منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   دراسات وبحوث لغوية (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=7)
-   -   ٣- وقفات لغوية في كتاب تنوير الحوالك للسيوطي (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=12717)

د.ضياء الجبوري 02-06-2016 07:43 PM

٣- وقفات لغوية في كتاب تنوير الحوالك للسيوطي
 
حَبَلُ الحَبَلَة:
وقف السيوطيُّ على لفظةِ (حبل) الواردةِ في الحديثِ الشريفِ الذي رواه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ( : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (: « نَهَى عَن بَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيعًا يَتَبَايَعُهُ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطنِهَا »()1. فقالَ مُعلِّقاً: (( (حَبَل الحَبَلَة) بفتحِ الحاءِ والباءِ فيهما، ورواه بعضُهم بسكونِ الباءِ()2 في الأُولى، قال القاضي عياضٌ()3 والنوويُّ()4: وهو غَلَطٌ، قالَ أَهلُ اللغةِ: الحَبَلةُ هنا جمعُ حابلٍ، ككاتبٍ وكتبةٍ))()5.
عرضَ السيوطيُّ رأيينِ في هذه المسألةِ فقدَّم القولَ بفتحِ الباءِ والراءِ معاً، وآخَّرَ القائلَ بسكونِ الباءِ في (حبل)، ثمَّ نقلَ قولَ مَن غّلَّطَ القولَ الثاني دونَ ترجيحٍ، وإِنْ كنا نستشفُّ أَنَّه مع القولِ الأَولِ؛ لكنَّه لم يُظهر القولَ به، وآثرَ التوقفَ وعدمَ الجزمِ.
وقد استند إِلى قولِ القاضي عياضٍ والنوويِّ في تخطئةِ مَن روى (حبل) بسكونِ الباءِ كما تقدّم؛ ولأَنَّه يُخالفُ ظاهرَ الحديثِ، فالمقصودُ هو الحَمل، فلا يُمكنُ أَنْ يكونَ بسكونِ الباءِ.
((وممَّا يشكلُ ويدخلُ بعضُه في بعضٍ قولهُ (: (لَا تَقُولُوا للحَبَلَةِ الكرمةُ، فإِنَّ الكَرم قلبُ المؤمن)()6، الحَبَلَةُ بِفتْحَتَيْنِ أَصل الكرمة... وفي حديثٍ آخر (نَهَى النَّبِيُّ ( عَن بيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ)()7، بفتحتين، وليس هذا من الأول في شيء، وإِنَّما هذا من الحَبَل، وهو جمع نَاقَة حابِلٌ ونُوقٌ حَبَلَةٌ كَمَا تَقول حامِلٌ وحَمَلَةٌ، وأَما حَدِيث سَعْدِ بْن أَبي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ (كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيَّ ( مَا لَنَا طَعَامٌ إِلا الْحُبْلَةَ وَوَرَقَ السَّمُرِ)()8 والحُبْلة هَا هُنَا مَضْمُومَة الحاءِ سَاكِنة الباءِ وَهِي ثَمَرَة العِضاهِ والحُبْلة أَيضًا ضربٌ من الحُلِيِّ يُجعل فِي القلائِد))()9.
جاء في القاموسِ المحيطِ: ((و(نُهِيَ عن بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ) بتَحْريكِهِما، أي: ما في بَطْنِ الناقَةِ، أو حَمْلِ الكَرْمَةِ قبلَ أنْ يَبْلُغَ، أَو وَلَدِ الوَلَدِ الذي في البَطْنِ، وكانت العَرَبُ تَفْعَلُهُ))()10.
وعدَّ الزركشيُّ()11 روايةَ الفتحِ فيهما صحيحيةً مثبتاً الأَصلَ في ذلك فقالَ: (( (حَبَل الحَبَلَة) بفتحِ الباءِ فيهما على الصحيحِ روايةً ولغةً، والحَبَلُ مصدرُ حَبِلَت المرأةُ بكسرِ الباءِ تَحْبَلُ بفتحِها، إِذا حَمَلَت، والحَبَلَةُ جمعُ حابلٍ، كظالمٍ وظَلَمَةٍ، وأَصلُ الحَبَلِ في بناتِ آدمَ، والحَمْلُ في غيرِهنَّ))()12.
و(الحَبْلَةُ) بتسكينِ الباءِ الكَرْمَةُ، وتأتي بتحريكِها، قالَ الجوهريُّ: ((والحَبَلةُ أيضاً بالتحريك: القضيبُ من الكرْم، وربَّما جاء بالتسكين))()13.
وبيَّنَ ابنُ فارسٍ أَنَّها تأتي بتسكينِ الباءِ وبفتحِها فقالَ: ((وَأَمَّا الْكَرْمُ فَيُقَالُ لَهُ حَبْلَةٌ وَحَبَلَةٌ))()14.

