![]() |
المخ و ازدواجية اللغة
كتبه: د. يعقوب الشراح
يزداد الإعجاب بالإنسان الذي يتحدث بأكثر من لغة بجانب لغته الأم، وقد ينظر إليه على أنه موهوب لإلمامه باللغات الأجنبية والتحدث فيها بطلاقة. والعكس أيضاً صحيح، عندما يشعر الفرد بأنه لا يفهم لغات أخرى، وبالتالي يعاني مشكلات التواصل والإدراك، وقد يستعين بشخص يتحدث لغات أخرى لمساعدته على حل مشكلاته. هنالك أشخاص مهما بذلوا من جهد للإلمام باللغات الأخرى فإنهم يعانون صعوبات، خصوصا إذا لم يكونوا في مقتبل العمر، فتعلم اللغات واكتساب مهاراتها تبدأ في السنوات الأولى لتعلم الطفل في المدرسة والمنزل. لذلك أصبح تعليم اللغات في المدارس والجامعات الأساس في جودة التعليم، بل إن دولا متقدمة تقوم نسبة تقدم التعليم بمدى قوة مادة اللغات وتأثيراتها على مستوى تحصيل التلاميذ في المدارس بجانب مواد أخرى كالعلوم والحساب (الرياضيات). ولقد وجد أن تعلم أكثر من لغة في المدارس يتطلب مهارات معينة، ووسائل وتقنيات حديثة، وتدريبات تحفّز المخ على الاستيعاب والقدرة على تمييز الألفاظ ومعاني الكلمات ومعالجة المعلومات. لهذا فقد اهتمت علوم اللسانيات والأعصاب بعلاقة المخ بتعلم أكثر من لغة في آن واحد، كتعلم اللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية بجانب اللغة الأم مثلاً، وقد تضاف إلى ذلك لغات أخرى للذين يمتلكون المهارات والرغبة في تعلم اللغات، علماً بان الدراسات اللغوية والعصبية في أميركا وألمانيا رصدت أن المخ يكون أكثر كفاءة في معالجة المعلومات عند المتحدثين بأكثر من لغة، وظهر ذلك في تميز ثنائيي اللغة في مهارات الفهم والادراك، وكذلك زيادة المخزون المعرفي لديهم. ولأن استقبال المخ للمعلومات لا حدود له في الأوضاع الطبيعية، نتيجة لقدرته المرنة، فإن الأطفال يسهل عليهم عادة تعلم أكثر من لغة وبكفاءة عالية من دون أن يؤثر ذلك سلباً في تعلمهم للغة الأم. هناك دراسات تفيد بأن من يتحدث لغة ثانية غير لغته الأصلية يستعيد الوظائف الإدراكية والمعرفية بمعدلات تتجاوز الضعف مقارنة بمن يتحدث لغة واحدة بعد الإصابة بالسكتة الدماغية. ولقد وجد أيضاً أن الذين يتحدثون بلغتين أو أكثر تتأخر لديهم إصابتهم بأعراض تدهور الوظائف العقلية أو شيخوخة الدماغ، أو تأخير انكماش المخ. ومع ذلك، لا يتفق الجميع على ازدواجية اللغة أو دراسة لغتين أو أكثر في المدرسة أو تأثر الأطفال بآبائهم الذين يتحدثون معهم بلغتين في المنزل ما يضعف اللغة الأم لدى هؤلاء الأطفال. وقد يجد بعض الآباء أن تعليم لغات أخرى لدى الأطفال استلاب لغوي وترف معرفي وغزو ثقافي استعماري له الكثير من التداعيات على لغة وتراث وقيم الأمة. هناك دراسات عن مدى تأثر اللغة الأم بتعليم اللغات الأجنبية في المراحل الأولى من التعليم تؤكد عدم تأثر اللغة الأم، بل وجد العكس، أن تعليم لغة أخرى يزيد من طلاقة اللغة الأم، ولا يشكل تهديداً لها. كثيرون يخلطون بين مفهوم تعلم لغات أخرى والتعليم باللغة الأم، لذلك فإن التعليم باللغة الأجنبية بدل اللغة الأم، هو الذي يشكل خطورة بالغة على اللغة الأم. ولقد نبهت منظمتا اليونيسكو والصحة العالمية بضرورة التعليم باللغة الأم وليس إحلالها بلغة أجنبية، فهناك فرق شاسع بين التدريس أو التعليم باللغة الأم وبين تعلم لغة أخرى. http://www.alraimedia.com/ar/article...3D1%23page%3D3 |
الدكتور يعقوب أحمد الشراح هو الأمين العام المساعد
بمركز تعريب العلوم الصحية التابع لجامعة الدول العربية بدولة الكويت. |
| الساعة الآن 08:50 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by