![]() |
النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(8)
بين أبي علي الفارسي ويونس بن حبيب(1) من السائد في الدرس النحوي أن (مَنْ) مبنية لا تصلح للحاق الإعراب ولا التثنية ولا الجمع ولا التأنيث ، وأن الحكاية بها لابد فيها من لحاق علامات تؤدي تلك الأحوال اللاحقة للمحكي ضرورةً، ثم إن (مَنْ) لها حالان : حال وصل ، وحال وقف ، والأخير هو الحال التي تكون فيها الحكاية ؛ ولذلك قال ابن مالك : إعراب (مَنْ) الاستفهامية والحكاية بها *ووقْفًا احْكِ ما لِمَنْكُورٍ بِمَنْ* يعني : أن النكرة يحكى ما لها من حال إعراب وإفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث بلفظ (مَنْ) في الوقف، أي إذا وقفت على (مَنْ) ،فتقول إذا حكيتَ (جاءني رجلٌ): مَنُو؟ أو (رأيت رجلاً): مَنَا ؟ أو (مررت برجلٍ): مَنِى ، فإن وصلت فقلت مثلًا : (مَنْ يا هذا) بطلت الحكاية( 1). وأجاز يونس الحكاية بـ(مَنْ) في الوصل ،فيثبت الزيادة في الوصل ويقول : مَنُو يا هذا؟ ومَنا يا هذا؟ ومَنِى يا هذا؟ ، ومَنُونَ أنتم؟ وعلى هذا وُجِّه ما حكاه يونس عن بعض العرب من قولهم: (ضَربَ مَنٌ مَنًا)، فأعرب (مَنْ) ونوَّنه، (فمنون) عنده جمع (من) المعربة، وصيرها بمنزلة (أي) لا يحذف منه العلامات وصلًا،فكذلك (مَنْ) ، و (مَنُونَ أنتم؟) عنده بمنزلة (أيُّونَ أنتم؟) . وقد استنكر سيبويه ما حكاه يونس واستبعده لشذوذه وعدم وروده في شيء من كلام العرب، وقال موجِّهًا قول الشاعر( 2): أَتَوا نَارِي فقلتُ مَنُونَ أنْتُمْ فقالوا الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظَلَامَا «وزعم يونس أنه سمع أعرابيًّا يقول : ضَربَ مَنٌ مَنًا ؟ وهذا بعيد لا تَكَلَّمُ به العرب ، ولا يستعمله منهم ناس كثير ، وكان يونس إذا ذكرها يقول: لا يقبل هذا كُلُّ أحد ،فإنما يجوز (مَنُونَ يا فتى) على ذا »( 3). وقد تبع أبو علي سيبويه في استبعاد ما حكاه يونس وردِّه ، بيد أنه لم يذكر وجهًا للاستبعاد غير الذي ذكره سيبويه ، إذ قال الأخير: «وهذا بعيد لا يتكلم به العرب ولا يستعمله منهم ناس كثير، فإنما يجوز (مَنُونَ يا فتى) على ذا، وينبغي لهذا أن لا يقول: (مَنُو) في الوقف ولكن يجعله كأيٍّ»(4 ). ومعنى قول سيبويه: «وينبغي لهذا أن لا يقول: (مَنُو) في الوقف ولكن يجعله كأي» ، أي فيقول: (مَنْ) في الوقف كما يقول (أي) . وجوز أبو العباس المبرد الحكاية مع الوصل عند ضرورة الشعر من غير استحسان ، فقال: «فإن اضطر شاعر جاز أن يصل بالعلامة ،وليس ذلك بحسنٍ»( 5). وعلى أَثَرِ قول سيبويه -بعد نقله زعم يونس-: « وينبغي لهذا أن لا يقول: (مَنُو) في الوقف،ولكن يجعله كأَيٍّ» ، قال أبو علي: «وينبغي ألا يقول(مَنُو) في الوقف،ولكن يجعله(كأيٍّ)،أي فيقول: (مَنْ) في الوقف كما يقول: (أَيٌّ)»(6 ). ولم يذكر الفارسي-كما سلف- وجهًا للاستبعاد غير هذا الذي قاله مع تغييره في عبارة سيبويه قليلًا ، إلا أن أبا سعيد السيرافي قد فسر حيثيَّة سيبويه ووافقه عليها قائلًا : «واستبعد سيبويه ما حكاه، وهي لعمري بعيدٌ جدًّا؛ لأن قوله : (ضَربَ منٌ منًا) استفهام عن الضارب وعن المضـروب بلفظين من ألفاظ الاستفهام ، وقد قُدِّم الفِعلُ على الاستفهامين جميعًا ، والاسم المستفهم به يتضمن حرف الاستفهام ولا يكون إلا صدرًا ، ولو رددناهما إلى ما تضمناه من حرف الاستفهام لصار تقديره: (ضَرَبَ أزيدٌ أعمرًا؟) وهذا باطل مضمحل»(7). وعبر ابن مالك عن قلة ما حكاه يونس بقوله: «وربما قيل: ضَرَبَ مَنٌ مَنَه ؟ ومَنُو مَنَا ؟ لمن قال : ضرب رجلٌ امرأةً ، ورجلٌ رجلًا»( 8). وذهب إلى أن في البيت الذي ذكره سيبويه شذوذًا من وجهين : أحدهما : أنه حَكى مقدَّرًا غير مذكور . والثاني : أنه أثبت العلامة في الوصل ، وحقها ألا تثبت إلا في الوقف»(9 ). وذهب ابن جني إلى أن ما حكاه يونس عن العرب من قولهم : (ضرب مَنٌ مَنًا؟) يخرج على التجريد مِنْ معنى الاستفهام ، ولذلك أعربها ، وأنهم لما قالوا في الاستثبات عمن قال: ضربتُ رجلًا: مَنَا؟ ومررتُ برجلٍ مَنِى ؟ وعندي رجلٌ مَنُو؟ فلما شاع هذا ونحوه عنهم تدرجوا منه إلى أن قالوا: ضرب مَنٌ مَنًا ؟ كقولك: ضربَ رجلٌ رجلًا(10 ), وقد تابعه على ذلك ابن سيده( 11)، وابن يعيش(12 )، وابن منظور( 13)، وذلك يعد عندهم من باب خلع الأدلة . أما عامة النحاة فيوافقون سيبويه على رد ما حكاه سيبويه واستنكاره ، ومن هؤلاء ابن النحاس(14 )، والصيمري (15 )، وابن الأنباري ( 16)، والعكبري(17 )، والرضي( 18)، وابن مالك(19 )، وأبو حيان( 20)، وابن هشام(21 )، وابن عقيل( 22)، والشاطبي(23 )، والسيوطي( 24)، والصبان(25 )، والبغدادي(26 ). ______________________________ ( 1) الكتاب 1/401 بولاق، 2/408 هارون، المقتضب 2/305 ، التبصـرة والتذكرة لأبي القاسم الصيمري ، تحقيق الدكتور فتحي عليِّ الدين – مركز البحث العلمي – جامعة أم القرى- 1402هـ - 1982م- 1/477 ، أسرار العربية 390 ، شرح المفصل 4/14 ، شرح الكافية للرضي 3/75 ، التسهيل 248 ، ارتشاف الضـرب 2/682 ، تقريب المقرب لأبي حيان ، تحقيق الدكتور عفيف عبد الرحمن – دار المسيرة – بيروت- 1402هـ - 1982م- 86 ، أوضح المسالك 4/283 ، المساعد 3/269 ، شرح ابن عقيل 4/87 ، شرح التصريح 2/482 ، همع الهوامع 5/321 ، حاشية الصبان 4/118 ، حاشية الخضـري 2/143 . ( 2) هو سُمَيْر بن الحارث الضَّبي كما نسبه أبو محمد السيرافي في شرح أبيات سيبويه 132 ، وكذا أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب 3/176 ، ونسبه أبو زيد في النوادر 380 ، لشمير بن الحارث الضبي مصغر شِمْر بكسـر المعجمة، قال أبو الحسن الأخفش فيما علقه على النوادر: سُمَير المذكور بالسين المهملة، والبيت من شواهد الكتاب 1/402 ، و المقتضب 2/306 ، و الخصائص 1/129 ، و التبصـرة 2/478 ، و أسرار العربية 393 ، و المحكم والمحيط الأعظم 10/470 ، و اللباب في علل البناء والإعراب 2/138 ، و شرح الكافية الشافية 4/1718 ، و شرح المفصل 4/16 ، و شرح الرضي 3/75 ، و أوضح المسالك 4/283 ، و شرح ابن عقيل 4/88 ، و شرح التصريح 2/482 ، و الخزانة 6/168 . قال الأعلم في شرح شواهد سيبويه 1/402: والشاهد فيه :[مَنُونَ أنتم] وجمعه لـ [من] في الوصل، وإنما يجمع في الوقف وجاز ذلك ضرورة . ( 3) الكتاب 1/402 بولاق ، 2/410-411 هارون . (4 ) الكتاب 1/402 بولاق ، 2/411 هارون . ( 5) المقتضب 2/306 . ( 6) التعليقة 2/115 ، وقد وقع في هذا الموضع من التعليقة سقط في كلام سيبويه فليقارن. (7 ) شرح الكتاب للسيرافي 3/176 . (8 ) التسهيل 249 ، المساعد 3/270 . ( 9) شرح الكافية الشافية 4/1718 . (10 ) الخصائص 1/129-130، 2/179 . ( 11) المحكم والمحيط الأعظم 10/470 . ( 12) شرح المفصل 4/17 . (13 ) لسان العرب 4281 – [منَنَ]. ( 14) خزانة الأدب 6/168 . ( 15) التبصرة والتذكرة 1/477 . ( 16) أسرار العربية 394 . ( 17) اللباب في علل البناء والإعراب 2/139 . ( 18) شرح الكافية 3/75-76 . (19 ) التسهيل 249 ، شرح الكافية الشافية 4/1718 . ( 20) ارتشاف الضرب 2/683 . (21 ) أوضح المسالك 4/283-285 . ( 22) المساعد على تسهيل الفوائد 3/269-270 . (23 ) المقاصد الشافية 6/326-327 . (24 ) همع الهوامع 5/322 . ( 25) حاشية الصبان 4/118 . (26 ) خزانة الأدب 6/167 . |
| الساعة الآن 06:15 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by