أنه عمد إلى حروف من القرآن، فخالف الإجماع فيها، وقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة العربية، وشاع ذلك عنه أهل العلم فأنكروه وارتفع الأمر إلى السلطان، فأحضره، واستتابه بحضرة القراء والفقهاء فأذعن بالتوبة، وكتب محضرًا بتوبته، وأثبت جماعة من حضر المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه.
وقد قال عنه أبو طاهر بن أبي هاشم المقرئ: "وقد نبغ نافع في عصرنا هذا فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية في حرف القرآن، يوافق خط المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضل بها قصد السبيل، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه".
ومن قراءة ابن مقسم: أنه قرأ في قوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} قرأ "نجبًا".
قال الرافعي: فأزالها بذلك عن أحسن وجوه البيان العربي.
3- أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي في أواخر المائة الثانية قد جمع قراءة نسبها إلى الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- ومنها: "إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء" وقد كذبوه في إسناده، وجعلوه مثلًا بينهم في القراءات الموضوعة المردودة.
7- فائدة اختلاف القراءات:
قبل أن أختم هذا الفصل أحب أن أبين أن لاختلاف القراءات فوائد جمة سجلها ابن الجزري في كتابه "النشر":
قال: "وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها فإن في ذلك فوائد غير ما قدمنا من سبب التهوين، والتسهيل، والتخفيف على الأمة؛ منها: ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز وجمال الإيجاز".
ومنها: ما في ذلك عظيم البرهان، وواضح الدلالة، إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف، وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض، ولا تخالف، بل كله يصدق بعضهم بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، على نمط واحد، وأسلوب واحد، وما في ذلك إلا آية بالغة، وبرهان قاطع على صدق من جاء به صلى الله عليه وسلم.
ومنها: سهولة حفظه، وتيسير نقله على هذه الأمة، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والإيجاز، فإنه من يحفظ كلمة، ذات أوجه أسهل عليه، وأقرب إلى فهمه، وأوعى لقبوله من حفظه جملًا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما فيما كان خطه واحدًا فإن ذلك أسهل حفظًا، وأيسر لفظًا.
ومنها: إعظام أجور هذه الأمة من حيث أنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ، واستخراج كمين أسراره وخفي إشاراته وإنعامهم النظر، وإمعانهم عن التوجيه والتعليل، والترجيح والتفصيل بقدر ما تبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم.
ومنها بيان فضل هذه الأمة، وشرفها على سائر الأمم؛ من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال.
ومنها: ما ادخره الله تعالى من المنقبة العظيمة لهذه الأمة الشريفة من إسنادها كتاب ربها... وكل قارئ يوصل حروفه بالنقل إلى أصله.
ومنها: ظهور سر الله تعالى في توليه حفظ كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل.. فإن الله تعالى لم يخل عصرًا من الأعصار، ولو في قطر من الأقطار من إمام حجة قائم، ينقل كتاب الله تعالى، وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءته، يكون وجوده سببًا لوجود هذا السبب القويم على مر الدهور، وبقاؤه دليلًا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور.

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:06 PM

أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.



الدرس الثالث

القراءات القرآنية تعكس لغاتٍ نزل بها القرآن
شغلت القراءات أذهان النحاة منذ نشأة النحو، ذلك لأن النحاة الأول الذين نشأ النحو على أيديهم كانوا قراء كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، ويونس والخليل، ولعل اهتمامهم بهذه القراءات وجههم إلى الدراسة النحوية ليلائموا بين القراءات والعربية، بين ما سمعوا ورووا من القراءات وبين ما سمعوا ورووا من كلام العرب.
فأبو عمرو بن العلاء كما يحدثنا أبو عبيدة كان يقرأ، "لتخذِت عليه أجرًا". قال: أبو عبيدة: فسألته عنه، فقال: هي لغة فصيحة، وأنشد قول الممزق العبدي:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها نسيفًا كأفحوص القطاة المطرق
وكان أبو عمر يؤيد قراءة النصب في قوله تعالى: "ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد".
قال أبو عمرو: خرجت من الخندق -يعني: خندق البصرة- حتى صرت إلى مكة لم أسمع أحدًا يقول "اضرب أيهم أفضل أي كلهم ينصبون".
وابن أبي إسحاق كان يقرأ "والمقيمي الصلاة" بالنصب.
قال أبو الفتح: أراد المقيمين، فحذف النون تخفيفًا لا لتعاقبها الإضافة.
وابن كثير: كان يقرأ: "وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ" بالرفع.
والخليل: كان يقرأ: "حَتَّى يُصْدِرَ الرُّعَاء".
وكان عيسى: يقرأ: "من نهار بلاغًا"، قال أبو الفتح: هو على فعل مضمر، أي: بلغوا أو بلغوا بلاغًا.
ولما استقرت قواعد النحو مسجلة في "الكتاب"، وظهرت المدرسة البصرية، ثم الكوفية، اتجه النحاة إلى القراءات، آخذين منها ما يؤيد نظرهم من جهة، ورافضين ما لم يقبله القياس، أو يتفق مع الأصول من جهة أخرى.
وكانت دائرة الخلاف تتسع وتضيق تبعًا لبعد هذه القراءات عن الأصول والمقاييس أو قربها منها.
