![]() |
التصحيح اللغوي
التصحيح اللغوي:
نشأت ظاهرةُ رصدِ الأَغلاطِ اللغويةِ، والوقوفِ بوجهِها، ومحاولةِ تصحيحِ الغلطِ، منذُ العصرِ الجاهليِّ()1، فقد كان الشعراءُ تُرصدُ قصائدُهم، ويُتابعُ عليهم قولُهم، ويُوقَفُ على ما يصدرُ منهم من أَلفاظٍ. وقد رُصدتْ قضيةُ الإِقواءِ في الشعرِ، فأُنكرَ على النابغةِ الذبيانيِّ قولُه()2: أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رائحٌ، أَو مُغتدِ، عجلانَ، ذا زادٍ، وغيرَ مُزَوَّدِ أَفدَ الترَحُّلُ، غيرَ أَنَّ ركابَنا لمَّا تَزُلْ برحالِنا، وكأَنْ قَدِ زَعَمَ البوارحُ أَنَّ رحلتَنا غداً وبذاكَ خبَّرَنَا الغُدافُ()3 الأَسودُ وبيَّنَ ابنُ سلامٍ حقيقةَ الإِقواءَ في الشعرِ، فقالَ: ((وهو أَنْ يَختلفَ إِعرابُ القوافي، فتكونُ قافيةٌ مرفوعةً، وأُخرى مخفوضةً أَو منصوبةً، وهو في شعرِ الأَعرابِ كثيرٌ، ودونَ الفحولِ من الشُّعراءِ، ولا يجوزُ لمُولَّدٍ؛ لأَنَّهم قد عرفوا عيبَه، والبدويُّ لا يأبَه له فهو أَعذر))()4. وتعدُّ قضيةُ الإِقواءِ في الشعرِ أُولى الإِشاراتِ التي وصلت في النقدِ اللغويِّ()5 من تراثِ العربِ. فلمَّا جاءَ الإِسلامُ ودخلتْ الأُممُ فيه وزادَ انتشارُه، احتيجَ إِلى الوقوفِ بوجهِ من يلحنُ، أَو يغلطُ في التلفُّظِ، أَو في الصيغةِ، أَو التركيبِ، أَو الأُسلوب. والأَغلاطُ اللغويةُ هي مخالفةُ اللغةِ العربيةِ الفصيحةِ في الأَصواتِ، أَو في الصيغِ، أَو في تركيبِ الجملةِ وحركاتِ الإِعرابِ، أَو في دلالةِ الأَلفاظ. وقد عقدَ السيوطيُّ له باباً في المزهرِ وجعلَه آخرَ الأَبوابِ، وسمَّاه (معرفة أغلاط العرب)، ونقلَ عن ابنِ جني فقالَ: ((عقدَ له ابنُ جِنّي باباً في كتابِ الخصائصِ()6 قال فيه: كان أبو علي()7 يروي وَجْهَ ذلك ويقول: إنَّما دخلَ هذا النحوُ كلامَهم لأَنَّهم ليست لهم أُصولٌ يُراجعونها، ولا قوانينُ يستعصمون بها وإنَّما تهجُمُ بهم طباعُهم على ما ينطقون به، فربَّما استهواهم الشيءُ فزاغوا به عن القَصْد))()8. ثمَّ راح السيوطيُّ يستشهدُ من الشعرِ ما يدلُّ على البابِ من أَغلاطِ العربِ نقلاً عن ابنِ جنّي، وكذلك عن ابنِ فارسٍ في مواضع. والتصحيح اللغويُّ له فوائدُ()9، منها: حماية اللغة وحفظُها، وتهذيبُ اللغةِ وتصفيتُها، وتنميةُ اللغةِ، ورصدُ بعضِ الظواهرِ اللغويةِ التي تواجهُ البحثَ في النقدِ اللغويِّ، مثلِ رصدِ ما يُستغرَبُ من أَلفاظٍ تعترضُ مسيرةَ البحثِ، أَو ما يَندرُ منها، ومن الفوائدِ - كذلك – تصحيحُ الخطأِ وتوجيهُه الوجهةَ السليمةَ والتدليلُ على الصحيحِ، والإِرشادُ إِلى الحسنِ في اللغةِ والأَحسنِ، والدفاعُ عن المنشئِ، والكشفُ عن أسرارِ التعبيرِ الأدبي وخصوصيتِه. -------------------------------------- (1) ينظر: النقد اللغوي عند العرب حتى نهاية القرن السابع الهجري، نعمة رحيم العزاوي: 25. (2) ديوانه: 105، والشعر والشعراء: 1/156، والأغاني: 11/12، وطبقات فحول الشعراء: 1/67. (3) هكذا هي في الديوان، قال الجوهري: ((الغُدافُ: غُرابُ القَيظ)): 4/ 1409، مادة (غدف). (4) طبقات فحول الشعراء: 1/71، وينظر: الشعر والشعراء: 1/96. (5) ينظر: النقد اللغوي عند العرب: 28. (6) ينظر: 3/273. (7) لم أعثر على النص. (8) : 2/419. (9) ينظر: النقد اللغوي عند العرب: 319 - 384. |
| الساعة الآن 04:45 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by