![]() |
غربة اللسان من غربة العلم (الحلقة الثالثة)
غُرْبَةُ اللّسانِ من غربةِ العِلْم (حَلقة: 3) لا يُخالِفُ عاقلٌ في فضلِ العلم وجليلِ مَحلِّه، فهو على رأسِ الفَضائلِ، وأحقّها بالتَّقديمِ، وأسبقُها في استيجابِ التَّعظيم، وهو السّبيلُ إلى خيرِ المنازلِ، والدَّليلُ على كلِّ الفضائلِ، وذروةُ المناقبِ وسنامُها، ولولاه لَما بانَ الإنسانُ من سائرِ الكائناتِ إلاّ بالصّورةِ والهيئة. هذا، ولقد أصبحَ العلمُ في زَمانِنا مهْجورًا مَزْهودًا فيه، حيثُ أصغَرَ النّاسُ أمرَه وتَهاونوا فيه، فأصبحَ يُعاني غُرْبةً وقلَّةً، نبَّه عليها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، حين قالَ في الحديثِ الذي رواه إسماعيلُ بنُ أَبي أُوَيْس عن مالكٍ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه عن عبدِالله بنِ عمرِو بنِ العاص: «إنّ الله لا يَقْبْضُ العِلْمَ انْتْزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولكِن يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَماءِ، حَتّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخذَ النّاسُ رُؤوسًا جُهّالاً، فسُئِلوا فَأَفْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ فضَلّوا وأضَلّوا»[1]. فأكثرُ النّاس في هذا الزّمانِ ناكبون عن سبيلِ العلمِ، متطيِّرون من اسمِه، متضايقون من أهلِه، والنّاشئُ منهم راغبٌ عن التّعليمِ، والشّادي تاركٌ للازديادِ منه، والعُلَماءُ غُرَباءُ في ديارِهم، مغمورون بين ذويهم وعِتْرَتِهم، وسوقُ الجهلِ والدّنيا في تنامٍ وازديادٍ، و سوقُ العلمِ والمعْرفَةِ قد أصابَها الكسادُ، لقلّة عنايةِ أهلِه بحفظِه، والبواعثُ إليه قلّت، والحوادثُ الصّارِفاتُ عنه عظُمت وجلَّت. هذا، و إنّ النّكبَةَ التي حلّت في زمانِنا بالعلمِ هي «تَناقُصُ أطرافِه وفُشُوُّ أَدَواتِه»: ذلك أن المدَنيّةَ المعاصرةَ كلّما تقدّمت ازدادت اكتشافًا للوسائلِ والأدواتِ التّقنيّةِ المتطوِّرةِ التي صُنِعت لنشرِ العلومِ وإذاعةِ المعارِفِ، وسهّلت على الإنسانِ سبُلَ الحياةِ، ويسّرت له اليومَ ما كانَ بالأمسِ عسيرًا. فقد شهدَ هذا العصرُ دفقةً واسعةً في وسائلِ اللّقانةِ[2] والتّعليم ، لم تترُكْ صغيرةً ولا كبيرةً في ميادينِ البرامجِ و المناهجِ وطُرُقِ التّبليغِ والتّبسيطِ إلاّ ارْتادَتْها؛ فقد تنوّعت هذه الوسائلُ تنوُّعًا لافتًا، حيثُ ضمّت الكتبَ والمجلاّتِ والحواسيبَ والمُلْصقاتِ والإعلاناتِ والألعابَ الهادفةَ والمنبِّهاتِ المثيرةَ للحواسِّ ، ووضَعَت الرّوائزَ وامتحنت المتعلِّمَ وحَمَلَتْه على سرعةِ الاهتِداءِ و حسنِ الجوابِ ... أجَل، ما عَرَفَ العالَمُ مرحلَةً كثُرت فيها الوسائلُ لنقلِ المعلوماتِ و المَعارِفِ، كالمَرحلَةِ التي هو فيها ، الصُّحفُ أكثرُ من الهمِّ على القلبِ ، والكُتبُ بجميعِ أصنافِها تقفِزُ من العَدَمِ إلى الوجودِ قفزَ الجَنادبِ، ومَحَطّاتُ الإذاعةِ والإرسالِ لا تفترُ عن بثِّ الأخبارِ صغيرِها وكبيرِها، وبثِّ المعارِفِ والعلومِ دِقِّها وجِلِّها... و لو تأمَّلْتَ قيمةَ المعارِفِ و العُلومِ التي تتلقّاها الأجيالُ النّاشئةُ اليومَ ، لوجدْتَ أنّها معارفُ ضعيفةٌ مُعَرَّضَةٌ للنّسيانِ و الضَّياعِ ، مطبوعةٌ بالعجَلَةِ و السّطحيّةِ ، مَشروطةٌ بالمُنبِّهات التي إذا توافرَت حضرت تلك المعلوماتُ و المعارِفُ و إذا غابت غابت، و إذا قُدِّرَ لك أن تُحاورَ شبابَ اليومِ ، لوجدتَ كثيرًا منهم – في الأغلبِ الأعمِّ – مفتقِرينَ إلى أدبيّاتِ الحوارِ و طرُقِ المناظرةِ و طولِ النَّفَس و منهجِ الإقناع و التّسلسُل المنطقيّ ... وهي أمورٌ كانت منتشرِةً يومَ لم تكن هذه الوسائلُ الهائلةُ مُتَوافرةً، فلمّا اندفعَ سيلُ المُخترَعاتِ والتّقنيّاتِ التّلقينيّةِ قلَّ العَطاءُ و تراجعتِ القُدُراتُ، و تخرّجَ على مدرسةِ التّقنيّاتِ الحديثة جيلٌ مُرهَقُ الفكْرِ مُنهَك الحواسِّ ، أتعبَتْه المنبِّهاتُ و بات يلتمِسُ مطلوبَه في الألعابِ المسلِّيَة والأنشطةِ المروِّحة. و لا شكّ أنّ السّببَ في ذلك كلِّه أنّ العلومَ والمعارِفَ أُفْرِغت من مضمونِها و جُرِّدت من مكْنونِها، فأصبحت أصنافُه ومُصَنَّفاتُه كثيرةً و نُكَته قليلة، وأنواره ساطعة و ثماره عزيزة، و أجْسامه جَمّة و أرواحه نَزْرَة ، و ما ذلك إلاّ لأنّ العلمَ فُصلَ عن مكارمِ الأخلاقِ، فانحسَرَ هذا الفصلُ عن السّفاسفِ والأخلاق ، و أصبحَ المدرِّس مُجرَّد ملقِّنٍ للتّلميذ لا يختلفُ حالُه عن حالِ الآلاتِ المُلقِّنةِ التي تُؤمرُ فتستجيبُ ، و أصبحَ التّلميذُ موكولاً إلى نفسِه و هو يتعلّمُ و يتلقّى ، و فُصلت هذه المعارفُ عن التّربيةِ والتّوجيه و خُلُق الانضباطِ والاستِماعِ ، وأسفَرت هذه المناهجُ المُفرَغة الجوفاءُ عن جيلٍ من المدرِّسين كانوا بالأمسِ تلاميذَ ، فأثمَروا ما بُذِر فيهم، وانتَصبوا أمامَ أفواجٍ كثيرةٍ من التّلاميذِ فبثّوا فيهم ما لُقِّنوا أو ما هو دون ذلك ، ولكنّهم لا يملِكون لهم عِلْمًا و لا تربيةً و لا خلُقا ، إلاّ القليل منهم ، واستمرَّ هذا الخطُّ في دورانٍ مُغلَق . و لا تسأل عن آثارِ هذه المناهجِ العلمانيّةِ الفاصِلة في المجتمعِ برُمّتِه ، وما تزوِّده به من ظواهرَ تربويّةٍ غريبةٍ ، تطبعُها الأنانيّةُ والسّطحيّةُ و العَجَلَة ، وتفتقِر إلى من يُسيِّرُ أمورَها و يقضي مآرِبَها و يأخذُ بيدِها ، ولكنّها أُعْطِيَت زمامَ تسييرِ الشّؤون العامّةِ ، وحُمِّلت