ولم تكن الخلافات النحوية في مجال القراءات وفقًا على البصريين أو الكوفيين، بل تجاوزت ذلك إلى المذاهب الفردية والآراء الشخصية لمشاهير النحاة، حيث كثر بينهم الجدل حول هذه القراءات، واحتدم النزاع.
وهدفي من هذا الفصل أن أبين أن القراءات أثّرت في هذه الدراسات كما بينت في كتاب سابق أن القرآن الكريم أثّر في دراسات النحو تأثيرًا كبيرًا.
أما تأثير القراءات في الدراسات النحوية، فإنه يقوم على النقاط الآتية:
1- القراءات بين البصريين والكوفيين:
البصريون كانوا لا يحتجون بالقراءات إلا في القليل النادر الذي يتفق مع أصولهم ويتناسق مع مقاييسهم، وذلك كاستدلالهم مثلًا في "كلا وكلتا" بقراءة حمزة والكسائي.
وبيان ذلك أن البصريين يذهبون إلى أن "كلا وكلتا" فيهما إفراد لفظي وتثنية معنوية، والألف فيهما كالألف في "عصا ورحا". ويستدلون على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها تجوز إمالتها، قال الله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا}. وقال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا}. قرأهما حمزة والكسائي وخلف، بإمالة الألف فيهما، ولو كانت الألف فيهما للتثنية لما جازت إمالتها؛ لأن ألف التثنية لا تجوز إمالتها.
وكاستدلالهم أيضًا على أنّ "إنْ" المخففة من الثقيلة تعمل النصب في الاسم بقراءة من قرأ "وَإِنْ كُلًا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ" في قراءة من قرأ بالتخفيف، وهي قراءة نافع وابن كثير، وروى أبو بكر عن عاصم بتخفيف "إن" وتشديد "لما".
هذا، والكوفيون لم يتحفظوا في مجال القراءات كما يتحفظ البصريون، ذلك لأنهم رأوا أن القراءات سندها الرواية، وهي من أجل هذا أقوى في مجال الاستشهاد من الشعر وغيره؛ لأن شعار الرواة فيها الدقة والضبط والإتقان... ومِنْ ثَمَّ كانت في نظرهم مصدرًا لتقعيد القواعد وبناء الأساليب، وتصحيح الكلام بغض النظر عن موافقتها للمقياس المأخوذ أو عدم موافقتها، لأنها في ذاتها يجب أن تشتق منها المقاييس، وتستمد الأصول.
ومنهج الكوفيين في الواقع أسلم وأصح في مضمار القراءات من منهج البصريين لأن اتخاذ القراءات مصدرًا للاستشهاد يثري اللغة، ويزيد من رصيدها ويجعلها غنية بأساليبها على الدوام، فلا تمد يدها إلى تعريب أو إلى دخيل.
والقراءات كما بينتُ سجل وافٍ للغات التي نزل بها القرآن الكريم، وما دام سندها الرواية، ودعامتها السماع، فهي من أجل هذا أقوى من المصادر الأخرى كالشعر وغيره، لأن رواة القراءات يتحرجون من عدم الدقة فيها على حين لا يبالون بالحرج في غيرها حينما تخون الحافظة، أو يستبد النسيان، أو يقع على الألسنة التحريف.
وقد عجب ابن حزم من منطق البصريين إزاء القراءات، فقال ما نصه: "من النحاة من ينتزع من المقدار الذي يقف عليه من كلام العرب حكمًا لفظيًّا ويتخذه مذهبًا، ثم تعرض له آيات على خلاف ذلك الحكم، فيأخذ في صرف الآية عن وجهها".
وقال في موضع آخر:
"ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو للحطيئة، أو الطرماح، أو لأعرابي أسدي أو سلمى، أو تميمي أو من سائر أبناء العرب لفظًا من شعر أو نثر جعله في اللغة وقطع به، ولم يعترض فيه.
ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلامًا لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن موضعه.
بقي أن نعرض لبعض المسائل التي اختلفت فيها وجهة نظر الفريقين بسبب القراءات.
من المسائل التي اختلفت فيها وجهة الفريقين بسبب القراءات:
1- وقوع الفعل الماضي حالًا:
يذهب الكوفيون إلى أن الفعل الماضي يجوز أن يقع حالًا، واحتجوا بقوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}. فحصرت فعل ماض، وهو في موضع الحال، وتقديره "حصرة صدورهم" والدليل على صحة هذا التقدير قراءة من قرأ "أو جاؤكم حصرةً صدورهم"، وهي قراءة الحسن البصري، ويعقوب الحضرمي، والمفضل عن عاصم.
أما البصريون فذهبوا إلى أنه لا يجوز أن يقع حالًا، وخرجوا الآية التي استدل بها البصريون، وكان تخريجهم يقوم على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن تكون صفة لقوم المجرور في أول الآية.
والوجه الثاني: أن تكون صفة لقوم مقدر، ويكون التقدير منه "أو جاءكم قومًا حصرت صدورهم" والماضي إذا وقع صفة لموصوف محذوف جاز أن يقع حالًا بالإجماع".
والوجه الثالث: أن يكون خبرًا بعد خبر، كأنه قال: "أو جاؤكم" ثم أخبر، فقال: حصرت صدورهم.
والوجه الرابع: أن يكون محمولًا على الدعاء، لا على الحال، كأنه قال: ضيق الله صدورهم كما يقال: جاءني فلان، وسع الله رزقه.
2- هل تكون "إلّا" بمعنى الواو؟:
ذهب الكوفيون إلى أن "إلا" تكون بمعنى الواو، وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو، واحتج الكوفيون لمذهبم بقوله تعالى: {لِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} أي: ولا الذين ظلموا. وأيدوا حجتهم بقراءة بعض القراء "إلى الذين ظلموا" مخففًا بمعنى مع الذين ظلموا منهم.
ونقض البصريون دليل الكوفيون في القراءة فقالوا: وأما قراءة من قرأ "إلى الذين ظلموا منهم" بالتخفيف، فإن صحت وسلم لكم ما ادعيتموه على أصلكم من أن إلى تكون بمعنى مع فليس لكم فيه حجة تدل على أن إلا تكون بمعنى الواو، لأنه ليس من الشرط أن تكون إحدى القراءتين بمعنى الأخرى وإذا اعتبرتم هذا في القراءات وجدتم الاختلاف في معانيها كثيرًا جدًّا، وهذا مما لا خلاف فيه، وإذا ثبت هذا فيجوز أن تكون قراءة من قرأ "إلى الذين" بالتخفيف بمعنى مع، وقراءة من قرأ "إلّا" بالتشديد بمعنى لكن.
3- هل فعل الأمر معرب؟:
ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر للمواجه المعري عن حرف المضارعة -نحو افعل- معرب مجزوم.
وذهب البصريون إلى أنه مبني على السكون.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه معرب مجزوم لأن الأصل في الأمر للمواجه في نحو "افعل" لتفعل، كقولهم: في الأمر للغائب "ليفعل" وعلى ذلك قوله تعالى: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" في قراءة من قرأ بالتاء من أئمة القراء وذكرت القراءة أنها قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- من طريق أبي بن كعب، ورويت هذه فثبت أن الأصل في الأمر للمواجه في نحو -افعل- أن يكون باللام نحو: لتفعل، كالأمر للغائب، إلا أنه لما كثر استعمال الأمر للمواجه في كلامهم، وجرى على ألسنتهم أكثر من الغائب استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال فحذفوها مع حرف المضارعة طلبًا للتخفيف.
وأما البصريون، فقالوا: إن علة وجود الإعراب في الفعل المضارع وجود حرف المضارعة، فما دام حرف المضارعة ثابتًا كانت العلة ثابتة سليمة عن المضارعة كان حكمها ثابتًا، ولهذا كان قوله تعالى: "فبذلك فلتفرحوا" معربًا.
4- هل يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها؟:
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فقالوا: "حكى الكسائي قال: قرأ علي بعض العرب سورة "ق" فقال: "مناع للخير، معتدٍ مريبًا الذي" "بفتح التنوين لأنه نقل فتحة همزة الذي إلى التنوين قبلها.
وحكى أيضًا عن بعض العرب "بسم الله الرحمن الرحيمَ الحمد لله" بفتح الميم؛ لأنه نقل فتحة همزة "الحمد" إلى الميم قبلها.
وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، وهو من سادات أئمة القراءة، "وإذ قلنا للملائكةُ اسجدوا" فنقل ضمة همزة اسجدوا إلى التاء قبلها، فدل على جوازه.
وأما البصريون فقالوا: أما احتجاجهم بقوله تعالى: "المَ الله" فلا حجة لهم فيه لأن حركة الميم إنما كانت لالتقاء الساكنين وهي الميم واللام من الله... ثم قالوا: والجواب عن احتجاجهم بقراءة بعض العرب "مريبًا الذي" فإن الفتحة في التنوين ليس عن إلقاء حركة همزة الذي، وإنما حركة لالتقاء الساكنين، وهما التنوين واللام من الذي، ثم قالوا: على أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ بهذه القراءة لأنه لا إمام لها، وكذلك ما حكاه عن بعض العرب من فتح الميم من "الرحيمَ الحمد لله" لأنها لا إمام لها على أنه لا وجه للاحتجاج بها؛ لأن فتح الميم فتحة إعراب؛ لأنه لما تكرر الوصف عدل به إلى النصب على المدح بتقدير: أعني.
5- {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل}:
روى ابن مجاهد عن ابن عباس أن في مصحف ابن مسعود:
"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ويقولان ربنا"، وفيه "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُم" وفيه: "وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ وَيَقُولُونَ أَخْرِجُوا" قال أبو الفتح: في هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا -يقصد البصريين- من أن القول مراد مقدر في نحو هذه الأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه دون أن يكون القول مقدرًا معه.
6- إعمال إن النافية:
أجاز إعمالها الكسائي، وأكثر الكوفيين.
قرأ سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم".
7- "الحمد لله" بضم اللام:
الكوفيون اجتهدوا في تأييد هذه القراءة لمناسبة الإتْباع، قال (يوهان فك): "وعلى النقيض من ذلك البصريون الذين عابوا هذه القراءة بحجة أنها سقطت من الاستعمال تمامًا، وأنها مخالفة للقواعد، ومصطدمة بالإعراب".
هذه طائفة من المسائل التي اختلف فيها البصريون والكوفيون في مجال القراءات، وهي غيض من فيض، ذكرت بعضها لتكون دليلًا يؤيد ما أقول من أن القراءات أثّرت في النحو البصري والكوفي تأثيرًا كبيرًا.