وجعلَ الزمخشريُّ التي بتسكينِ الباءِ هي الأَصلَ، مبيِّناً سببَ التسميَّةِ فقالَ: ((ولَه حَبْلَةٌ تُقِلُّ صِيعاناً، وَهِي الكَرْمَةُ شُبهَتْ قُضبانُ الكَرْمِ بالحِبالِ، فقيلَ للكَرْمَة: الحَبْلَةُ، بزيادةِ التَّاءِ، وقد تُفتحُ الباء))()15.
لكنَّ الذي يترجَّحُ أَنَّ (الحبلة) التي وردت في الحديثِ الشريفِ هي بفتحِ الباءِ، من الحَبَلِ الذي هو الحملُ، وهذا الذي جاءَ في شُروحِ الحديثِ الشريفِ، قالَ ابنُ حجرٍ: ((وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نَتَجَتْ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ( عَنْ ذَلِكَ))()16.
وهو المعروفُ عندَ عددٍ من الفقهاءِ()17، قالَ الخطيبُ الشربينيُّ()18: (( (وَ) الثَّانِي مِنْهَا النَّهْيُ (عَنْ) بَيْعِ (حَبَلِ الْحَبَلَةِ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ()19 (وَهُوَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَغَلِطَ مَنْ سَكَّنَهَا (نَتَاجُ النَّتَاجِ بِأَنْ يَبِيعَ نَتَاجَ النَّتَاجِ) هَذَا تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ (أَوْ) يَبِيعَ شَيْئًا (بِثَمَنٍ إلَى نَتَاجِ النَّتَاجِ) وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ جَهَالَةُ الْأَجَلِ))()20.
فالراجحُ أَنْ تكونَ (الحبلة) التي في الحديثِ بفتحِ الباءِ، وأَنَّ معناها الحَمْلُ، واللهُ أَعلم.


(1) الموطأ: 2/182، كتاب البيوع، ما لا يجوز من بيع الحيوان، حديث رقم: 1908، والحديث في صحيح البخاري: 3/70، كتاب البيوع، باب بيع الغرر وحبل الحبلة، حديث رقم: 2143، وصحيح مسلم: 3/1154، كتاب البيوع، باب تحريم بيع حبل الحبلة، حديث رقم: 1514.
(2) لم أجد هذه الرواية فيما راجعت من كتب الحديث الشريف.
(3) إكمال المعلم: 5/133.
(4) شرح النووي على مسلم: 10/157.
(5) تنوير الحوالك: 2/243، كتاب البيوع، باب ما لا يجوز من بيع الحيوان.
(6) صحيح ابن حبان: 13/147، كتاب الحظر والإباحة، باب الأسماء والكنى، حديث رقم: 5833.
(7) هذا الحديث تم تخريجه في الهامش رقم (1) من هذه الصفحة.
(8) صحيح ابن حبان: 15/449، كتاب إخباره ( عن مناقب الصحابة ( أجمعين، حديث رقم: 6989.
(9) تصحيفات المحدّثين، الحسن بن عبد الله العسكري: 1/262 – 263.
(10) : 982، مادة (حبل)، وينظر: تاج العروس: 28/270، مادة (حبل)،
(11) هو شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري، فقيه حنبلي, كان إِماماً في المذهب الحنبلي, أَخذ الفقه عن قاضي القضاة موفق الدين عبد الله الحجاوي الحنبلي، عربي الأصل، وكان عالما متفننا في الفقه والحديث وغيره، أهم مصنفاته شرح قطعة من المحرر, شرح الخرقي, وشرح قطعة من الوجيز، مات بالقاهرة سنة 772 هـ. انظر: شذرات الذهب: 8/384 - 385، وينظر: المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد، بكر أبو زيد: 2/992. وهو غير الزركشي صاحب البرهان في علوم القرآن، والبحر المحيط في أصول الفقه، فالأخيرُ هو محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله، بدر الدين: عالم بفقه الشافعية والأصول، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، توفي سنة 794 هـ. انظر: شذرات الذهب: 8/572 - 573، والأعلام: 6/60.
(12) شرح مختصر الخرقي: 3/638.
(13) الصحاح: 4/1665، مادة (حبل).
(14) مقاييس اللغة: 2/132، مادة (حبل).
(15) أساس البلاغة: 1/166، مادة (حبل).
(16) فتح الباري: 4/357.
(17) ينظر: المغني: 4/157، وطلبة الطلبة: 110، والمجموع شرح المهذّب، النووي: 9/341، والسراج الوهاج على متن المنهاج، محمد الزهري الغمراوي: 179.
(18) هو ((محمد بن أحمد الشربيني، شمس الدين: فقيه شافعيّ، مفسر من أهل القاهرة، له تصانيف، منها (السراج المنير - ط) أربعة مجلدات، في تفسير القرآن، و(الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع - ط) مجلدان، و(شرح شواهد القطر - ط) و (مغني المحتاج - ط) أربعة أجزاء، في شرح منهاج الطالبين للنووي، فقه، و (تقريرات على المطول - ط) في البلاغة، و (مناسك الحج - ط) )) توفي سنة 977 هـ، الأعلام: 6/6.
(19) ينظر: صحيح البخاري: 3/70، كتاب البيوع، باب بيع الغرر وحبل الحبلة، حديث رقم: 2143، وصحيح مسلم: 3/1154، كتاب البيوع، باب تحريم بيع حبل الحبلة، حديث رقم: 1514.
(20) مغني المحتاج: 2/379.

د.ضياء الجبوري 02-06-2016 07:48 PM

تنوير الحوالك
 
كتاب « تنوير الحوالك شرح موطأ مالك » , لصاحبه للحافظ الكبير « جلال الدين السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت911هـ) رحمه الله تعالى » ، هو شرح على كتاب "الموطأ" لإمام دار الهجرة وعالم المدينة , مولانا « أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ) رضي الله عنه وأرضاه » , ضمنه تعليقاً على الموطأ على نحو ما فعله في صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، لكنه أوسع منهما لخصه من شرحه الأكبر .


الساعة الآن 09:07 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by