المسؤوليّاتِ الجِسامَ ، فكانت وبالاً على البلادِ والعبادِ . ورأسُ الدّاءِ كلِّه هو « فُشُوٌّ مُريعٌ لأدواتِ العلمِ ، و تَناقُصٌ لأطرافِه » لمّا فُصل عن مرجعيّتِه العَقَديةِ و الخلُقيّة. فليس النّقصُ في وسائلِ نشرِ المعرفةِ، و لكنّ النّقصَ في طبيعةِ المعرفةِ ذاتِها وما ينبغي أن ترميَ إليه من إعادةِ تشكيلِ الإنسانِ وفقَ أصولِه الحضاريّةِ الأولى ، ثمّ ما يفرِضه العصرُ من تحدٍّ و مواجهةٍ، و من حربٍ حضاريّةٍ كونيّةٍ ، و "عَوْلَمَةٍ" تمتصُّ خٌصوصيّاتِ الأُمم و ثقافتَها، وتُلْقي بها في يَمِّ التّمييعِ و التّضييعِ، فتَصْهرُ عناصر القوّةِ في كلِّ ثقافةٍ، و تَشُلُّ قُدْرَتَها عن كلِّ تأثيرٍ و غَلَبَةٍ و تَوْجيهٍ، فتَحْرِمُها من إفادةِ الثّقافاتِ الأخرى بتجاربَ إنسانيّةٍ خاصّةٍ يُمْكِنُ أن تُنْتَقى وتصيرَ نافعةً في حياةِ الأُمم والحضاراتِ. فمن المعلومِ أنّ النّظامَ الدّوليّ الجديدَ صيغةٌ تفتقرُ إلى نظامٍ، ونظريّةٌ في التّحضُّرِ تفتقرُ إلى حضارةٍ مؤطِّرةٍ ، وجَسدٌ يفتقرُ إلى روحٍ، وصيغةٌ ذاتُ نظامٍ موهومٍ ألقِيَ بِها في دُنْيا النّاسِ لابْتِلاعِ الثَّقافاتِ القوميّةِ و الْتِهامِ كلِّ الثّوابِت، وطوفانٌ جائحٌ يُهدِّدُ بإغراقِ كلَّ شيءٍ، لأنّه عُنْوانٌ على «الزّمَنِ الغربِيِّ الجديدِ» الذي وصَلَ إلى مرحلةٍ يضيقُ عندَها بالاخْتلافِ و التّنوُّع[3]. هذه هي العقبةُ الكأْداءُ التي ينبغي أن تقتحمَها المعرفةُ في الوقتِ الرّاهنِ، و هذا هو التّحدّي الذي تُواجهُه و هي تلتمسُ طريقَها إلى عُقولِ النّاسِ و قُلوبِهم، مُؤَزَّرَةً بإطارِها الحضاريِّ ومذهبِها العقَدي و تصوُّرِها السّليمِ الذي يربطُ العلمَ بأساسِ الأخلاقِ و الإيمان. .................................................. .................... [1] [صحيح البخاري: 1/50] [2] أفضّلُ استعمالَ "اللِّقانةِ" بدلاً من "البيداغوجيا" ، و هو اصطلاحٌ من اقتِراحِ الأستاذِ اللّغويِّ الكبيرِ: أحمد الأخضر غزال ، انطر في هذا الشّأن حوارًا أجرته معه مجلّةُ "الموقف" المغربيّة تحت عنوانِ "أحمد الأخضر غزال و تجربة المغرب الخاصّة في التّعريب". "الموقف" ع:3 ، محرم1408-شتنبر1987 [3] و هذا ما حذَّرَ منه صامويل هنتنغتون في كتابِه "صدام الحضارات" و فرنسيس فوكوياما في كتابِه "نهاية التّاريخ": انظر: [الخروج من التّيه، دراسة في سلطةِ النّصّ: 9 و 352] ، سلسلة : عالَم المعرفة، ع:298، رمضان1424/نوفمبر2003، إصدار: المجلس الوطني للثّقافة و الفنون والآداب-الكويت. |
[quoteلأنّ العلمَ فُصلَ عن مكارمِ الأخلاقِ،][/quote]
نعم هو ذا السبب. |
| الساعة الآن 06:59 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by