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:07 PM

أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.



الدرس الثالث

موقف النحاة من القراءات
2- القراءات المشكلة وموقف النحاة منها:
هناك قراءات مشكلة ظاهرها يدل على أنها متعارضة مع الأصول مخالفة للمقاييس.
ووقف النحاة أمام هذه القراءات المشكلة ليوضحوا غامضها، ويزيلوا إشكالها، واجتهد كل منهم ليدلي بدلوه بين الدلاء في مضمار هذه القراءات. وبسبب هذه القراءات المشكلة أُثري النحو، وتعددت مسائله، وفاضت كتبه حتى امتلأت بالآراء العديدة.
ونحن لا نستطيع في هذا المقام جمع هذه القراءات المشكلة، وآراء النحاة فيها لأن ذلك يطيل أمد البحث، وقد لا نصل إلى الغاية منها وإنما نكتفي هنا بنماذج معدودة لنشير إلى هذه الحقيقة التي ذكرتها وهي أن القراءات كانت مصدرًا كبيرًا لثروة نحوية امتلأت بها خزائنه.
نماذج للقراءات المشكلة، وآراء النحاة فيها:
1- {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}:
رأي ابن قتيبة:
قال: قالوا في قوله سبحانه: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} هي لغة بلحارث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه، وأنشدوا:
تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم
وأنشدوا:
طاروا علاهن فطر علاها
ثم قال: على أن القراء قد اختلفوا في قراءة الحرف، فقرأه أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر. "إن هذين لساحران"، وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت عائشة.
ثم قال: وقرأ بعضهم: "إن هذان لساحران" اعتبار بقراءة أبي، لأنها في مصحفه: "إن ذان إلا ساحران".
وفي مصحف عبد الله "وأسروا النجوى إن هذان ساحران" منصوبة الألف بجعل "إن هذا" تبيينًا للنجوى.
رأي ابن الأنباري:
قال: "إن" بمعنى نعم، وجه ضعيف لدخول اللام في الخبر، وهو قليل في كلامهم.
وقيل: إن الهاء مضمرة مع إن كما تقول: إنه زيد ذاهب، وفيه أيضًا ضعف؛ لأن هذا إنما يجيء في الشعر.
وقيل: لأن "هذان" لما لم يظهر الإعراب في واحده وجمعه، حملت التثنية على ذلك، وهذا أضعف من الذي قبله.
ومن قرأ إن بالتخفيف كان فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون إن مخففة من الثقيلة، ولم يعملها؛ لأنها إنما عملت لشبه الفعل، فلما حذف منها النون، وخففت ضعف وجه الشبه فلم تعمل.
والثاني: أن تكون "إن" بمعنى "ما" وهذان الوجهان يخرجان على مذهب الكوفيين.
رأي أبي محمد بن أبي طالب الأندلسي:
قال: من رفع "هذان" حمله على لغة بني الحارث بن كعب يأتون بالمثنى بالألف على كل حال.
وقيل: إن بمعنى نعم، وفيه بُعد لدخول اللام في الخبر، وذلك لا يكون إلا في شعر كقوله:
أم الحليس لعجوز شهربة
وكان وجه الكلام لأم الحُلَيْس عجوز.
كذلك كان في وجه الكلام في الآية: إن حملت "إن" على معنى "نعم" "إن لهذان ساحران" كما تقول: لهذان ساحران، نعم، ولمحمد رسول ال،له وفي تأخر اللام مع لفظ "إن" بعض القوة على "نعم".
وقيل: "إن" مضمرة مع "أن" وتقديره "إنه هذان لساحران". كما تقول: إنه زيد منطلق وهو قول حسن، ولولا أن دخول اللام في الخبر يبعده. فأما من خفف "إن" فهي قراءة حسنة؛ لأنه أصح في الإعراب ولم يخالف الخط.
رأي الصاحبي:
قال: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإعراب يقتضي أن يقال: إن هذان.
قال: وذلك أن "هذا" اسم منهوك، ونهكه أنه على حرفين أحدهما حرف علة، وهي الألف، وها كلمة تنبيه ليست من الاسم في شيء. فلما ثنى احتيج إلى ألف التثنية، فلم يوصل إليها لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف إحداهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقى الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع فتركوها على حالها في النصب والخفص.
قال الصاحبي: ومما يدل على هذا المذهب قوله جل ثناؤه: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} لم تحذف من النون -وقد أضيف- لأنه لو حذفت النون لذهب معنى التثنيه أصلًا؛ لأنه لم تكن للتثنية ها هنا علامة إلا النون وحدها، فإذا حذفت أشبهت الواحد لذهاب علامة التثنية.
رأي ابن كسيان:
قال السيوطي: رأيت بخط ابن القماح قال: ذكر القفطي في كتاب "إنباه الرواة" أن القاضي إسماعيل بن إسحاق سأل أبا الحسن محمد بن أحمد بن كيسان ما وجه قراءة من قرأ: "إن هذان لساحران" على ما جرت به عادتك من الإعراب في الإعراب فأطرق ابن كيسان مليًّا قم قال: بجعلها منها هذا، وهو مبني، والجمع هؤلاء وهو مبنى فتحمل التثنية على الوجهين، فأعجب القاضي ذلك وقال: ما أحسنته لو قال به أحد. فقال ابن كسيان:
ليقل به القاضي وقد حسن.
رأي ابن هشام:
قال بعد أن ذكر عدة آراء لغيره من النحاة وناقشها:
وقيل هذان اسمها، ثم اختلف. فقيل جاءت على لغة بلحرث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائمًا كقوله: قد بلغا في المجد غايتاها.
واختار هذا الوجه ابن مالك.
وقيل: "هذان" مبني لدلالته على معنى الإشارة، وأن قول الأكثرين هذين جرًّا ونصبًا ليس إعرابًا أيضًا، واختاره ابن الحاجب.
قلت : وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في المبني إلا تختلف صيغة مع أن فيها مناسبة لألف ساحران، وعكسه الياء في "إحدى ابنتي هاتين" فهي هنا أرجح لمناسبة ياء ابنتي.
رأي أبي عبيدة:
قال: ومجازًا لمحتمل من وجوه الإعراب كما قال: "إن هذان لساحران" قال: وكل هذا جائز معروف قد يتكلمون به.
هذه طائفة من آراء عديدة في هذه القراءة التي وردت في "إن هذان لساحران" والواقع أنه لا داعي لهذه التأويلات والتقديرات التي تشتت الفكر وتحير العقل وتجعل طالب النحو يعيش في دوامة من اضطرابات الآراء وتناقض الأفكار التي يلمسها في دراسته لمسائل هذا العلم، لم لا نريح أنفسنا ونوفر هذا المجهود الذي لا يوصل إلى الهدف. ونقول: إنها لغة، واللغة ظاهرة اجتماعية لا تخضع لهذه المقاييس النحوية، ولم تكن لغة قبيلة واحدة بل ذكر بعض النحاة أنها لغات قبائل متعددة كما قال ابن جماعة إنه لغة بني الحارث وخثعم وزبيد وهمدان وبني العنبر وعذرة ومراد وغيرهم.
ومن عجب أن تكون لغة لهذه القبائل العديدة ثم يأتي النحاة بعد ذلك يتأولون، ويخرجون، ونسوا أنه كان يجب أن تؤخذ هكذا كما رويت وكما قرئ بها.
2- {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}:
رأي أبي جعفر النحاس:
قال أبو جعفر النحاس: من قرأ جعله عطفًا على الأول "واغسلوا أرجلكم".
ثم قال: إن الأخفش وأبا عبيدة يذهبان إلى أن الخفض على الجوار والمعنى للغسل. وقال الأخفش: مثله: هذا جحر ضب خب. وقال أبو جعفر معقبًا: وهذا القول غلط عظيم، لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط، ونظير الإقواء.
وينسب أبو جعفر قراءة النصب إلى "عروة بن الزبير ونافع والكسائي":
قال: وقرأ أنس بن مالك: "وأرجلِكم" بالخفض، وهي قراءة أبي جعفر وأبي عمرة بن العلاء وعاصم وحمزة والأعمش.
على أنه يقال: تمسحت بمعنى تطهرت للصلاة. فتكون على هذا الخفض كالنصب.
قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: التقدير: وأرجلكم غسلًا. ثم حذف هذا لعلم السامع.
رأي الزجاج:
قال: القراء بالنصب، وقد قرئت بالخفض، وكلا الوجهين جائز في العربية فمن قرأ بالنصب فالمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم على التقديم والتأخير، والواو جائز فيها ذلك كما قال -جل وعز-: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}.
والمعنى: اركعي واسجدي لأن الركوع مثل السجود.
ومن قرأ: وأرجلكم بالجر عطف على الرءوس: قال بعضهم: نزل جبريل بالمسح والسنة في الغسل.
وقال بعض أهل اللغة: هو جر على الجوار. فأما الخفض على الجوار فلا يجوز في كتاب الله.
رأي ابن الحاجب:
قال: من قرأ بالخفض عطف على قوله برءوسكم وأرجلكم، والمراد اغسلوا أرجلكم وليس الخفض على المجاورة، وإنما على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر.
والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى، ولكل واحد متعلق -جوزت ذكر أحد الفعلين، وعطفت متعلق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه حتى كأنه شريكه في أصل الفعل إجراء لأحد المتقاربين مجرى الآخر كقولهم: تقلدت بالسيف والرمح، وعلفتها بالتبن والماء.
وقال الإمام الزمخشري: إنه مخفوض على الجوار وليس بجيد إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن الكريم ولا في الكلام الفصيح وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب، فلتحمل الآية على ما ذكر.
رأي الزمخشري:
قال: "وأرجلكم بالنصب فدل على أن الأرجل مغسولة. فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر، ودخولها في حكم المسح؟
قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة الإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
تعقيب:
ويعقب ابن المنير على الزمخشري فيقول: ولم يوجه الجر بما يشفي الغليل والوجه منه أن الغسل والمسح متقاربات من حيث أن كل واحد منهما إمساس بالعضو فيسهل المغسول على الممسوح مِنْ ثَمَّ كقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا. وقوله:
علفتها تبنًا وماءً باردًا
ونظائره لكثيرة، وبهذا وجه الحذاق.
رأي العكبري:
قال: "وأرجلكم" يقرأ بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما هو معطوف على الوجوه والأيدي، أي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وذلك جائز في العربية بلا خلاف، والسنة الدالة على وجوب غسل الرجلين تقوي ذلك، والثاني: أنه معطوف على موضع "برءوسكم" والأول أقوى؛ لأن العطف على اللفظ أقوى من العطف على الموضع.
ويقرأ في الشذوذ بالرفع على الابتداء، أي وأرجلكم مغسولة كذلك ويقرأ بالجر، وهو مشهور أيضًا كشهرة النصب، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها معطوفة على الرءوس في الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة والأرجل مغسولة، وهو الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة والأرجل مغسولة، وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر، فمن القرآن قوله تعالى: "وحورٍ عين" على قراءة من جر وهو معطوف على قوله: "بأثواب"، "وأباريق" والمعنى مختلف؛ إذ ليس المعنى: عليهم ولدان مخلدون بحور عين.
قال الشاعر وهو النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت أو موثق في حبال القد مجنوب
والقول في مجروره، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، وقلب الحروف بعضها إلى بعض والتأنيث وغير ذلك.
فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قوله: {عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} واليوم ليس بمحيط وإنما بعاصف، وإنما العاصف الريح. ومن قلب الحروف قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" والأصل موزورات، ولكن أريد التآخي. ومن التأنيث قوله "فله عشر أمثالها" فحذف التاء من عشر، وهي مضافة إلى الأمثال، وهي مذكرة.
وهذه القراءة أيضًا مرجعها اللغة لا القياس، فالنحاة لم يحيطوا بكلام العرب، وبنوا أقيستهم على مجموعة من النصوص لم تحط بكل ما قال العرب.
وقد أصاب العكبري في هذا البحث القيم إذ بين أن الجوار أمر لا تنكره اللغة وإذا لم تنكره اللغة لا ينكره القرآن؛ لأنه نزل بلغات العرب، بلسان عربي مبين.
3- {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}:
رأي الفراء:
قال: وفي بعض مصاحف أهل الشام "شركايهم" بالياء فإن تكن مثبتة عن الأولين فينبغي أن يقرأ زين وتكون الشركاء هم الأولاد، لأنهم منهم في النسب والميراث.
ثم قال: فإن كانوا يقرءون زين فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا. ثم يقولون في تثنية الحمراء حمرايان، فهذا وجه أن يكونوا قالوا: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم، وإن شئت جعلت زين إذا فتحته فعلًا لإبليس ثم تخفض الشركاء باتباع الأولاد:
وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:
فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزادة
بشيء، وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية.
والفراء في هذه القراءة قراءة أهل الشام يبين وجه هذه القراءة فإذا كانت "شركايهم" بالياء، فينبغي أن تكون زين مبنية للمفعول.

عبدالله بنعلي 04-22-2016 04:07 PM

أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.



الدرس الثالث

أثر القراءات في النحاة ومؤلفاتهم
2- القراءات المشكلة وموقف النحاة منها:
هناك قراءات مشكلة ظاهرها يدل على أنها متعارضة مع الأصول مخالفة للمقاييس.
ووقف النحاة أمام هذه القراءات المشكلة ليوضحوا غامضها، ويزيلوا إشكالها، واجتهد كل منهم ليدلي بدلوه بين الدلاء في مضمار هذه القراءات. وبسبب هذه القراءات المشكلة أُثري النحو، وتعددت مسائله، وفاضت كتبه حتى امتلأت بالآراء العديدة.
ونحن لا نستطيع في هذا المقام جمع هذه القراءات المشكلة، وآراء النحاة فيها لأن ذلك يطيل أمد البحث، وقد لا نصل إلى الغاية منها وإنما نكتفي هنا بنماذج معدودة لنشير إلى هذه الحقيقة التي ذكرتها وهي أن القراءات كانت مصدرًا كبيرًا لثروة نحوية امتلأت بها خزائنه.
نماذج للقراءات المشكلة، وآراء النحاة فيها:
1- {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}:
رأي ابن قتيبة:
قال: قالوا في قوله سبحانه: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} هي لغة بلحارث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه، وأنشدوا:
تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم
وأنشدوا:
طاروا علاهن فطر علاها
ثم قال: على أن القراء قد اختلفوا في قراءة الحرف، فقرأه أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر. "إن هذين لساحران"، وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت عائشة.
ثم قال: وقرأ بعضهم: "إن هذان لساحران" اعتبار بقراءة أبي، لأنها في مصحفه: "إن ذان إلا ساحران".
وفي مصحف عبد الله "وأسروا النجوى إن هذان ساحران" منصوبة الألف بجعل "إن هذا" تبيينًا للنجوى.
رأي ابن الأنباري:
قال: "إن" بمعنى نعم، وجه ضعيف لدخول اللام في الخبر، وهو قليل في كلامهم.
وقيل: إن الهاء مضمرة مع إن كما تقول: إنه زيد ذاهب، وفيه أيضًا ضعف؛ لأن هذا إنما يجيء في الشعر.
وقيل: لأن "هذان" لما لم يظهر الإعراب في واحده وجمعه، حملت التثنية على ذلك، وهذا أضعف من الذي قبله.
ومن قرأ إن بالتخفيف كان فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون إن مخففة من الثقيلة، ولم يعملها؛ لأنها إنما عملت لشبه الفعل، فلما حذف منها النون، وخففت ضعف وجه الشبه فلم تعمل.
والثاني: أن تكون "إن" بمعنى "ما" وهذان الوجهان يخرجان على مذهب الكوفيين.
رأي أبي محمد بن أبي طالب الأندلسي:
قال: من رفع "هذان" حمله على لغة بني الحارث بن كعب يأتون بالمثنى بالألف على كل حال.
وقيل: إن بمعنى نعم، وفيه بُعد لدخول اللام في الخبر، وذلك لا يكون إلا في شعر كقوله:
أم الحليس لعجوز شهربة
وكان وجه الكلام لأم الحُلَيْس عجوز.
كذلك كان في وجه الكلام في الآية: إن حملت "إن" على معنى "نعم" "إن لهذان ساحران" كما تقول: لهذان ساحران، نعم، ولمحمد رسول ال،له وفي تأخر اللام مع لفظ "إن" بعض القوة على "نعم".
وقيل: "إن" مضمرة مع "أن" وتقديره "إنه هذان لساحران". كما تقول: إنه زيد منطلق وهو قول حسن، ولولا أن دخول اللام في الخبر يبعده. فأما من خفف "إن" فهي قراءة حسنة؛ لأنه أصح في الإعراب ولم يخالف الخط.
رأي الصاحبي:
قال: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإعراب يقتضي أن يقال: إن هذان.
قال: وذلك أن "هذا" اسم منهوك، ونهكه أنه على حرفين أحدهما حرف علة، وهي الألف، وها كلمة تنبيه ليست من الاسم في شيء. فلما ثنى احتيج إلى ألف التثنية، فلم يوصل إليها لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف إحداهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقى الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع فتركوها على حالها في النصب والخفص.
قال الصاحبي: ومما يدل على هذا المذهب قوله جل ثناؤه: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} لم تحذف من النون -وقد أضيف- لأنه لو حذفت النون لذهب معنى التثنيه أصلًا؛ لأنه لم تكن للتثنية ها هنا علامة إلا النون وحدها، فإذا حذفت أشبهت الواحد لذهاب علامة التثنية.
رأي ابن كسيان:
قال السيوطي: رأيت بخط ابن القماح قال: ذكر القفطي في كتاب "إنباه الرواة" أن القاضي إسماعيل بن إسحاق سأل أبا الحسن محمد بن أحمد بن كيسان ما وجه قراءة من قرأ: "إن هذان لساحران" على ما جرت به عادتك من الإعراب في الإعراب فأطرق ابن كيسان مليًّا قم قال: بجعلها منها هذا، وهو مبني، والجمع هؤلاء وهو مبنى فتحمل التثنية على الوجهين، فأعجب القاضي ذلك وقال: ما أحسنته لو قال به أحد. فقال ابن كسيان:
ليقل به القاضي وقد حسن.
رأي ابن هشام:
قال بعد أن ذكر عدة آراء لغيره من النحاة وناقشها:
وقيل هذان اسمها، ثم اختلف. فقيل جاءت على لغة بلحرث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائمًا كقوله: قد بلغا في المجد غايتاها.
واختار هذا الوجه ابن مالك.
وقيل: "هذان" مبني لدلالته على معنى الإشارة، وأن قول الأكثرين هذين جرًّا ونصبًا ليس إعرابًا أيضًا، واختاره ابن الحاجب.
قلت : وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في المبني إلا تختلف صيغة مع أن فيها مناسبة لألف ساحران، وعكسه الياء في "إحدى ابنتي هاتين" فهي هنا أرجح لمناسبة ياء ابنتي.
رأي أبي عبيدة:
قال: ومجازًا لمحتمل من وجوه الإعراب كما قال: "إن هذان لساحران" قال: وكل هذا جائز معروف قد يتكلمون به.
هذه طائفة من آراء عديدة في هذه القراءة التي وردت في "إن هذان لساحران" والواقع أنه لا داعي لهذه التأويلات والتقديرات التي تشتت الفكر وتحير العقل وتجعل طالب النحو يعيش في دوامة من اضطرابات الآراء وتناقض الأفكار التي يلمسها في دراسته لمسائل هذا العلم، لم لا نريح أنفسنا ونوفر هذا المجهود الذي لا يوصل إلى الهدف. ونقول: إنها لغة، واللغة ظاهرة اجتماعية لا تخضع لهذه المقاييس النحوية، ولم تكن لغة قبيلة واحدة بل ذكر بعض النحاة أنها لغات قبائل متعددة كما قال ابن جماعة إنه لغة بني الحارث وخثعم وزبيد وهمدان وبني العنبر وعذرة ومراد وغيرهم.
ومن عجب أن تكون لغة لهذه القبائل العديدة ثم يأتي النحاة بعد ذلك يتأولون، ويخرجون، ونسوا أنه كان يجب أن تؤخذ هكذا كما رويت وكما قرئ بها.
2- {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}:
رأي أبي جعفر النحاس:
قال أبو جعفر النحاس: من قرأ جعله عطفًا على الأول "واغسلوا أرجلكم".
ثم قال: إن الأخفش وأبا عبيدة يذهبان إلى أن الخفض على الجوار والمعنى للغسل. وقال الأخفش: مثله: هذا جحر ضب خب. وقال أبو جعفر معقبًا: وهذا القول غلط عظيم، لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط، ونظير الإقواء.
وينسب أبو جعفر قراءة النصب إلى "عروة بن الزبير ونافع والكسائي":
قال: وقرأ أنس بن مالك: "وأرجلِكم" بالخفض، وهي قراءة أبي جعفر وأبي عمرة بن العلاء وعاصم وحمزة والأعمش.
على أنه يقال: تمسحت بمعنى تطهرت للصلاة. فتكون على هذا الخفض كالنصب.
قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: التقدير: وأرجلكم غسلًا. ثم حذف هذا لعلم السامع.
رأي الزجاج:
قال: القراء بالنصب، وقد قرئت بالخفض، وكلا الوجهين جائز في العربية فمن قرأ بالنصب فالمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم على التقديم والتأخير، والواو جائز فيها ذلك كما قال -جل وعز-: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}.
والمعنى: اركعي واسجدي لأن الركوع مثل السجود.
ومن قرأ: وأرجلكم بالجر عطف على الرءوس: قال بعضهم: نزل جبريل بالمسح والسنة في الغسل.
وقال بعض أهل اللغة: هو جر على الجوار. فأما الخفض على الجوار فلا يجوز في كتاب الله.
رأي ابن الحاجب:
قال: من قرأ بالخفض عطف على قوله برءوسكم وأرجلكم، والمراد اغسلوا أرجلكم وليس الخفض على المجاورة، وإنما على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر.
والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى، ولكل واحد متعلق -جوزت ذكر أحد الفعلين، وعطفت متعلق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه حتى كأنه شريكه في أصل الفعل إجراء لأحد المتقاربين مجرى الآخر كقولهم: تقلدت بالسيف والرمح، وعلفتها بالتبن والماء.
وقال الإمام الزمخشري: إنه مخفوض على الجوار وليس بجيد إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن الكريم ولا في الكلام الفصيح وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب، فلتحمل الآية على ما ذكر.
رأي الزمخشري:
قال: "وأرجلكم بالنصب فدل على أن الأرجل مغسولة. فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر، ودخولها في حكم المسح؟
قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة الإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
تعقيب:
ويعقب ابن المنير على الزمخشري فيقول: ولم يوجه الجر بما يشفي الغليل والوجه منه أن الغسل والمسح متقاربات من حيث أن كل واحد منهما إمساس بالعضو فيسهل المغسول على الممسوح مِنْ ثَمَّ كقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا. وقوله:
علفتها تبنًا وماءً باردًا
ونظائره لكثيرة، وبهذا وجه الحذاق.
رأي العكبري:
قال: "وأرجلكم" يقرأ بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما هو معطوف على الوجوه والأيدي، أي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وذلك جائز في العربية بلا خلاف، والسنة الدالة على وجوب غسل الرجلين تقوي ذلك، والثاني: أنه معطوف على موضع "برءوسكم" والأول أقوى؛ لأن العطف على اللفظ أقوى من العطف على الموضع.
ويقرأ في الشذوذ بالرفع على الابتداء، أي وأرجلكم مغسولة كذلك ويقرأ بالجر، وهو مشهور أيضًا كشهرة النصب، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها معطوفة على الرءوس في الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة والأرجل مغسولة، وهو الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة والأرجل مغسولة، وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر، فمن القرآن قوله تعالى: "وحورٍ عين" على قراءة من جر وهو معطوف على قوله: "بأثواب"، "وأباريق" والمعنى مختلف؛ إذ ليس المعنى: عليهم ولدان مخلدون بحور عين.
قال الشاعر وهو النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت أو موثق في حبال القد مجنوب
والقول في مجروره، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، وقلب الحروف بعضها إلى بعض والتأنيث وغير ذلك.
فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قوله: {عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} واليوم ليس بمحيط وإنما بعاصف، وإنما العاصف الريح. ومن قلب الحروف قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" والأصل موزورات، ولكن أريد التآخي. ومن التأنيث قوله "فله عشر أمثالها" فحذف التاء من عشر، وهي مضافة إلى الأمثال، وهي مذكرة.
وهذه القراءة أيضًا مرجعها اللغة لا القياس، فالنحاة لم يحيطوا بكلام العرب، وبنوا أقيستهم على مجموعة من النصوص لم تحط بكل ما قال العرب.
وقد أصاب العكبري في هذا البحث القيم إذ بين أن الجوار أمر لا تنكره اللغة وإذا لم تنكره اللغة لا ينكره القرآن؛ لأنه نزل بلغات العرب، بلسان عربي مبين.
3- {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}:
رأي الفراء:
قال: وفي بعض مصاحف أهل الشام "شركايهم" بالياء فإن تكن مثبتة عن الأولين فينبغي أن يقرأ زين وتكون الشركاء هم الأولاد، لأنهم منهم في النسب والميراث.
ثم قال: فإن كانوا يقرءون زين فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا. ثم يقولون في تثنية الحمراء حمرايان، فهذا وجه أن يكونوا قالوا: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم، وإن شئت جعلت زين إذا فتحته فعلًا لإبليس ثم تخفض الشركاء باتباع الأولاد:
وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:
فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزادة
بشيء، وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية.
والفراء في هذه القراءة قراءة أهل الشام يبين وجه هذه القراءة فإذا كانت "شركايهم" بالياء، فينبغي أن تكون زين مبنية للمفعول


الساعة الآن 02:33 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by